المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

أثر الفنون في برامج تمكين المرأة

تم النشر: تم التحديث:

"قد حان الوقت للاعتراف بأن المعلمين الحقيقيين لأطفالنا ما عادوا معلمي المدارس وأساتذة الجامعات، بل هم منتجو الأفلام ومديرو الإعلانات التنفيذيون، ومقدمو ثقافة البوب، فشركة ديزني تفعل أكثر مما تفعله جامعة ديوك، والمخرج سبيلبيرغ يتفوق على جامعة ستانفورد، وصوت شبكة MTV يعلو على صوت معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا.

فهذه الجهات التي تقوم بأنشطة محورية في مجال تعميم المعاني والمضامين ونشرها على أوسع نطاق هي تشكل ما لدينا من ثقافة ومعانٍ ومعرفة عن أنفسنا وعن العالم بنا، وبإيجاز، فإن ما تعرضه وسائل الإعلام يقلب الخاص إلى عام، ويجعل غير المألوف مألوفاً، ويسهم في تشكيل نظرتنا إلى العالم وفي بناء واقع متخيل".

ولذلك فقد سيطرت العلاقة بين أنشطة "التدريب والتعلم والتعليم"، وبرامج التأهيل المجتمعي، ووسائل الإعلام المختلفة على أدوات صياغة الأفكار الناجمة عن الأداء السياسي في المجتمعات المستهدفة، وأنتجت عملية التحويل لنظم المعلوماتية، السياسات اللازمة لإيجاد أدبيات نظرية لعملية مدخلات عبور القومية، ومنها التفاعلات بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية.

من هنا سعت الدولة القومية، عبر أدوات الإنتاج الفني والوثائقي، لإعادة إنتاج الأعراف والقيم الثقافية التي قد تكرس لخطابات القومية والمواطنة، ما دامت تلك الدولة مركزية، فهي نشطة في مجال تكوين الهوية من خلال تلك القوة الناعمة التي تعمل على إنتاج "نمط الإنتاج" في المجال الاجتماعي والثقافي، ومن خلال تنمية سلم أولويات القيم.

وتعد عملية تمكين المرأة ضمن أنماط الإنتاج التي تتعامل معها القوى التي أوجدت أدبيات التمكين: علاقات القوة وامتلاك المصادر، خصوصاً الاقتصادية منها، والطريقة التي توزع بها القوة وانعكاساتها على العلاقات بين الجنسين، والعملية التمكينية نفسها التي تسعى إلى تغيير وتحدٍّ، وحتى تحطيم علاقات القوة الحالية المبينة على فكرة كون المرأة أدنى من الرجل.

يسعى التمكين، نظرياً على الأقل، إلى الوصول لوضع تمتلك فيه المرأة قدرات ومهارات وثقة ذاتية أعلى على المستوى الشخصي، ومصادر أوسع وأكثر تعدداً، واعترافاً وتقديراً مجتمعياً لدورها وقدراتها، مع إمكان عيشها ضمن مساحة فيها الكثير من الخيارات الاستراتيجية المرئية والواقعية أمامها.

تستعرض الأدبيات بشكل مستفيض الكيفيات التي ينبغي أن تُتبع لبلوغ التمكين، غالباً عبر أطر عمل تنفيذية وتحليل للسلطة والقوة وشكلها في المجتمع، ومن ثم العمل على نوعية التدخل الأمثل للفئة المستهدفة (المرأة - الرجل - النشء والشباب) تمكيناً على كل المستويات الحكومية وغير الحكومية في الحيز العام، أو في حيز العائلة الخاص، ومحيط تلك الفئات الذي يصنف وفق عدة أدبيات بأنه أهم محاور العمل التمكيني.

