المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

رؤية نقدية للسياسات الثقافية

تم النشر: تم التحديث:

عندما نتحدث عن الحقبة المعلوماتية التي تُعد العولمة مظهرها الخارجي، نقصد أن المجتمعات الإنسانية تمر بمرحلة تتطور فيها أساليب الضبط الاجتماعي من الأشكال التقليدية إلى مجتمعات التحكم والسيطرة، أي من مجتمع الضبط Disciplinarian، إلى مجتمع التحكم والسيطرة Social Control، وأن هذا التحول يمر بعملية تطورية (تاريخية) طويلة، يطلق عليها ثورة التحكم والسيطرة، وبتعبير أدق، فإننا نمر بمرحلة تعد حلقة ضمن دورة تاريخية للتحكم في أرواح الأفراد التي تندرج في إطار المجال السياسي الحيوي.

ولما كان التحكم Control يعتمد عامة على الخوف: إثارة الخوف، وتواصل الخوف، وإدارة الخوف، فإن المخاوف التي تثيرها العولمة هي أحد أهم المداخل للخضوع للسلطة في الدولة القومية، وإلى السلطة الإمبريالية في شبكة علاقات القوة المعولمة، ويتخذ الخوف أشكالاً عدة، منها الخوف الوجودي الوشائجي الممثل بالخوف من الافتراس Predation، الذي ساهم في تكوين الجماعات التاريخية، إلى حالة عدم اليقين الحاضرة، كالخوف مما يخفيه المستقبل، والخوف من البطالة، والخوف من "الإرهاب"، والخوف من احتمالات الفوضى على مستوى العالم، وبخاصة في احتمال أن تضعف القوة الإمبريالية التي تحفظ الأمن في "نظام العالم الجديد".

ما يحدث الآن في المجتمعات العربية هو نتاج لتأثر الفكر الاجتماعي بالأحداث الحالية في المنطقة والتحولات التي يمكن أن تنجم عن البدائل المتاحة في ظل حلقة مفرغة، والتي قد تعمل على إعادة إنتاج ثقافة التخلف والتبعية، ومنها الحركات الاجتماعية التي تقاوم العولمة، سواء تلك المتمثلة في البحث عن بدائل محلية Localization، أو تلك التي يمكن أن يطلق عليها ما بعد الاشتراكية Post - Socialism أسوة بما بعد الحداثة Post - Modernism.

وهذا البديل، ما بعد الاشتراكي، لا يهدف إلى المحافظة على المسؤولية الاجتماعية لنظام الحكم فقط، وإنما إلى ترسيخها في اقتصاد حر وفي مجتمع الوفرة الذي جعله التقدم العلمي والتقني ممكناً، ولكن ليس معنى أن هذا التيار ذو النزعة الإنسانية، ما بعد الاشتراكية، لن يواجه بمقاومة ضارية من تيار الليبرالية، الذي أصبح يجيز التدخل الإمبريالي في العالم بدوافع إنسانية، كما حدث في البوسنة وكوسوفو ووسط إفريقيا.. إلخ، ويحدث الآن - وبأدوات متعددة ومختلفة - في اليمن وسوريا وليبيا والعراق ومصر.. إلخ.

بل إن التوجه العام في دول العالم الثالث هو التأقلم مع هذه الإمبريالية المتجددة بتكليف أنظمة حكمها التسلطية لتستوعب أغلب العناصر المحلية تخلفاً وإلصاقها بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ميدان تتحدد معالمه تدريجياً فيما يسمى السياسات الثقافية Cultural Politics، أي الصراع على المستوى الثقافي، الذي يغير - تدريجياً - فهمنا للدولة القومية والمواطنة والمجتمع المدني.

