المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

الحوار المجتمعي بين النظرية والتطبيق

تم النشر: تم التحديث:

إن نظاماً دينياً، مثل المسيحية أو الإسلام، يمرّ دائماً بتغيير كبير في طريقة ممارسته، حتى لو تغير على نحو أقل (أو لم يتغير على الإطلاق) في طريقة الدعوة إليه. إن ما يقدمه كل منهما بوصفه تقاليدها، سواء المذاهب المسيحية أو السُّنّية النبوية الإسلامية، قد لا تبدو أنها تتغير مع الوقت، لكن الطريقة التي تمارَس بها، والمعاني التي تحملها للناس، والطرق التي يتم تفسيرها بها، قد تتغير.

غالباً ما يقول المسيحيون أو المسلمون أو الآخرون عن المسيحية أو الإسلام أو أي نظام ديني آخر اليوم: إنهم يجب أن يتكيفوا مع الظروف المعاصرة بطرق معينة. وهذا يفترض أنهم يمكن أن يتكيفوا من دون أن يصبحوا شيئاً مختلفاً. وبذلك، فإن هذا يساعد في معرفة إن كانوا، وإلى أي مدىً، وكيف قد تكيفوا مع الظروف المتغيرة في الماضي. يمكن للمرء أن يلاحظ كيف أن المعاني الممكنة المختلفة لنظام ديني معين قد وُضعت موضع التطبيق، أو طورت، أو أُعيدت صياغتها، أو تغيرت، وربما، استُهلكت. وبهذا فإن التاريخ، مع أشياء أخرى، يساعد على تأمل هذه ضمن نظام ديني معين، أو الحوار بين أتباع أنظمة دينية مختلفة، أو على الفهم ممن هم في الخارج.

لذلك، نجد أن إحدى خصوصيات الغرب هي رد الفعل الذي حاول دمج الدين والسياسة، وعلى نحو خاص لتأكيد سلطة الكنيسة على الدولة، التي أثيرت على المدى الأطول. كانت تلك بالضبط محاولة تصنيف السياسي تحت الديني، الأمر الذي أدى في النهاية إلى المفهوم الأوروبي للدولة باعتبارها مستقلة أولاً عن الكنيسة، ثم عن الدين تماماً.

تحرك الإسلام في هذه الأثناء، بعد زمنه الأول، باتجاه معاكس نحو بعض الفصل بين العامليْن الديني والسياسي. وبدأ الاتحاد الأصلي بين الدين والسياسة بالذوبان في اتجاه تقسيم الأدوار بين مختلف القادة.
منذ القرن الثامن فصاعداً، كانت الخلافة مقسَّمة إلى ولايات إقليمية منفصلة يحكمها سلاطين (حرفياً "سلطات") أو أمراء (قادة). تناقصت سلطة الخليفة السياسية باستمرار حتى أصبح، مع نهاية القرن العاشر، لا يسيطر تقريباً إلا على ضواحي بغداد. وفي عام 977م، أوكل الخليفة سلطاته الحكومية رسمياً إلى السلطان الشيعي البويهي "عضد الدولة": "لقد سرَّني أن أنقل إليك شؤون حكومة الرعايا، في كل من شرق الأرض وغربها، ما عدا أملاكي الخاصة وثروتي وقصري". كان كل ما يملكه الخليفة الآن هو موقعه الديني بصفته الرمز المهم بالنسبة إلى المسلمين السُّنة.

عندما ناقش الفارابي، في أوائل القرن العاشر، المدينة الأفلاطونية المحدثة المثالية، كان في ذهنه الخلافة والمجتمع الإسلامي، ليس كما هما موجودان في الحقيقة، ولكن كما نفترض أصلاً أن يكونا. ويبدو أنه كان يصف المجتمع الروحي تماماً للمؤمنين الحقيقيين. وفي الحقيقة، إن مدينته العالمية الرائعة التي تهدف إلى السعادة الحقيقية تعادل عملياً مدينة الله لدى أوغسطين. لقد اعتقد أوغسطين أن الكنيسة الفعلية على الأرض، مع أساقفها وحشود مصلّيها، هي بصورة تقريبية، ولكن بصورة تقريبية فقط، تحقيق للمدينة السماوية. كان للفارابي وأوغسطين مظهر نيزكيْن يندفع أحدهما عبر الآخر باتجاهين متعاكسيْن: كانت الأفكار الإسلامية حول الأمة تتجه إلى الروحية أكثر، بينما كان المسيحيون، في مواجهاتهم مع السلطة، يقتربون أحياناً إلى الإصرار على أن الكنيسة تمثل فعلاً إرادة الله على الأرض. وفي آراء أوغسطين والفارابي يبدو كأنما جرى التقاطهما في آلة التصوير لحظة تقاطعهما. وكانت وجهات نظرهما عن طبيعة المجتمع المثالي الأعلى في تلك اللحظة متشابهة بصورة ملحوظة.