من هذا المنطلق، نسعى في هذا المقال إلى إجراء محاولة استقرائية لفحص أدبيات التمكين النظرية لتفحص احتمالات الاستيعاب لكل من النظرية والفعل التمكيني في الإطارات ذات الصلة التي قد تقدم شكلاً بديلاً لمؤشرات التمكين، عبر إعطاء الأولوية للبنية التحتية لتحقيق التمكين، أي بنية "ما قبل التمكين"، ودور الجهات المعنية، سواء كانت رسمية أو غير رسمية في وضع الموجهات الأساسية للتمكين وعمليات التنمية المصاحبة لها، وعلى ضوء ذلك نطرح تساؤلاً هاماً: هل بدأ مفهوم التمكين في الثمانينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة وأوروبا، كما ذكرت عدة مصادر بحثية وأكاديمية؟!

أما عند تتبع ظهور مصطلح التمكين تاريخياً وجد أنها ترد في خطابات الإصلاحات البروتستانتية وحركات الكويكرز والسود والمطالبين بالعدالة الاجتماعية، وهنالك من رأى أن مصطلح التمكين يشير للمطالبة بحصة من القوة والتوزيع العادل للثروة، ومصطلح التمكين حاضر في الديمقراطية عبر كتابات عدة، مثلاً، صمويل هنتنغتون يتحدث عن التمكين الديمقراطي وأهميته بالنسبة إلى دولة ذات ديمقراطية شعبية، وفي العلوم الإدارية المختلفة نجد التمكين يتردد ويُبحث كإجراء إداري لتحسين أداء الموظفين وحتى في الديانات الآسيوية، وفي البوذية، خصوصاً، يرد التمكين بمعنى (Wang) كطقس روحي الهدف منه تقوية المتعلم عبر عملية تمكينية ذاتية بإشراف معلم متنور.

ليس التمكين إذاً مرتبطاً بالنساء تاريخياً أو اصطلاحياً، غير أن تتبع مفهوم التمكين إلى جذوره التاريخية غير ذي ضرورة هنا؛ لأن فحوى ورمزية المفهوم تختلف بالضرورة باختلاف السياق والفاعلين.

إن مصطلح التمكين الذي يهمنا هو ذلك المعنى الذي ولد في حقل التنمية وتطور تدريجياً منذ عام 1970؛ حيث استحضرت النقاشات حول المشاركة النسوية الاقتصادية لأول مرة، ونالت الاهتمام، خاصة من قِبل الوكالات الدولية والمهتمين بتحسين أوضاع النساء لأول مرة، ونالت الاهتمام، خاصة من تمكين المرأة اقتصادياً إلى تمكينها في كل المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، حتى طغيان التمكين على أدبيات التنمية الخاصة بالمرأة منذ منتصف التسعينات، وتحديداً في مؤتمر بكين الرابع 1995، عندما أقر التمكين كإحدى ركائز الفعل للمؤسسات الأممية، وعلى رأسها البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، التي بدورها ضمنت التمكين كهدف من أهداف الألفية.

وهكذا نجد أن إدراكنا لمضمون التوجهات الدولية والإقليمية حول صحة ومصداقية برامج التمكين والتنمية يتطلب معرفة ووعياً بالسياقات المحلية، ولذلك يرى خبراء التنمية أنه "منذ أكثر من خمسين عاماً من العمل في التنمية، أن ما يعرف بالأفكار الجيدة والممارسات المبتكرة قد ابتدعت دون النظر إلى سياقها التاريخي والسياسي؛ حيث تطورت وقدمت في شكل معادلات تعمم في أماكن أخرى، وهذا عادة ما يجرد الفكرة من محتواها الثقافي وسياقها السياسي ويحولها إلى سلسلة من الممارسات تقلد العناصر الأساسية للفكرة طقسياً وتجردها من القوة التحويلية اللازمة لفعل الشيء الحقيقي.."، وكما الحال في ما يقدمه التمكين للمجموعات الصامتة من النساء حتى لو كان النقاش دائراً حول التمكين الفردي أو الجماعي، فالنساء المستهدفات بالتمكين مجموعة صامتة تتقاذفها المجادلات والنقاشات الأكاديمية؛ لذا يُقدم التمكين للمجموعة الصامتة ضمن طقوس تمكينية لا تحتوي الفعل التمكيني الحقيقي.

