المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

نحو بناء الدولة الاتحادية: قراءة في سياسات التغير الثقافي في اليمن

تم النشر: تم التحديث:

تعلن الصحيفة الأولى الدورية الدولية "الدراسات الثقافية" Cutrural Studies أنها "مكرسة لمفهوم أن دراسة العمليات الثقافية، لا سيما الثقافة الشعبية، مسألة مهمة ومعقدة، ومفيدة من الناحية النظرية والعملية".

وفي أوروبا -على أقل تقدير- فمن المسلَّم به أن القائمين على الدراسات الثقافية هم من اليساريين، وعن ذلك كتب جون ستوري: "إن جميع الافتراضات الأساس للدراسات الثقافية هي ماركسية"، وقد كانت الماركسية أقل تأثيراً في الولايات المتحدة، إلا أن الدراسات الثقافية في أميركا تتميز بالمعارضة الراديكالية التقليدية لفضل النظرية عن الممارسة، وقد ينخرط المتخصص الثقافي في كليهما دون أن يترك مقرها، والذي من المحتمل أن يكون في إحدى الجامعات في قسم الآداب أو التربية، وليست تجنيد الطلاب وهيئة التدريس وفي تحديد المرجعية.

ويمكن الاحتجاج بأنه يجدر إدراج الأنثروبولوجيا في نطاق الدراسات الثقافية، إذ عليها بالفعل واجب مدني لفضح العدو (الرأسمالية والهيمنة الغربية والسلطة الأبوية)؛ حيث يقوم هذا الجدل بصفة خاصة على ضرورة أن يعاد تشكيل الأنثروبولوجيا الثقافية كفرع من فروع الدراسات الثقافية، إذا وجدوها أقل إزعاجاً من الناحية الأخلاقية، فقد يكون من الأسهل عموماً دراسة البرامج التلفزيونية في غرفة معيشة مألوفة من المغامرة في مقاطعات "الآخرين".
وهنا نقدم نموذج برامج "ستار أكاديمي"، سواء في الغرب أو الشرق، بغض النظر عن الدراسة البحثية، لكنها تقدم إطاراً للحالة الثقافية السائدة في تلك المجتمعات، وهو ما يجعل من تلك البرامج موضعاً للتفسير النقدي لتجار الثقافة "منتجي البرامج"، ومع ذلك سوف يشعر كثير من علماء الأنثروبولوجيا بالخديعة من قِبل برنامج الدراسات الثقافية، التي قد تلقي بظلالها على تشكيل الفكر/الوعي لدى متابعي تلك البرامج من خلال منظور خاص جداً.

وهكذا تكون المؤسسات المنتجة لذلك الفكر هي ذاتها المنتجة للثقافة، من ثم يتمثل مصدر القلق الرئيسي فيمن يمول تلك المؤسسات، وماهية المصالح التي يقومون على خدمتها، مما يجعل ذلك "المنتج الثقافي: الممارسات والسلوكيات" المتعلقة بتلك البرامج بمعزل عن النزعة المؤسفة للمصادقة على أنواع معينة من الرقابة، وقد تكون عوامل الضبط الاجتماعي محط السخرية؛ لأنها "صحيحة سياسياً" politcally Correct، في ظل الافتراضات الرئيسية العامة للدراسات الثقافية: من الثقافة تخدم السلطة، وأنها تُتحدى (وهو أمر يتعين القيام به)، ويتمثل الاعتراض الواضح في أنه عندما تقتصر الثقافة على الفنون، ووسائل الإعلام، والنظام التعليمي، إذا كانت مرتبطة بالحرية الفردية أو المجتمعية.

وأخيراً.. يستند نموذج عمل الثقافة إلى فهم ما يحدث في المجتمع الاستهلاكي الغربي / العربي المعاصر، وعندما ينظر كتاب الدراسات الثقافية إلى الخارج - وهو ما يمارسونه على نحو يتكرر - فإن ما يرونه هو عملية أمركة Americaniztion (يطلق عليها العولمة)، ومن الواضح أن سائر العالم محكوم بتكرار الدراما الثقافية التي عرضت أول مرة في المدن الكبرى، وسيمثل العالم بأسره.

وكيف جعلت الدراما من العالم قرية صغيرة عبر الوسائط الإعلامية والاجتماعية، كالمسلسلات التلفزيونية المكسيكية والتركية والهندية والعربية.. إلخ، التي تقدم بورتريه دارمياً عن الوضع المعيشي والنمط الاجتماعي والثقافي في تلك المجتمعات (زمانياً ومكانياً) وعلى مستوى الريف والحضر، بينما يتنافس الناشرون على التفسيرات الخاصة بالكيفية التي يفهم بها تلك الأعمال الفنية بحسب طبيعة المجتمعات.

ولذلك ينظر علماء الأنثروبولوجيا الأميركيون بقلق إلى الدراسات الثقافية على أنها تشكل تهديداً للمجال الأكاديمي الذي يحتكرونه، في حين ينظر الكثيرون إلى التعددية الثقافية، بوصفها فرصة سانحة، ومع ذلك فإن التعددية الثقافية قد تُمثل تحدياً أكثر تدميراً؛ نظراً إلى أنها ترجمة سياسية لبعض الأفكار الأساس حول الثقافة من تلك التي قد يؤيدها علماء الأنثروبولوجيا، لكن بطريقة تركز على الفروق الدقيقة، ومن ثم فإنها تثير مشكلات مُقلقة حول الدلائل الضمنية لنظرياتهم.