لقد بدا، عندئذ، أنه بعد كل شيء كان سيحدث انفصال بين السلطة الدينية والسياسية في الإسلام. وبعد قرن، كان العالِم الديني الغزالي (1058 - 1111م) يرى المسلمين كأنهم ينتمون "إلى مجتمعيْن مختلفيْن: واحد سياسي والآخر ديني؛ واحدٌ الأمة والآخر الممالك العلمانية التي انقسم إليها". وفي منتصف القرن الحادي عشر، أعاد الماوردي تأكيد الخلافة (القيادة: الإمامة) باعتبارها نقطة ارتكاز النظام السياسي، بالإضافة إلى النظام الديني في المجتمع. وقد عُدّ عمله البيان السُّني التقليدي حول الخلافة. رد الماوردي على الاستقلال الواقعي للسلاطين بالإصرار على أن عليهم الاعتراف بالسيادة الرسمية للخليفة، وهو سيعيد عندئذ تعيينهم بوصفهم حكاماً مسلمين شرعيين، ويوكل سلطته الشرعية رسمياً إليهم.

قام الخليفة الناصر (حكم عام 1180 - 1225) بمحاولة مختلفة لتجسير الفجوة بين النظرية والممارسة والتي كانت في الواقع تحركاً ثورياً لجعل نفسه الرئيس السياسي الفعال، بالإضافة إلى الديني، للإسلام السُّني.

في إطار تلك السياقات التاريخية، تشكلت النظرية السياسية والأساس الفلسفي للفكر السياسي في مراحل متعددة، وألقت بظلالها على النظام السياسي والاجتماعي، وعبّرت في مجملها عن آراء المفكرين حول كيفية تطور الأنساق الفكرية، والتحولات الناجمة عنها، والتي مثّلت مواطن التفرّع والاختلاف. ويمكن وصفها كنتيجة للصراع الإنساني والتوظيف السياسي والاجتماعي والديني للأفكار والآراء المنبثقة عنها، والتي تشير ضمناً إلى أن الترتيبات السياسية قد تخضع لتخطيط إنساني عبر المؤسسات المعنية.

وبذلك، أقام البشر السلطة السياسية نتيجة تصوراتهم حول أفضل طريقة لتحقيق مصالحهم العامة، مما دفع بعض الدول، في المرحلة الراهنة، إلى محاولة تبني حوار مجتمعي يتمحور حول عدة قضايا؛ ومنها قضايا "القيم والهوية وتجديد الخطاب الديني"، لعل ذلك يُسهم في بلورة أفكار جديدة من شأنها تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ الوحدة الوطنية، ولما فيه المحافظة على النسيج الوطني، في ظل تأكيد دور الدولة والمجتمع في وضع البرامج الملائمة للثقافة السياسية اللازمة لمواجهة التحديات المتعلقة بتلك القضايا ووضع الآليات الإجرائية المطلوبة لتنفيذ تلك البرامج التثقيفية، وبالشراكة مع المؤسسات التربوية والاجتماعية من خلال المنهجيات الملائمة، والمعايير المنطقية والطريقة الفلسفية المناسبة في تفسير الوقائع التاريخية، وعبر مكونات المنظومة التربوية والاجتماعية.
وفي ذلك، نشير إلى أن ابن خلدون كان قادراً على النظر إلى القيم الدينية كوسيلة لدعم النشاط الاجتماعي ومنع الانهيار الإمبراطوري، بينما رأى ميكافيلي أن الفضائل المسيحية هي عقبات في طريق العمل السياسي الفعال. وأنا أفترض أن إحدى مزايا وجود فلسفة تأخذ بعين الاعتبار السلطة هي أنها تترك مبرراً أقل لكونها قاسية، أو أن لها ضميراً سيّئاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.