المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

"أليس" في بلاد العجائب

تم النشر: تم التحديث:

إن المسافة الفاصلة بين الحواجز النفسية المصطنعة ومحاولات فهم الواقع الاجتماعي يمكن أن يكون للتصورات الفكرية حول مجمل القضايا المجتمعية الشائكة دور في إعادة صياغة الكثير من المفاهيم ذات الصلة باستمرارية التحالفات المبنية على ائتلافات آنية؛ لذلك نجد أن تلك التصورات تقدم نماذج (اعتيادية) قائمة على التقييم والمراجعة الذاتية للأطر المجتمعية المكونة لها.

وهنا يمكن القول بأن تحالف المؤتمر الشعبي العام وحلفاءه، وأنصار الله وحلفاءهم لا يعد إلا مجرد تكتيك يعزز من الانقسام المحتمل في مكونات الحياة السياسية والعامة، وبالتالي فإن القراءة المتأنية للمشهد اليمني في إطار ذلك السياق التنافسي حول المركز والسلطة، قد توجد تلك المسافة الفاصلة بين المحيط والمركز في أبعاد (ظرفية ومكانية)، غير أنها قد يمكن التعامل معها بحسب مقتضيات المراحل بناء على اتخاذ أساليب متنوعة من شأنها إصدار قرارات استباقية كمحاولة لاستعادة التوازن المفقود بين محيط الثورة الشبابية السلمية التي قادها بعض القوى الاجتماعية والسياسية، ومركز تسليم السلطة الشرعية للرئيس هادي.

ولكن هل يمكن التراجع عن مآلات ذلك النسق الثقافي والاجتماعي المبني على التعددية وحرية التعبير، وإتاحة المجال لقوى سياسية واجتماعية أن تضطلع بإدارة وقيادة مكونات العمل السياسي والاجتماعي تحت مبررات تبدو أنها شبه واقعية في إطار ما يُسمى الانقلاب على الشرعية؛ لتظل الحالة السياسية اليمنية وفقاً لذلك النموذج بحاجة إلى مزيد من الأفكار والمرجعيات الناجمة عنها، ينبغي أن تكون ذات صلة بشعارات محاولات استعادة الدولة والمضي بها إما باتجاه ما قبل أو بعد الدولة، بدلاً من التقدم نحو الوحدة.

إن المتابع لتلك الازدواجية الهيجلية لمسارات النزق أو الزخم الثوري، وبين محركات القيادة المناط بها تدارس الأثر التقييمي الناجم عن تداخلات النظم السياسية والاجتماعية في إطار سياقاتها الاجتماعية والجغرافية، قد يلاحظ أن هنالك خطوات تأسيسية لمرحلة جديدة، لم يتحدد بعد معالمها وأبعادها، لكن منطلقاتها وغاياتها قد تبدو واضحة للعيان من خلال "النهج التشاركي" و"الاستبعاد الاجتماعي" لكثير من الأطر المختلفة، التي قد تكون نواة أو بؤرة لإحداث تغير سياسي واجتماعي ابتداء بتغيير الاتجاهات والسلوكيات والأنماط الإدراكية ذات الصلة بالأفكار السابقة، التي يكون للمتغيرات الدولية والإقليمية أثر كبير في استيعاب الأنماط والمدركات الجديدة، التي قد تواجه صعوبة في الإيفاء بمتطلباتها، إذا ما كان هنالك تباين في مقدرة المجتمعات والأفراد من التكيف مع مآلاتها، كونها قد تصبح ذات بُعد ثانوي؛ لأنها قد تُوجد ازدواجية في الشخصية لدى التكوينات السياسية والاجتماعية، وكأن تلك المكونات تؤدي أدواراً معينة قد يصعب عليها الاقتناع بالمستجدات الجديدة.

لكن الحوارات المجتمعية واللقاءات الاستثنائية لا يمكن لها أن تقترب من تلك المسافة الفاصلة بين الأمنيات والتطلعات، حتى تتم مراجعة ذاتية للأطر المرجعية للعقيدة والمعرفة، إذا ما تطلب الأمر ذلك؛ لأن الساسة والقائمين على تلك الحوارات أو المشاورات، سواء ذات البعد الوطني أو الدولي أو الإقليمي ليسوا سوى مؤيدين لعروض مسرحية في ظل روزنامة دولية وإقليمية مليئة بالأجندات السياسية والاجتماعية، التي تعمل على إعادة إنتاج التصورات السابقة بين فرقاء العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في اتجاهات قد تبدو أنها (تشاركية) ظاهرياً، ولكن ما يبدو على السطح بأن هنالك استبعاداً اجتماعياً لبعض المكونات تحت مبررات إيجاد التوازن المفقود بين المركز والمحيط، في إطار شراكة جيواستراتيجية ذات أبعاد دولية وإقليمية، لكن قد تعمل على دراسة جدوى الانتقال الديمقراطي للسلطة لتحاشي الإرث العنيف باتخاذ التدابير السلمية اللازمة لعملية الانتقال في ضوء المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعاصرة.

لذلك قد يكون للذكراة الجمعية أدوات جديدة يمكن البناء عليها لإيجاد مخارج عملية في إطار تنافسي بين الأنساق المكونة لها، كي لا تكون تلك الذاكرة بمثابة "حصان طروادة" التي يتمخض عنها أفكار راديكالية أو شمولية كونها غير مستندة على معطيات واضحة ومحددة، والتي قد يكون للعقل الجمعي دور بارز في جعل تلك المعطيات تدور في فلك واقعية مضللة، وكأن السياقات التشاورية والتفاوضية ذات طابع مركب بمعنى أن يتبادل أطراف العلمية الحوارية وجهات النظر -كل طرف تفاوضي يؤدي دور الطرف الآخر- ليكون هنالك تباين في الرؤى، خاصة إذا ما كانت تلك السياقات أحادية الجانب، والمبينة على ثبات بالمصالح ومرونة في الأداء حول الإطار العام الذي يمكن أن يشكل إطاراً مرجعياً للسلطة والمعارضة، بناء على تحالفات استباقية لمآلات ما بعد تلك المشاورات أو المفاوضات؛ لأن الطرف الآخر في ذلك السياق التفاوضي قد يعمل كمخرج منفذ لكواليس مسرحية جديدة اشبه ما تكون برواية "أليس في بلاد العجائب" Alice in Wonderland.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.