المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

صناعة التحولات الاجتماعية.. من أين تبدأ؟!

تم النشر: تم التحديث:

إن المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية هي في حقيقة الأمر عبارة عن ثورة معرفية جديدة، وذات صلة بالتطورات التكنولوجية، كما أنها أقرب إلى فهم طبيعة السلوك الإنساني، الذي يمكن التعامل معه وفقاً لرؤية جمعية، ويستطيع من خلالها المجتمع أن يؤدي دوراً تكاملياً مع التوجهات الجديدة.

فلم يعد بإمكان المجتمعات أن تظل ساكنة دون إحداث حراك مجتمعي يتلاءم مع النماذج المؤدية إلى فهم المتغيرات والمستجدات التي يمكن أن تطرأ على المشهد السياسي والاجتماعي.

إن حركة المجتمعات، التي هي في طور النشأة، قد يكون للأدوار الاجتماعية، والممارسة السياسية دور في إبراز مكونات الفكر في مسار التوجيه لمآلات الحراك المجتمعي، والتوجه بها إلى مساقات أخرى، ليمكنها التعاطي مع الأساليب المؤدية إلى خلق نوع من الاستقرار المعرفي.

وهكذا نجد أن فرقاء العمل السياسي والاجتماعي في حالة البحث عن مرجعيات إدراكية، ولديهم المقدرة على إيضاح النواتج من تغيير المعادلات الإحصائية، وعلاقتها بوضع الأسس والمعايير اللازمة لحجب الحقيقة عن المدخلات الفعلية، التي قد يعبر عنها مجازاً من خلال رموز اجتماعية، ودلالات ثقافية؛ لنصل من خلال تلك الحقيقة إلى التعامل مع مكونات الهوية في مسارات تأويلية.

ما يدور الآن في الساحة السياسية والعامة هو محاولة لاستعادة الأنماط السلوكية لدى شرائح متعددة من المجتمعات؛ كي يتم التفاعل الاجتماعي مع إمكانية إحداث تحول تكتيكي أو استراتيجي في المجال المحدد للفعل الاجتماعي، وبذلك يكون المؤشر الاستثنائي لطبيعة الممارسة السياسية في حالة تلاقٍ مع الأنماط المناسبة، وفي ظل الفاعلين الأساسيين، الذين يتوقع منهم التعرف على الآليات الجديدة للنظام العالمي الجديد، وأثرها في محاور السلال التفاوضية، ومساراتها التشاورية.

ولذلك هل يمكن البناء الاجتماعي على المساعي الأممية لحل أي توترات أو نزاعات في المنطقة العربية؟ دون الرجوع إلى تلك الأنماط وتحديد الفاعل الأساسي، والمتغير الثابت، في تكوين اتجاهات الرأي العام، لا سيما أن الجهود المبذولة لم تتضح بعد نتائجها في ظل محاولات لكسب الوقت نحو غاية ضبابية، لكن أبعادها قد تبدو قائمة على التوافق المبدئي على السياسات المتفق عليها ضمناً، والتعامل معها في إطار براغماتي يعكس الرؤية الإقليمية والأممية حيال وضع المحددات اللازمة لضمان استمرارية النظام القائم ضمن أولويات جديدة، ومحاولة إحداث تغير ديناميكي في أطرها الثقافية والاجتماعية، بحيث تتلاءم مع توجهاتها المستقبلية، التي قد تعبر عن مرحلة انتقالية لتمرير الافتراضات المتوقعة من السيناريوهات البديلة لأي محاولات أخرى تقع ضمن القرارات الدولية.

ولنقدم نموذج التجربة المصرية التي عبرت عن الثقافة السياسية لموجة ما قبل الدولة، وما تلاها من إرهاصات فكرية وثقافية، وأدت في مجملها إلى استيعاب الهياكل الاجتماعية الملائمة، وأعلنت بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن إرادة الشعب المصري وتكويناته السياسية والاجتماعية والإعلامية والاقتصادية، ودورها في صناعة التغيرات في المنطقة العربية خلال مراحل متعددة، وكانت فيه الدبلوماسية المصرية في مرحلة خاصة، بحيث يمكن على ضوئها وضع الأفكار المناسبة، في مرحلة موازية لها ضمن الحراك الإعلامي، الذي يتسم بنوع من الانسيابية في الأداء حول أبرز التوجهات المستقبلية، في إطار محيطها الدولي والإقليمي، ومدى اتساقها مع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي سيكون لها أثر في صياغة القوانين والتشريعات عبر قبة البرلمان، أو صناعة تحولات جديدة في البنية التشريعية، وعلاقتها بالسياسات الانتخابية في جولات قادمة، وعبر مراحل محددة.

ومن هذا المنطلق، فإن القراءة الموضوعية لما يدور حالياً في أروقة السياسة الدولية هي خطوات استباقية كثيرة من المآلات المتوقعة من حالة الازدواجية في القرار السياسي لدى بعض الدول التي تقع في خضم أزمة تتعلق بالمرجعيات السياسية والاجتماعية، التي يمكن من خلالها دراسة جدوى التعامل مع السياقات النظرية حول البرامج الانتخابية، سواء على المستويات الحزبية أو السياسية، وبحسب نوعية الانتخابات (رئاسية - تشريعية " برلمانية " - محلية).

