المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

وَهْم رسم الخرائط

تم النشر: تم التحديث:

إن "وَهْم رسم الخرائط" في مجالات جيوسياسية جديدة نابعة من إرث كلاسيكي لحقب زمنية متعددة قد يجعل الكثير من التصورات ذات الصلة بسياسات الاختلاف تقع ضمن الأطر الفكرية، التي قد تحول دون بلوغ ذلك الوهم إلا من خلال أساليب نقدية للتعددية الثقافية ومآلاتها.

والعمل على بلورة اتجاهات سياسية واجتماعية تعتمد على العرف والتقاليد المستمدة من واقع اجتماعي - ثقافي، من شأنه إيضاح أن التباينات في الآراء حول قيمة تلك الاتجاهات قد يكون للتراث المعرفي دور في إيجاد العلاقة بين "العقلية الاستعمارية" ومجالات تدخلاتها، في ظل سياسات موحدة في مختلف الأقطار أو الدول، التي أوجدت من تلك التدخلات مجالات محددة لإضفاء الطابع الكلي أو الرؤية السياسية الشاملة لمنهجية الاستعمار في التعامل مع أدواته ووسائله في مجالات أو جوانب معينة ذات صلة بالمصالح المشتركة، والتي تضمن لها الاستدامة والمقدرة على ترجمة التوجهات المرحلية في صيغة برامج إجرائية وقابلة للتنفيذ التدريجي.

في إطار عام شامل يتضمن المحددات اللازمة لتلك العلاقة واشتراطاتها والمعايير التي يمكن أن توجد مساحة للتجاذبات السياسية حول عدد من القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وإضفاء الطابع الثقافي ليشتمل على منظومة متكاملة من السياسات والإجراءات التي يمكن من خلالها إيضاح الأثر التنموي للتغير الاجتماعي/الثقافي في مساقات قابلة لإعادة النظر في مظاهرها غير المادية، إذا ما تطلب ذلك لدى متخذي القرار وصانعي السياسات العامة.

فقد تحدث دوركايم مثلاً عن "آثار التصنيع من حيث إضعافه لبنيات الدولة، وثقافة الدولة القومية، مؤدياً إلى تفكيك الحدود بين المجتمعات"، بالأحرى، يضاعف تعميق التفاوت التوترات الاستعمارية الجديدة بين الكتل الحضارية والجماعات الأخلاقية.

فعلى الرغم من أن الذي "لا يفهم بالخرائط لا يفهم بالسياسة" على حد تعبير المارشال ديغول واعتبار "الإنسان ظل التاريخ على الجغرافيا"، فإن الجغرافيا بطبيعتها انتقائية ويُحدث هذا جغرافيات جديدة للأماكن القديمة والحديثة، التي هي من دون شك أصعب للفهم من أي وقت مضى، مما أدى إلى ثنائية سياسية جديدة، وظهور شؤون سياسية توجد بين "ما هو محلي ودولي" في مواجهة تحديات مركزية الدولة، والمركزية المتعددة، واختلاف الأيديولوجيات داخل الدولة القومية؛ حيث نمت مركزية الدولة القومية من النماذج الاستعمارية، في إطار إنثربولوجيا استعمارية من أجل "إعادة تكوين إطار العمل الإنساني".

وانطلاقاً من ذلك نجد أن إيضاح الدور أو الإرث الكلاسيكي للانقسام الناجم عن قوى الاستعمار، وتبيان الأثر البعيد المدى للسياسات التنموية والاجتماعية قد يجعل من ذلك أداة لفهم المنطلقات الرئيسية لبرامج التحول الثقافي.

غير أن المشكل في فهم التحول الثقافي اليوم هو أن التمييز بين "الداخلي" و"الخارجي" قد أصبح إشكالية كبيرة بسبب عمليات إزاحة الحدود الإقليمية، التي يُعبر عنها من خلال القوى الناعمة التي تجسد الفكر في مسار الواقعية، وفي اتجاهات تُعبر عن التحولات المفاجئة التي تُميز العولمة في مرحلتنا الحالية عن الحداثة، وينتج عنها أنماط مختلفة من تحديد الهوية الثقافية، ويُشعر من خلالها بعض القوى السياسية والاجتماعية والثقافية بأن هنالك انحرافاً عن المسار الفعلي الذي يتناقض مع أدواته وأنماطه ونتائجه التي تنبثق من توجهاته.

بالتالي يتجه هذا الشعور إلى مساءلة التفكير والشعور حول جدلية ذلك التناقض -إن وُجد- أو حالة الصراع الناجم عن اختلال التوازن بين الأنساق المكونة له، كما أشار إليه بارسونز في "البنيوية الوظيفية"، الذي لا يعدو كونه وهماً أو متخيله غير ذات صلة بالبعد الأساسي لرسم الخرائط أو إعادة رسمها من جديد في سياقات أخرى غير ذات صلة أيضاً بالإرث الكلاسيكي أو السجلات الأثرية.