ولا تتمكن من محاكاة ما لزم في مجتمع آخر لتحطيم سلسلة القوة والاضطهاد، ونتيجة لذلك فإن ما يجري غالباً هو أن الطبقة المسيطرة والبرجوازية في المجتمعات تستفيد من ترويج التمكين والبرامج التنموية بشكل كبير، أي أن هذه المصطلحات الواردة تُحتكر من قبل هذه الطبقة عبر قنوات مختلفة، كما تستفيد منه بشكل صوري بعض الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً، والتي يجري العمل باسمها ولأجلها شعاراتياً، إذا يتحول التمكين، في هذه الحالة، إلى انعكاس للقوى المجتمعية وعلاقات السيطرة والقوة فيها.

مما سبق نعتقد أن التمكين كمفهوم لديه الكثير للالتقاء جدلياً بإدراك المجتمعات المختلفة للطبقات الموجودة فيها وعلاقاتها ببعض، وعلى ضوء ذلك فإن النقاشات الدائرة حول ذلك الأمر يتعلق بشكل أكبر بصياغة السياسات والمؤشرات الإجرائية بالعملية التمكينية نفسها والتحري الإمبريقي حول التمكين، وكيف تقاس الجهود الحقيقية للتمكين على الأرض.

أما في المرحلة الراهنة، فنتساءل مرة أخرى: ما هو التمكين؟ إنه الدوامة التي تغير الوعي بالذات، وتكتشف مجالات محددة للقيام بنشاطات، والتخطيط لاستراتيجيات للتغيير، وتحليل النشاطات ومخرجاتها.

ووفق مفهوم التمكين هذا نرى أنه مفهوم اجتماعي سياسي يجب أن يشتمل على مكونات إدراكية، ونفسية، واقتصادية، وسياسية، وبالتالي فهو عملية توسيعية للخيارات يقوم بها المحرومون تمكنهم من القيام باختيارات استراتيجية لحياتهم التي كانت قبل ذلك ممنوعة عليهم، ومجمل تلك المفاهيم قد ينجم عنها السياسات الملائمة التي تتضمن الفرد والجماعة بأشكالهما المختلفة، والتي من خلالها يقرر شكل التمكين وحيثيات تفاعله في إطار الدولة والمانحين الدوليين، وإلا فمن سيحدد أولوية الأفعال التمكينية المختلفة وفقاً لسياق المجتمع، ويمتلك من القوة ما يجعله قادراً على التدخل في أجندات الدولة وقراراتها وتوجهات المانحين الدوليين، ومراقبة فاعلية التمكين ودورها في جعل تلك السياسات تُشكل إرادة المواطنين بأن يقبلوا (مثلاً) الهوية الجديدة للدولة كميسر وليست كمزود خدمات لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، ولذلك نجد حالياً أنه يتم تسويق مفهوم التمكين في مجالات متقاربة مع إحدى أطروحات كلاسيكيات الداروينية الاجتماعية في ما يتعلق بعملية التطور والتغير وعلاقتها بعامل الوقت والتغير الاجتماعي.