ولكن ما يمكن ملاحظته في تلك السياقات أن صانعي القرار في حالة تبدو أنها مراجعة للأطر المجتمعية في قضايا تتعلق بالمسائل الفنية اللازمة لإحداث تغير اجتماعي يتناسب أو يتلاءم مع متغيرات الواقع الجديدة، التي ستكون بمثابة خطوط عريضة للتعامل مع المستجدات في تلك المتغيرات، والمبنية على عدد من المؤشرات الميدانية، وفي إطار السياقات المعرفية الملائمة.

ما يمكن ملاحظته أيضا ً أن هنالك حالة من الصراع الكامن حول عدد من الأفكار الناجمة عن الأسباب المؤدية إلى نشوء هويات جديدة ضمن الممارسات الاجتماعية للنظام السياسي القائم، وتكون من خلاله "الكفاءة السياسية" هي المرتكز الرئيسي للتعامل مع برامج التطبع السياسي والاجتماعي.

إن المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة في مرحلة المحاولة لخلق أمة جديدة، والتي قد يترتب عليها خلق تواريخ جديدة في مواجهة تحديات "بعض الشعوب التي تحاول أن تزيف في تاريخها؛ كي ترتدي مسوح أمة بين سائر الأمم الأخرى".

وهكذا نجد أن دخول "الشعوب" إلى الساحة السياسية قد خلق تحولاً في المتطلبات التاريخية لقيام الدولة، وجعل من الأمم أن تنتقي حقباً تاريخية معينة بحيث تتلاءم مع توجهاتها المستقبلية، وتحمل تلك المتطلبات دلالات ذات مغزى تتعلق بأشكال "الحركات الاجتماعية الجديدة"، التي قد يمكن أن تظهر في المعترك السياسي والاجتماعي في مراحل أو طور التكوين للهويات الجديدة، وتضفي عليها طابعاً يبدو أنه مألوف لدى المجتمعات المستهدفة، لكنه قد يكشف لنا أو يعيدنا مرة أخرى إلى التناقض القائم بين السياسات التعددية المتباينة تحت مظلة منظومة اجتماعية وسياسية قائمة على سياسة المناورة، وسرعان ما تجد النظم الثورية أنها تحتاج إلى أن تضحي ببعض من مثالياتها وأيديولوجياتها، وهذا ما أدى إلى دراسة جدوى خلق تركيز السلطة في قبضة المؤسسة المزدوجة من الدولة على المستوى الشكلي، وتعمل الدولة - الأمة في جوهرها على تزويد أفرادها، أي مواطنيها، بالمتطلبات الأساسية التي تؤكد لهم هويتهم المكانية والزمانية، وينبثق عنها سياسة الدول على مستوى الشكل والجوهر، التي قد تتبدل وتتحول من خلال فهم لجهود الأحزاب المتنافسة في تعبئة الجماعات التي تتبنى قيماً مخالفة للقيم السائدة في المجتمعات المحلية المتعددة.

ويُسهم ذلك الأمر في بناء منظومة العلاقات الدولية، إما أن تتجه بها إلى حالة من الاستقرار السياسي، أو أن تحتل موقعاً هامشياً على حافة المنظومة السياسية، وبالتالي إتاحة المجال من أجل إيجاد منظومة قيم بديلة، وبذلك نجد تفسيراً "للصراعات التي يمكن تحديدها"، والتي ما تكون نتاجاً للصراعات المتوقعة في الأجندة السياسية، ويعكس هذا الصراع حالة التحزب الاجتماعي والسياسي في مناطق التحولات الاجتماعية في النطاقات الجغرافية المستهدفة، ومن خلالها يمكن دراسة جدوى تقسيم أو إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية.

ومن هنا، نعتقد أن الانتخابات تلعب دوراً أساسياً على المستوى الأيديولوجي؛ إذ إن الانتخابات هي التي تنقل الصراعات بأمان إلى الساحات الدستورية، ومن ثم تصبح دراسة الجغرافيا الانتخابية أمراً ضرورياً، ولكن ليس في شكلها التقليدي المعروف، من خلال ثلاثة أوجه للمقاربة (الكمية) الجديدة التي طبقت على الجغرافيا الانتخابية: جغرافيا التصويت، والتأثيرات الجغرافية في التصويت، والتحليلات الجغرافية للدوائر الانتخابية.

وعلى ضوء ما سبق، تتحدد طبيعة التحالفات الانتخابية في ظل الخيارات المتاحة في حلبة الصراع التي قد تحدد طبيعة التعددية التي تشهدها الأحزاب السياسية، كالتحالف مع أصحاب التوجه العلماني، أو مع رجال الدين والمؤسسات الدينية من ناحية، أو مع التجار ورجال الأعمال من ناحية أخرى، وكل تلك التحالفات أو غيرها قد ينجم عنها التحالفات المضادة لها الكفيلة بإرساء قواعد اللعبة السياسية المبنية على الانقسام الاجتماعي والسياسي، الذي يتم الإعداد له قبيل تلك الانتخابات أو أثناءها؛ لتعبر عن حركة (السلطة والمعارضة)، والصراعات الظاهرة أو الكامنة لدى الفئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تبرز صلتها بالسياق الجغرافي؛ لتحل محله جغرافيا جديدة متطورة، وبذلك تصاغ السياسات العامة للبرامج الانتخابية من منظور الجغرافيا الانتخابية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.