إننا الآن ندخل في عصر السياسات الثقافية Cultural Politics، التي تسعى إلى فهم السلوك الاجتماعي من منظور الثقافة التي تعترف بالاختلاف وتعدد الأبعاد والمستويات: الدولة الوطنية والمواطنة، العولمة والديمقراطية، المجتمع المدني والحركات الاجتماعية، وأشكال جديدة من الهيمنة عبر العلم والتقانة، إننا الآن في مواجهة نمذجة جديدة وتحول براديمي لا تصلح معه التفسيرات القديمة، إن الفهم المستقبلي للسلوك الإنساني بحاجة إلى براديم (نموذج للسلوك الإنساني يستوعب الأبعاد والمستويات المختلفة للإنتاج الثقافي بأوسع معاني هذا المصطلح)، وللصراع الاجتماعي بتجلياته الثقافية.

وهنا يمكن أن نقدم نموذجاً لإعادة بناء الوعي وتشكيله بناء على أي تفكير مستقبلي في التطور اللاحق للمجتمعات الإنسانية، ونحن معنيون هنا بالمجتمعات العربية الذي يأخذ في الاعتبار تناقضات العولمة حسب مشاهد الانسياب أو التدفق الثقافي العولمي، التي عبر مراجعتها المرحلية لأطرها المختلفة، قد يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، لكن من الممكن أن يكون للنخب المهيمنة دور في فرض عقلانيتها (عقلانية السلطة السياسية الروحية والفكرية) على واقع مادي لم يعد يتناسب مع أشكال التحكم والسيطرة التقليدية، تلك المتصلة بالضبط الاجتماعي.

إنه نموذج الإطار المستقبلي لحركة الإخوان المسلمين أو جماعة الحوثيين في المنطقة العربية، الذي يمكن أن يكون للفكر الاجتماعي الموضوعي - النقدي دور في تحليل العلاقة بين الثقافة والمجتمع، وعبر الطرق التي تتكيف فيها الأشكال التنظيمية والأفكار والمفاهيم التقليدية مع قوى العولمة، التي يمكن أن تؤثر في الحياة السياسية والعامة، وبخاصة في رسم حدود التفكير الممكن التي قد تتداخل فيه عوامل كثيرة ناجمة عن المسار (الافتراضي) للثقافات المختلفة التي قد لا تخضع إلى تراتبية معينة Hierarchy عدا ترابية القوة على المستوى العالمي والإقليمي، ومن هذا المنظور تظهر القبائل والطوائف والأقليات والجماعات الإثنية (والثقافات الفرعية الأخرى)، على أنها حالة من التعدد الثقافي Multi - Cultural، ولكنها قد تبدو مهجنة.

وفي هذا السياق، يمكن أن نقدم رؤية نقدية لنموذج بناء الوعي لدى جماعة أو حركة الإخوان المسلمين في مصر التي عبر عنها الكاتب "خالد صقر" بالقول:
"لقد كانت تجربة الإخوان المسلمين في مصر تجربة محورية وتاريخية لكل من يحاول فهم طبيعة التيارات الإسلامية وتقدير جاهزيتها للإصلاح في الوطن العربي، فقد جسدت هذه التجربة ثلاثة مستويات من الخلل الأصولي العميق لدى جماعة الإخوان، ولدى كل الأطياف الإسلامية الأخرى التي اختارت أن تسير على نهجها في ممارسة العمل السياسي في مصر في هذه الظروف التاريخية، فقد جسد المستوى الأول الاختلال الشديد في فهم السياسة الدولية واستراتيجيات النظام العالمي، وعكس المستوى الثاني انعدام القدرة على التخطيط السياسي والاقتصادي الداخلي بما يتماشى مع الفهم السليم لطبيعة التحديات التي تواجه الفكرة الإسلامية، وجسد المستوى الثالث عدم تبلور الفكرة الإسلامية أصلاً لدى هذه التيارات وضبابية وتشتت تصوراتهم عن دور الإسلام في الواقع المعاصر بحضارته الحديثة ذات الأصول المادية والمنطلقات الإنسانية"، ويرى كثير من المراقبين أن هذه الرؤية قد تنطبق على جماعة الحوثيين في اليمن!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.