المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

مع إطلالة عام 2017: قراءة في كتاب "انتقام الجغرافيا" للمفكر الأميركي روبرت د. كابلان

تم النشر: تم التحديث:

يعد كتاب "انتقام الجغرافيا: ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير"، تأليف: روبرت د. كابلان، ترجمة: د. إيهاب عبد الرحيم علي، الصادر عن (عالم الفكر)، الكويت، العدد (420)، يناير/كانون الثاني، 2015م، من أهم الكتب الأكثر مبيعاً على مستوى العالم، والتي تقدم منظوراً جديداً لعرض الاضطرابات العالمية، وفهم ما ينتظر القارات والبلدان في جميع أنحاء العالم في المستقبل، ويطرح من خلال ذلك أفكاراً متعددة، ونظريات كبار الجغرافيين والمفكرين الجيوسياسيين في الماضي القريب والبعيد، عبر (15) فصلا ً، تناول فيها الدروس المستفادة من الأزمات الحالية في كل من أوروبا وروسيا، والصين، وشبه القارة الهندية، وتركيا، وإيران، والشرق الأوسط العربي.

ويستهل المؤلف في مقدمة الكتاب المثير "ثمة مكان جيد لفهم الحاضر، ولطرح الأسئلة حول المستقبل، وهو أديم الأرض، مع المسفر فوقها بأبطأ ما يمكن"، ويشير بالقول "أقنعتني التقارير التي كتبتها على مدى أكثر من ثلاثة عقود بأننا جميعاً في حاجة إلى استعادة إدراكنا للزمان والمكان، الذي ضاع في عصر الطائرة النفاثة وثورة المعلومات"، ويقدم بذلك لمحة واضحة المعالم عن طريق عرض آراء عدد من المفكرين بالإضافة إلى آرائه التي استمدها من تجربتيه العلمية والعملية، وساهمت في رسم ملامح السياسة المستقبلية، وفقاً لسيناريوهات كثيرة مبينة على معطيات واضحة حول السياقات الجغرافية والتاريخية المبنية على عدة حقائق.

فالبداية كانت من الإحساس بقيمة الجغرافيا، والتعرف على تلك اللحظة في التاريخ الحديث.. "من البوسنة إلى بغداد"، ومآلات سقوط جدار برلين بحاجة إلى استعادة اللحظة التي استفردتها بشكل تدريجي، والتي كانت بمثابة "مفتاح عمومي" لتحرير "الطموحات السياسية".

ويشير المؤلف إلى أن جذور الطريق إلى بغداد تعود إلى التدخلات في البلقان خلال تسعينات القرن العشرين، التي عارضها الواقعيون والبراغماتيون، حتى بعد أن ثبت أن هذه الحملات العسكرية في يوغوسلافيا السابقة قد حققت نجاحاً لا يمكن إنكاره، وقد أثبتت تلك الرؤية بكونها وثيقة الصلة على نحو ملحوظ بديناميات الحرب الباردة في ثمانينات القرن العشرين، والتي فيما بعد ذلك تتلخص في المعارضة الأولية للجيش الأميركي لإرسال قوات إلى البوسنة وكوسوفو، واعتبار إسقاط "صدام حسين" مجرد امتداد لإسقاط "سلوبودان ميلوسيفيتش"، وكأنها بمثابة نزهة خلوية، والتي كانت مثار جدل واسع بين الواقعيين والمثاليين في مقاربة أخرى من التحذير من المغالاة في استخدام تشبيه فيتنام، ويطرح المؤلف تساؤلاً هاماً "ما العمل إذاً؟ كيف يمكننا شطر الفرق بين إدراك أهمية الجغرافيا في صياغة التاريخ وخطر المغالاة في تأكيد هذه الحقيقة ذاتها؟".

ولهذا يؤكد المؤلف أن "الحتمية تعني التفكير المتحجر، أي الميل إلى الانسحاق بفعل القوى والاتجاهات الكاسحة، وبالتالي عدم التأثر بمفارقات التاريخ وهي تتكشف في الواقع"؛ إذ إن أوقات الاضطراب العالمي، التي تختبر افتراضاتنا حول ديمومة الخريطة السياسية، تؤدي إلى نهضة في التفكير حول الجغرافيا، ذلك لأن الجغرافيا هي الأساس الحقيقي للاستراتيجية والجغرافيا السياسية، والاستراتيجية، كما عرفها "نابليون"، هي فن استخدام الزمان والمكان بطريقة عسكرية ودبلوماسية، أما الجغرافيا السياسية فتمثل دراسة البيئة الخارجية التي تواجهها كل دولة عند تحديد استراتيجيتها الخاصة، وكما قال نابليون، "فإن معرفة الخصائص الجغرافية لأمة ما تعني معرفة سياستها الخارجية".

وفي هذا الصدد، يوضح المؤلف أنه "حتى بعد الحرب، سيكون هناك القليل من الراحة من مأساة الوضع البشري"، وما رافق ذلك، من تشويه للنازية، مشيراً في ذلك إلى فكرة "المجال الحيوي" وتأثره كثيراً بدوره بكتابات "تشارلز داروين"، وما نتج عنها من "أفكار ضبابية"، مما جعل وصف الجغرافيا السياسية -وفق المنظور الألماني- بأنها "عالم من الحركات البهلوانية على أرجوحة الأيديولوجية".