وعلى ضوء ما سبق يكمن التساؤل الأبرز:

هل يمكن أن نوجد دراسة لبانوراما عملية التفاعل والتأثير الثقافي المتبادل بين الفكر الشرقي والفكر الغربي على مدى خمسة قرون منذ عصر النهضة؟ أم أن مجال الدراسات الثقافية خلال القرن الماضي والقرن الحالي كفيل بتقديم رؤية نقدية لمسارات تلك الدراسات؟ من حيث المعتقدات والقيم والأفكار، كمحاولة لاستبصار نقدي ذاتي؛ كي نضيق دلالات ومفاهيم جديدة وجوهرية من خلال وقائع التاريخ والنصوص والسير الذاتية والفنون والدراما والثقافة الشعبية وأدب الرحلات، كي نلتمس سبيلاً لفهم تطور الفكر الحديث في الغرب وتفاعله مع الشرق، أم أن العلاقة التاريخية والفكرية بينهما قد جعلت من ماهية الفكر لديهما تتجه نحو استيعاب الفكرة الأساسية المبنية على افتراض أن "الأمة تستطيع أن تكون قوية وموحدة إذا كان هناك فقط إجماع ثقافي".

وعلاوة على ذلك، يتفق المحافظون على أن الثقافة تنقل من خلال التعليم ووسائل الإعلام، كما يشعرون بالقلق من أن يتحصن مؤيدو التعددية الثقافية في مراكز السلطة في الكثير من المدارس والجامعات، وفي الصحف، ومحطات التلفزيون؛ حيث يتبوَّأون موضعاً استراتيجياً لتعزيز الاختلاف، وإلى الحد الذي يبلغونه في تحقيق النجاح، فإن مؤيدي التعددية الثقافية سيعرضون زعامة أميركا للشؤون العالمية للخطر، إذا أخذت أميركا على عاتقها عبء نشر الحضارة الكونية (التي توصف أحياناً دون أدنى تقدير من قِبل معارضيهم بعبء الرجل الأبيض)، مما جعل المفكر صامويل هينغتون -الذي يعيد صياغة مشروع التنوير الجديد - ضرورة أن تتحد أميركا إذا كانت نيتها تتجه إلى حشد قوى الحضارة الغربية في الصراع القادم ضد البربرية.

وهكذا نجد أن العامل أو المواطن ليس هو البطل الرئيسي في صراع التعددية الثقافية، وإنما العامل الثقافي، فالسياسات تُملى من قِبَل الهوية الثقافية، كما أنها تتعلق بسيطرة الثقافة وتعد فكرة الهوية مركزية في هذا الخطاب، ومن الحوار تولد الهوية، لكنها ليست الوسيلة التي تُخبرنا بها الهوية، سواء كانت ذاتية أو جمعية، بمعنى أن الهوية تُدرك من خلال المشاركة في الثقافة، ويعلق زيغموند باومان قائلاً: "إن المفاهيم المتعلقة ببناء الهوية وتلك الخاصة بالثقافة ولدتا معاً، ولا يمكن لهما غير ذلك".

لذلك نجد أن الهوية الثقافية تمضي جنباً إلى جنب مع السياسات الثقافية، ولا يستطيع أي شخص أن يصبح حراً سوى في المحفل الثقافي المناسب؛ حيث تحترم قيمه، ومن ثم يجب احترام الاختلاف الثقافي؛ بل وتعزيزه، ويمثل البقاء الثقافي النقطة الأساس لهذه السياسات.

ومن هذا المنطلق، نجد أن كثيراً من الدول الغربية والأوروبية والعربية تتجه صوب إيجاد آليات التفاعل الاجتماعي والثقافي الذي يؤطر لنموذج شكل الدولة، في سياقات قد لا تبدو متقاربة ومتجانسة في مجالات القيم باعتبارها متغيرات ثقافية، وعلى العلاقات المتداخلة؛ لأنها مختلفة، ولذلك تعتمد على مقاييس التجانس البشري في القدرة المشتركة على "التعلم، والاقتباس، والاستيعاب".

وهنا نقدم نموذج الإطار الثقافي لدولة الوحدة في اليمن التي تم توحيدها في عام 1990، والتي رافقتها الكثير من الإرهاصات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وجعلت من المرجعيات: المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، والقرار الأممي 2216 إطاراً مرجعياً لاستئناف أي مفاوضات أو مشاورات، ذلك النموذج الذي يتطلب فهما للمتغيرات الثقافية المعاصرة، ودورها في إيضاح مراحل تطور السياقات التاريخية والثقافية والجغرافية لدولة الوحدة اليمنية منذ عام 1990 وحتى الآن، واتساقها مع الأطر المرجعية التي يُعاد بناؤها وتشكيلها من جديد، في إطار سياقات تبدو أنها جديدة، كونها ليست ببعيدة عن سياقات تفاوضية سابقة ذات صلة بالعمق الاستراتيجي للدولة المتوقعة،

وعلاقتها بمراحل أو الخطوات التي مرت بها الوحدة اليمنية حتى عام 1990م، وإذا ما كانت العلاقة بين الثقافة والمجتمع ضمن محاور ضمن محاور تلك المراحل؛ كي تصل الأطراف المعنية إلى القواسم المشتركة ذات الصلة بالدولة اليمنية الاتحادية، في سياق التجربة والملاحظة كي لا توصف تلك الأطراف / الأشكال بأنها عبارة عن كائنات هلامية، وذلك بدراسة الأشكال الآخذة في التغيير التي ترتبط بها اللغة، والمعرفة، والأساليب، والأيديولوجية السياسية، والممارسة الخطابية، والشعائر على مستوى الفرد والمجتمع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.