بل يمكن أن تجعل منها دعائم لإبراز الهوية "الجمعية" في مسارات كلاسيكية، وتحاشي الوقوع في هوة طمس المعالم المادية للهوية (الفردية)، سواء لدى الشعوب أو الحكومات أو شبكة المدن التاريخية، التي يعبر عنها من خلال الأفكار الملائمة بحسب مقتضيات المراحل، وفي سياقات تتأرجح في ثنائية الكل والجزء، والبعد والبُعد الآخر، والثابت والمتحول، والظاهر والكامن، والشكل والجوهر.

لكي نصل من خلال تلك الثنائيات إلى إضفاء النكهة المميزة للتكوينات المادية وعلاقتها بمظاهرها غير المادية الناجمة عن بعض التصورات الثقافية المقيدة للهوية الإقليمية في ما وراء الدولة القومية، مما يؤدي إلى إبراز العلاقة التكافلية بين الدولة " كوعاء سياسي للسلطة"، وبين الأمة كمصدر للهوية المعرفية والثقافية، وظهور ثقافة جديدة بقيم سياسية مميزة "مجتمع ما بعد المادية والدولة القومية"، والتي قد تتعارض مع الوسائل الخاصة بالدولة الإقليمية التي أشار إليها "كينتشي أوهمي"، وهو اقتصادي مؤثر في اليابان، في كتابيَه "عالم بلا حدود", و"نهاية الدولة القومية"، خلافاً لإعلان فوكاياما "1992" بأن انهيار الاشتراكية أدى إلى نهاية التاريخ.

وهذا ما يتكرر في تحليل "أوهمي" هو دفاع عن "جغرافيا جديدة" تتجاوز ما اصطلح عليه بـ"وهم رسم الخرائط"، وعوضاً عن الدولة القومية دافع "أوهمي" عن "الدولة الإقليمية"، مما يعكس أثر التفكير الليبرالي الجديد.

علاوة على ما سبق، قد يشعر المواطن (العالمي) وصانعو السياسات ومتخذو القرار بأن هنالك لحظة فارقة تعبر إما عن حالة نكوص وانجذاب نحو الماضي، التي استعملت الأفكار الجيوسياسية لتبرير الطموح التوسعي لبعض الدول؛ حيث استعملت وسائل الفلسفة الوضعية لوصف تطبيق السياسة الرسمية في الفضاء وتحليلها - بُنيت الجغرافيا الانتخابية، والأحزاب السياسية، وبعد التحول الوضعي، وظهور الجغرافيا النقدية والراديكالية، والمنعطف الثقافي، تحولت الجغرافيا السياسية.

وظهرت مدرسة جيوسياسية نقدية تسعى إلى تحدي الطرق المقبولة لفهم الحكامة والحكم في عالم السياسة، وتعمل على تبني مفاهيم فلسفية جديدة، مثل: المواطنة، والهوية القومية، والحركات الاجتماعية الجديدة، ومن خلالها إدراك أهمية "العولمة الاستعمارية" في إضفاء الصبغة الخاصة بالتعددية الحزبية والسياسية التي تناضل من أجل (لون) عدم المساواة في مسارات متعددة (الإرث الكلاسيكي)، وأثرها في عمليات التبدلات أو التحولات من منظور جغرافي، التي يمكن أن تستقر -عبر الزمن- في مجالات الحياة الاجتماعية في ضوء التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية المعاصرة من خلال المناهج والقيم والمعايير والبناء الاجتماعي والمحددات اللازمة لإيجاد إطار ثقافي شامل.

وإما تعبر عن حالة أخرى في إطار ما يُسمى "عالم من سياسة حافة الهاوية" المتعددة الأبعاد brink manship، وبالتالي التراجع عن التوجهات المستقبلية حتى تزول حالة الاغتراب الضمني بين السلوك والشعور اللذين يقودهما التفكير إلى الخروج من دوامة الفوضى بين الحسي والمادي، بين الفعل والأثر، وما بين المركز والهامش، إلى إبراز دور "العقل الجمعي" ضمن الحدود الفاصلة بين الفعل والنظم الاجتماعية في مواجهة تحديات خرافة الجدارة أو الأفضلية، التي أشبه ما تكون برواية "أليس في بلاد العجائب".

وهكذا يهدف المقال إلى التعرف على العلاقة المتداخلة بين مستويات "المحلي، والدولي، والإقليمي، والعالمي"، من خلال استعراض وجهات النظر المتباينة حول مراحل تكوين الدولة القومية، وظهور الدولة الإقليمية، التي تؤكد التباين "المعرفي" والاختلاف "الإدراكي" حول النتائج المترتبة على تلك العلاقات المتداخلة عبر "مقياس الفضاء والزمن"، في ظل النزعة الاستعمارية لبعض الآراء الإنثربولوجية، لا سيما عند تفاعل العمليات والبنيات والذوات الفاعلة، وعلى مستويات مختلفة من التحليل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.