من هذا المنطلق، فقد أوضح المؤلف أنه لم يكن "روبرت شترواس- هوبي" الأميركي المتجنس الوحيد الذي حذر مواطنيه خلال الحرب بشأن ضرورة إنقاذ الجغرافيا السياسية من براثن النازية، ومن ثم استعادة سمعتها، وتوظيفها لمصلحة الولايات المتحدة، غير أنه استدرك بعد ذلك بالقول: "إننا في عالم تحركه ترتيبات القوة العسكرية المحضة"، وسيظل عالماً تسوده الجغرافيا السياسية التي تحكمها الجغرافيا، خصوصاً في محيطات العالم، انطلاقاً من حقيقة مفادها "رأى سبيكمان أن الأرض المحيطة تمثل مفتاح القوة العالمية، وليس المنطقة المركزية لماكيندر"، وقد كتب قائلاً: "إن المجتمع الدولي هو مجتمع من دون سلطة مركزية للحفاظ على القانون والنظام"، بل إنه في حالة من الفوضى، وبالتالي، يجب على جميع الدول أن تكافح من أجل الحفاظ على ذاتها.

من هنا، تأتي جاذبية القوة البحرية التي "توفر الجغرافيا خلفية لما تدبره الخيارات البشرية"، والتي قد تنبئ بظهور نظام متعدد الجنسيات من التحالفات الملاحية لحراسة المشاعات Commons العالمية؛ لذلك فمن المهم عدم تشويهه على نحو مبالغ فيه، الأمر الذي نتج عنه التحديات المستقبلية في مجال الأمن الوطني وغيرها من المجالات، لدى القوى العالمية (أميركا - روسيا)، وظهرت من خلالها الكثير من "أشكال الأفضلية السيكولوجية: المناورات السياسية، والتهديدات الضمنية، والردع، وإرسال الإشارات Signaling، ورسم الخطوط في الرمال.."، مما جعل بعض الدول تحذو حذوهما على الرغم من افتقارهما "لآليات المراقبة البيروقراطية".

أما في أوروبا، فقد أشار المؤلف إلى أن "أوروبا تعيش بالتأكيد في طور التقلص ديموغرافياً بفعل بقية بلدان آسيا وإفريقيا، وحتى الشعوب الأوروبية أنفسها أصبحت تضم أعداداً أكبر من مواطني إفريقيا والشرق الأوسط"، أما بالنسبة لجغرافية القوة الصينية فقد افترض أن الصينيين "قد يشكلون الخطر الأصفر على الحرية في العلم، لمجرد أنهم سيضيعون واجهه محيطية إلى موارد القارة العظيمة، وهي ميزة لا يزال المحتل الروسي للمنطقة المحورية محروماً منها.."، وبذلك يطرح تساؤلاً هاماً: "هل يمكن للجغرافيا أن تؤدي مرة أخرى إلى التباعد بين روسيا والصين، اللتين يقتصر تحالفهما الحالي أساساً على الجوانب التكتيلية؟"، ولذلك تظهر معضلة الهند الجغرافية على الرغم من اعتبارها، بحسب رأي المؤلف، الدولة المحورية المطلقة، غير أن الهند تبذل محاولات مستميتة من أجل الهروب من هذه الجغرافيا ومن هذا التاريخ".

أما بالنسبة للمحور الإيراني، "إن وجود إيران ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، وتحديداً بسبب القوة الجغرافية للدولة الإيرانية، يحصل إمكان تحفيز مئات الملايين من إخوانهم المسلمين في كل من العالم العربي، وآسيا الوسطى"، وأشار المؤلف إلى المناورات الدبلوماسية المثيرة لمساعدة إيران للتهرب من العقوبات الاقتصادية، وإذا كانت الهضبة الإيرانية تمثل الجغرافيا الأكثر محورية في الشرق الأوسط الكبير، فإن الجسر البري للأناضول أو آسيا الصغرى، يليها في الأهمية، وهذا ما جعل تركيا تتطلع أو تأمل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في مواجهة تحديات تنامي تيار الأسلمة فيها، الناجم عن الوعي الإسلامي الذي يتزايد على الرغم من ذلك جنباً إلى جنب مع العولمة، وبذلك تنامي الجانب الإسلامي من الهوية التركية، مما دعا المؤلف إلى الإشارة إلى "لنتفكر في كيف أن العولمة، التي تمثل بمعنى ما أمركة العالم، تعمل على الرغم من ذلك كوسيلة لتحدي الهيمنة الأميركية"، غير أنه يكشف في ذلك ضغوطاً حضارية، انطلاقاً من كون "السياسة الخارجية الأميركية تنبع من الحالة الداخلية لمجتمعها في ظل محاولة إدخال ثقافة شديدة الاختلاف، الأمر الذي نتج عنه تنوع وتشتت تيار المهاجرين".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.