المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

سياسة تنمية القيادات

تم النشر: تم التحديث:

تعد الحركة الكشفية والإرشادية من المؤسسات التربوية والاجتماعية التي ساهمت في تربية وتنشئة جيل من القيادات، وفي مختلف المجالات، وبالرجوع إلى تاريخ الحركة الكشفية والإرشادية لنجد أنها انطلقت من رؤية واضحة ومحددة تنسجم مع الأحداث المحورية التاريخية التي شهدها العالم، وعلى مختلف مراحلها، ولم يكن لدى الحركة الكشفية والإرشادية إلا الاستمرارية في ذلك الفكر الذي تعبّر عنه بأنها "حركة تطوعية تربوية"، وتعكس في جوهرها القيم الخلاقة للتربية في مختلف المناشط؛ لتلبي احتياجات المجتمع وبما ينسجم مع سياسة تنمية القيادات في تلك البلدان.

ولما كانت الأمة العربية والإسلامية تشهد العديد من الاضطرابات السياسية والنزاعات الإقليمية كان للحركة دور بارز في الاتساق مع الجهود الرامية إلى بلورة رؤية جديدة يسطع نجمها في سماء العالم العربي والإسلامي.

لقد كانت الحركة ولا تزال قادرة على أن تثبت جدارتها وأحقيتها في أن تكون في طليعة المؤسسات التربوية والاجتماعية التي اضطلعت بأدوار متعددة في مسارات التوجهات القومية والإسلامية والليبرالية، ولكنها على الرغم من ذلك احتفظت بالقيم التربوية والاجتماعية التي تعبّر عن خصوصية المجتمع وتراكمية إرثها الحضاري والتاريخي، والتي يمكن أن تعزز من الإمكانات، وتبحث في مجالات الإخفاق التي قد لا تجعل من تلك الحركة حركة اجتماعية أو سياسية اعتيادية، بل يمكن لها أن تنساق في مجالات "التأثير والتنظيم والوحدة" التي تحدد طبيعة التوجهات منذ تأسيسها عالمياً وعربياً ووطنياً.

فعلى الصعيد العالمي، نجد أن الحركة الكشفية والإرشادية كانت -ولا تزال- تحافظ على الدور المطلوب منها في وضع السياسات العامة والمنهجيات الاستراتيجية التي تبلور فكرة التأسيس للانخراط في صفوف الفتية والشباب في مختلف دول العالم.

ومهما تكن الغايات والأهداف التي ترسم ملامح الخطوط العريضة لتوجهات الحركة الكشفية والإرشادية على المستوى العالمي غير أنها ما تلبث إلا أن تجسد "الخصوصيات المجتمعية، والبيئات الجغرافية، والسياقات التاريخية" التي تلقي بظلالها على المستويين العربي والوطني؛ حيث يمكن لها أن تؤكد مجدداً أنها ما زالت قادرة على استيعاب الكثير من الرؤى والأفكار المستمدة من البيئات المحلية وأثرها على السياسات الداخلية والخارجية للبلدان المنضوية فيها، وفي إطار الرؤية العامة للحركة الكشفية والإرشادية، في مجالات تراعي الفروق الفردية وخصائص النمو لمراحلها المختلفة، وتسمو بتلك الرؤية وتنحو بها في مسار التجديد والأصالة والمحافظة على الموروثات الثقافية بأبعادها المادية وغير المادية، التي يعبّر عنها من خلال العديد من الأفكار والتوجهات اللازمة لتبيان أن المؤسسات التربوية والاجتماعية يمكن أن تتكامل في الدور الوظيفي والعمل الإنساني (التطوعي)، بما يرسخ القناعات التي تنسج وحدة الفكر في ظل التعددية الثقافية.

أما على الصعيد العربي، فإن المنظمة الكشفية العربية ومنذ الوهلة الأولى لتأسيسها واعتمادها ضمن الهيئات الدولية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع المنظمات الدولية المختلفة واضطلاعها بالدور التربوي والتوعوي والاجتماعي في مواجهة التحديات التي تواجه الشباب العربي، فإنها بذلك تجسد الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لتشكيل الرؤية العالمية للحركة الكشفية والإرشادية من خلال الإقليم العربي؛ لتسهم في إعداد قيادات لديها القدرة على التعامل مع المستجدات بحسب المراحل التاريخية والمتغيرات الدولية والإقليمية التي تمر بها الشعوب العربية، بحيث لا تكون المنظمة الكشفية العربية بمنأى عما يدور في المجتمعات العربية من هموم اجتماعية ومشكلات صحية وبيئية واقتصادية التي قد تكون ضمن القواسم المشتركة لتكوين هوية وطننا العربي الكبير.

