المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

اللغة العربية ودينامية الإصلاح التربوي في البلدان العربية

تم النشر: تم التحديث:

اللغة العربية أداة الفكر وحصنه، وهي ليست أداة تفاهم وتواصل فحسب، وإنما هي أيضاً أداة تفكير وتأمل، فالإنسان يفكر ليتكلم، واللغة والفكر في علاقة جدلية متواصلة، واللغة إذاً وثيقة الصلة بالوعي والثقافة السائدة في أي مجتمع كان.

اللغة حاملة ثقافة المجتمع، ولا يمكن أن تنفصل عنه، وقد تكون اللغة أداة للدمج الاجتماعي، فبوسعها أن تدمج الفرد في ثقافة مجتمعه، وتكسبه الذهنية، خلال عملية التفاعل معها، وقد تكون أداة لإنتاج التخلف الثقافي في المجتمع أو أداة إنتاج بنية التفاوت الطبقي في المجتمع.

ينبغي أن تلعب اللغة العربية إذاً دوراً جوهرياً في حركة النهضة العربية لتحقيق التقدم بأن تكون أداة فاعلة -في سياق النهضة- للوصول إلى المعرفة وللتعبير عن الأفكار والآراء الناهضة، وأن يكون دورها حاسماً في تنمية القدرات الفكرية والإبداعية، لمتطلبات مجتمع المعرفة.

تشير معظم التقارير والدراسات إلى أن اللغة العربية تعاني أزمة، وتواجه تحديات حقيقية تتعلق بتعليمها واكتسابها واستخدامها، والإبداع والنقد بواسطتها، كما ما زالت تواجه مشكلات تتعلق بمعالجتها آلياً في تقنيات المعلومات الحديثة.

ويلاحظ انخفاض مستوى إجادة اللغة الفصحى قراءة وكتابة وتعبيراً لدى طلاب التعليم الثانوي والجامعيين، بل لدى شريحة كبيرة لا يستهان بها من خريجي الدراسات العليا; مما يكشف عن نقاط الضعف الهائل في تدريسها، وفي كفاءة مدرسيها، وفي التوجه نحو الاهتمام بها، فهنالك ضرورة بألا تقتصر عملية الاهتمام باللغة العربية على مدرس اللغة العربية فقط، بل يجب أن يتم الاهتمام بتنمية القدرات اللغوية لدى معلمي ومعلمات المراحل الدراسية، أو أن يكون لهم دور في تطوير القدرات اللغوية للطلاب من خلال التزامهم بلغة عربية سليمة وواضحة، والتأكيد على أهميتها.

أما بالنسبة لمستخدمي الإنترنت، عبر مواقع التعارف والتواصل الاجتماعي والمدونات ورسائل الموبايل، فالغالبية نجد أنها تخلط بين العامية والفصحى، وبما يتلاءم مع المواضيع التي ينشرونها، مما قد يهدد ثقافة اللغة الأم على المدى البعيد.

يرى بعض محللي دينامية الإصلاح التربوي في البلدان العربية أن اللغة العربية هي إحدى الروافع الأساسية للاندماج الاجتماعي العربي على طريق النهضة العربية، وقد قامت عدة دول عربية في إطار تطوير مناهجها الدراسية بدمج اللغة العربية والدين في مادة واحدة منذ عقود، وقامت بدمج اللغة العربية بالدين، وأدى هذا الاندماج الجانبي إلى نتائج لا تخدم صحيح الدين أو تنمية اللغة وتطويرها، وصحيح أن اللغة العربية أداة التواصل الاجتماعي الواسع، وأداة للتفكير شديد التنوع في الفلسفة، والآداب، والعلوم.
ثمة اتجاه آخر حدث في عملية تطوير المناهج الدراسية في المنطقة العربية، وهو تحميل اللغة العربية بالنزعة القومية كوقف سياسي، لكن النتائج كانت متقاربة مع الاتجاه الأول (الديني)، فتراجعت اللغة العربية عن ميادين العلم والأدب والفلسفة وعن التعامل مع الثقافات العالمية، وبين تديين اللغة، وصبغها بالصبغة السياسية القومية قولاً وتبخيسها فعلاً.

ولهذا، فإن من الضروري بذل الجهود الإضافية من أجل الاهتمام بمكانة اللغة العربية وإصلاحها وتطوير تدريسها والنظر إليها كأداة للمساهمة في إنتاج المعرفة، وليس في عزلة عن تطور مجتمع المعرفة، وذلك إلى جانب تعزيز تدريس اللغة الأجنبية حتى تتمكن من مواجهة تحديات الثورة المعلوماتية، وتنمية المهارات اللغوية والعربية والأجنبية لدى اليافعين العرب منذ المراحل التعليمية الأولى؛ ليتمكنوا من المشاركة في مجتمع المعرفة، واللغة الأجنبية، وبخاصة الإنكليزية، أداة مهمة لتمكين شريحة واسعة من النشء من الانفتاح على المجتمعات الأخرى والتواصل معها، وفي الوقت نفسه، فإن الاهتمام باللغة الأم كان ضرورياً في الحفاظ على المجتمع، لتحقيق التواصل الاجتماعي، وتنمية الهوية والمواطنة.

وتأسيساً على ما سبق، نجد أن تخصيص يوم الـ18 من ديسمبر/كانون الأول من كل عام للاحتفاء السنوي باليوم العالمي باللغة العربية، يعد حالة إيجابية تعبر عن التذكير بأهميتها، غير أن الخطاب الإعلامي السائد في هذه المرحلة الراهنة، ما زال يثير الجدل حول جذورها وعلاقتها باللغات الأخرى، ضمن تعدد المفاهيم والمصطلحات الناجمة عن ذلك الجدل، وأثرها في إيضاح القواسم المشتركة التي تجمع اللغة بمراحل نشأتها ومدى قدرتها على استيعاب المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، في ظل مبادرات شرق أوسطية أو مشاريع الإصلاح التربوي الشامل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.