ولقد كان للمسلسلات التاريخية المدبلجة والأفلام السينمائية والوثائقية، والإعلانات الدعائية دور هام في إعادة النظر في جميع تلك المفاهيم، فضلاً عن دور أفلام ديزني والأنيميشن ومسلسلات الكرتون والرسوم المتحركة والكاريكاتيرية، وألعاب الجافا والبلاي ستيشن، ومختلف أنواع الفنون المقروءة المرئية والمسموعة في صياغة مفاهيم جديدة تعمل على إعادة إنتاج تلك المفاهيم بصيغ مختلفة أو مشابهة لها، سواء من خلال داروينية اجتماعية أو التعامل مع بدائل أخرى، لتوسيع الاختيارات، مشابهة لنظرية التطور الخطي Unilineal Evolution، وعملية الإنتاج, أو إعادة ذلك الإنتاج لا تعمل على إعادة قراءة الواقع، ولا إعادة خلقه، ولا فهمه ضمن سياقات وأطر نظرية فحسب، بل عبر تقديم نماذج متعددة قد تقترب أو تبتعد عن الصورة النمطية لمضمون تلك الأعمال الفنية في سياقها الزماني والمكاني، كونها تتعامل مع الثقافة البشرية ومدى إدراكها للغايات المرئية والخفية لتلك الأعمال الفنية، كون الثقافة البشرية بطبعها ديناميكية قابلة للتغير وغير ثابتة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العوامل الثقافية في مجريات المقاربة الخفية بين المفاهيم التمكينية والأعمال الفنية التي يتم إنتاجها في مختلف دوائر صنع القرار لإيجاد نوع من التقارب الثقافي مع السياسات والمشاريع التمكينية، لا تعمل بمعزل عن التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتي تعمل على إيجاد الخطوات الملائمة للتأثير في إطار مجتمعهم الأكبر، في إطار علاقة تكاملية تبادلية بين التربية والمجتمع بمختلف مؤسساتهما وتكويناتهما الرسمية وغير الرسمية، التي من خلالها يتضح أهمية الخيار التمكيني في مجالات المشاركة المجتمعية، والقدرة على اتخاذ القرار والوصول إلى مراكز القرار والتأثير فيها، ومن ثم بناء القدرات الذاتية في مرجعيات ثقافية واحدة أو متعددة، وفقاً لقيم واضحة ومحددة.

وفي ذلك السياق العام من التدفقات والروابط الكونية، والطريقة التي يخبر بها الناس في مختلف الأماكن، هما الإطار الذي تتشكل داخله الهويات "المتفككة داخلياً والتعددية خارجياً"، وتشكل هذه الهويات الجديدة واقعاً سياسياً يقوم على الاختلاف ومناقضاً للهويات المفروضة من قِبل النزعة الاستعمارية والنزعة القومية، ومن ثم فإن الهويات الجماعية هي الآن في حالة من السيولة مع محاولة الناس إيجاد تواريخ مشتركة لها معنى ووقع، في ظل عولمة الاقتصاد والإعلام والثقافة، ويتضح من ذلك أن دور الدولة يعاد تشكيله الآن، كذلك يحدث الأمر نفسه بالنسبة للهوية القومية، والهويات التي في طور التكوين؛ لتصبح الفرصة أمام السياسيين في أوقات الحروب أو الأزمات الأخرى لتفعيل التأييد القومي للتدابير الجيوبولوتيكية للدول القومية، التي تتجلى من خلال: "قد يتصور المرء أن الناس اليوم يخرجون إلى حياتهم اليومية حاملين آلة نفسية تدعى الهوية القومية، ومثل التليفون المحمول، فإن هذه العُدة النفسية تظل ساكنة أغلب الوقت، ثم حين تقع أزمة ما، ينادي الرئيس.. وتقرع الأجراس.. فيجيب المواطنون النداء، وتوصل حرارة الهوية الوطنية".

فهل يمكن لمفاهيم التمكين في سياقها العام أن تجد إطاراً جديداً من شأنه المواءمة ما بين الاتجاه الفكري المتكامل لكل ما هو محلي وإقليمي وقومي وعالمي عبر مستويات المؤسسات أو البيئات التمكينية لدى الفرد أو الأسرة أو المجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى، وضع الأولويات اللازمة للبنى التحتية والقنوات الرسمية للتعامل مع المستجدات كحالة التغير في صيغة النظام السياسي (شكل الدولة)، مستجيبة بذلك للظرف السياسي والزمني، الذي ينقل الفعل النظري أو الدرامي أو الفني من إشكالية السياق المغيب إلى إشكالية المعنى المفقود، ما يسهم بذلك في "بناء واقع متخيل".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.