فإن المنظمة ومن خلالها قياداتها والعاملين فيها قد تسهم من خلال برامجها وأنشطتها الرسمية وغير الرسمية في الإسهام بتشكيل الوعي لدى النشء والشباب إزاء القضايا المجتمعية والتحديات التي تواجهها في ظل العولمة وحركات الإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي بحسب سياسة الدول العربية، انطلاقاً من مبادئها وقيمها التي لديها القدرة على المواءمة بين المتطلبات المجتمعية الماثلة بتربية النشء والشباب، والانفتاح على الآخر وإعلاء قيم الحوار والحفاظ على الموارد والقيم، و"تنمية العمل التطوعي في صفوف القادة وقادة القادة" التي أسهمت في بلورتها المؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى من خلال "مدخل البناء الاجتماعي"؛ ليتكامل نسقها المعرفي مع إبعاد الواقع الاجتماعي بشقيه السياسي والاقتصادي، وتوفير الفرص الملائمة للقيادات في التعامل مع البرامج الهادفة إلى التعامل الخلاق مع السياسات العامة للمنظمة في إحداث تغيير اجتماعي وتنموي في تلك المجتمعات، وإيجاد قنوات للشراكة مع الهيئات الدولية المانحة.

لذلك ظلت المنظمة الكشفية العربية، وعلى الرغم من إمكاناتها المتاحة من المنظمات التي أسهمت في الاستفادة من الخبرات العربية في مجالات متعددة مستمدة من التجارب العربية والإسلامية، والمكتسبات الحضارية التي من شأنها إيضاح الرؤى المناسبة لإيجاد آليات استراتيجية لتدريب وتأهيل وبناء القدرات لمنتسبي الحركة الكشفية والإرشادية.

أما على المستوى الوطني، فقد كانت للحركة الكشفية والإرشادية باعتبارها "حركة تربوية غير سياسية" ضمن المؤسسات التربوية والاجتماعية التي تتعامل مع المتغيرات والمستجدات التي يمكن أن تطرأ على الساحة السياسية والعامة، ولذلك يتفاوت الاهتمام بالحركة الكشفية والإرشادية من بلد إلى آخر بحسب السياسات العامة لتلك الدول، ومدى إيمانها بالدور المطلوب منها في المراحل المناسبة، ومن حيث الدعم الحكومي لمثل تلك الجمعيات الوطنية، وعلى الرغم من الإمكانات البشرية والمادية اللتين تُشكلان العامل الأساسي في تنفيذ برامج وخطط تلك الجمعيات وبالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، فإن أبرز ما يمكن الإشارة إليه أن هناك بعض التوجهات الرسمية (الحكومية) الرامية إلى تعزيز دور الجمعيات الوطنية وتسخير الإمكانات المادية اللازمة، ولكن بعض الظروف والمستجدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد تحد من تقديم الدعم اللازم لتنفيذ أنشطتها وبرامجها حتى يتسنى التعامل مع الإمكانات المتاحة، وتوفير المناخ السياسي الملائم لاستمراريتها في مواجهة التحديات، لا سيما تحديات القرن الـ21 من حيث "نظريات التحديث، وعولمة الفقر، والتغير المناخي، وديمقراطية التربية.."، في ظل التوجهات الدولية والإقليمية وانعكاساتها على الشؤون المحلية والوطنية في سياقات تتلاءم مع التوجهات العامة للسياسات والإجراءات القائمة في تلك البلدان؛ لنرى شعار الحركة الكشفية والإرشادية في مجال خدمة وتنمية المجتمع (سأبذل جهدي لأكون مستعداً بأفق واسع في خدمة وتنمية المجتمع)؛ ليشكل إضافة إلى وظائف / أهداف الجامعة (التدريس والبحث العلمي وخدمة وتنمية المجتمع)، فضلاً عن المنهج الخفي للتربية لتتضافر الجهود الحكومية مع منظمات المجتمع المدني.
ذلك كي نجد هذا الشعار مساراً وليس شعاراً فحسب؛ لكي يشتمل على أطوار التفكير المختلفة، وأهمها طورا التفكير النقدي والتفكير الخلاق أو الإبداعي؛ ليكون للحركة الكشفية والإرشادية دور في صياغة نموذجها "لمجتمع المعرفة" بالشراكة مع المؤسسات التربوية الأخرى كالمدرسة والأسرة ووسائل الإعلام.. إلخ، وبما يحقق الغايات المرجوة، ويحافظ من خلالها على هويته الثقافية في إطار العلاقة التكاملية بين التربية والمجتمع.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع ساسة بوست

*للتأمل:

الزمن بطيء جداً لمن ينتظر، سريع جداً لمن يخشى، طويل جداً لمن يتألم، قصير جداً لمن يحتفل، لكنه الأبدية لمن يحب. (ويليام شكسبير).


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.