المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

الأبعاد الفلسفية للمشاركة المجتمعية

تم النشر: تم التحديث:

إن الحياة بتعقد مطالبها، وتشعب تحدياتها وما يطرأ عليها من حالات التغير التي يحدثها الإنسان على مدى تقدم الزمان، تحتم ضرورة تطوير وسائل يمكن من خلالها التعامل بشكل صحيح مع تلك المتغيرات والتحديات؛ لذلك فإن العلاقة بين "المدرسة والأسرة"، قد تأخذ أشكالاً متعددة، وسياقات متنوعة، لكنها حتماً ستجعل من معيار القيمة الناجمة عن تلك العلاقة أداة واضحة لفهم الأبعاد الفلسفية (الماهية والجوهر) في تكوين متطلبات استدامتها على ضوء عدد من المعايير اللازمة لتجاوز الأفكار غير المنطقية، التي قد تعمل على إضفاء نوع من التباين والاختلاف حول المدركات الناجمة عنها.

إن المدرسة - بصفتها مؤسسة تربوية - وفي ذات الوقت مؤسسة اجتماعية، أوجدها المجتمع لتربية أبنائه، قد تجعل منها أداة ووسيلة غائية تكرس للتعامل مع المتغيرات الثقافية المعاصرة، التي قد تسهم في إيجاد السبل الكفيلة ذات الصلة بتكوين اتجاهات الرأي العام إزاء القضايا المجتمعية، وقد تعمل على إيضاح النماذج الملائمة والمحددة لتلك الاتجاهات بمعية المؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى كوسائل الإعلام، في ظل الحراك الفضائي المتنوع، التي تعتبر من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها دراسة اتجاهات الرأي العام وفقاً لأطرها المجتمعية، ويأتي دور المدرسة في توجيه المسارات الناتجة عنها بحسب الظروف والمستجدات وفقاً لمقتضيات المراحل. كما يمكن للمدرسة باعتبارها مركز إشعاع مجتمعياً، أن تعمل على توفير البيئات الاجتماعية المناسبة في ظل علاقتها مع المجتمع المحلي، مع مراعاة الإمكانات (المادية والبشرية)، وفي إطار شراكتها الحقيقية مع نواة المجتمع (الأسرة)، كنظام اجتماعي يعمل على توازن القوى والعوامل المؤثرة في تركيبة العلاقة بين المدرسة والأسرة، وبين أوجه الاتفاق والتباين في الرؤى المجسدة لطبيعة المرتكزات اللازمة لتوطيد تلك العلاقة من التعاون والاتصال فيما بينهما؛ لإيجاد حالة من التكامل المطلوب مع المؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى.

لذلك فإننا في هذا السياق، نجد أن هنالك تعارضاً في الأدوار والوظائف بين المدرسة والأسرة، من حيث المرتكزات الأساسية التي يمكن أن تبنى عليه تلك الأدوار أو الوظائف، وقد تجسدت تلك الحالة من خلال الازدواجية في تكوين الشخصية لدى أفراد المجتمع، مما أدى إلى خلق جماعات تميل إلى العزلة والشعور بنوع من التوجس حيال مآلات المستقبل؛ لأنهم لا يدركون أبعاد الحاضر وعلاقته بالمستجدات الراهنة التي تطرأ في ميدان الحياة المعاصرة، الأمر الذي ترتب عليه فقدان المعنى والوجهة لدى كثير من النشء والشباب، ذلك لأن الاتجاهات السائدة لدى المجتمع بأن الوظيفة الاجتماعية للمدرسة لا تعدو مجرد كونها ضمن متطلبات إقامة شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي، وليست ضمن البرامج والأنشطة اللازمة لتوطيد تلك الشراكة، ومد جسور التعاون بينهما من خلال برامج (نوعية) تعمل على تعزيز الثقة المتبادلة بين مكونات تلك المؤسستين والمبنية على فلسفة واضحة ومبادئ محددة وعلاقتهما بالقضايا الاجتماعية والتنموية المعاصرة، والتي ينبغي أن تعمل على تحقيق رؤية إنسانية للتعلم والتنمية مبينة على احترام الحياة وكرامة الإنسان وعلى التساوي في الحقوق، والعدالة الاجتماعية، والتنوع الثقافي، والتضامن الدولي، والتشارك في المسؤولية من أجل مستقبل مستدام.

لذا لا تخلو مسيرة الحياة؛ حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، على حد سواء، من مشكلات وهذه المشكلات لا تعوق بالضرورة مسيرة الحياة، بل هي محطات مراجعة واستعداد لدفعة حيوية قوية لمواصلة المسيرة؛ لذلك نجد عند دراستنا لهذه الأبعاد الفلسفية وأثرها في تحقيق تلك الرؤية المستدامة قد تطرح مستويات التعقيد الاجتماعي والاقتصادي المتصاعدة عدداً من التحديات على صناع السياسة التعليمية في عالم اليوم المتوحد، على نطاق الكوكب، والتي نتج عنها المشكلة المجتمعية المحورية التي يمكن من خلالها معرفة تداخلاتها القطاعية، وأبرزها أنماط نمو منخفض من العمالة نتيجة للعولمة الاقتصادية، وما يستتبع ذلك من تصاعد بطالة الشباب، وهشاشة العمالة، وبالتالي يتطلب الأمر إعادة النظر في الصلة بين التعليم والتنمية المجتمعية لتزايد الحراك لدى الدارسين والعاملين عبر الحدود الوطنية، وظهور أنماط جديدة لنقل المعارف والمهارات التي تتطلب طرائق جديدة للاعتراف بمحصلات التعلم, وإقرار صلاحيتها وتقيميها.

أما من حيث المواطنة فيكمن التحدي المطروح على الأنظمة التعليمية من صياغة الهويات إلى جانب النهوض بالوعي وحس المسؤولية تجاه الغير، وثم الانتفاع بالتعليم في شتى أنحاء العالم وعلاقته بوسائل التعليم التقليدية (الكتاتيب - حلقات الدرس).

وعلاوة على ما سبق، ظهر مفهوم جديد - قديم تحت مسمى (المشاركة المجتمعية في التعليم)، ومن خلاله زاد الضغط على التمويل العام، وإضافة إلى ذلك شهدت السنوات الأخيرة تزايد الطلب على إبداء الرأي في الشؤون العامة، وعلى إشراك الفعاليات غير الحكومية في التعليم، على المستويين الوطني والمحلي، ويعمل على إلغاء الحدود بين القطاعين العام والخاص، ومنها إدارة التعليم ديمقراطياً؛ لذلك فإن "المشاركة المجتمعية" من خلال مستوياتها المتعددة، وبرامجها المختلفة، قد توجد حاجة متنامية إلى التوفيق بين إسهام وطلب النظم الثلاثة للسلوك الاجتماعي: المجتمع، والدولة، والسوق، غير أن ذلك أوجد تفاقماً في التعصب الثقافي والديني، وفي التعبئة السياسية، والنزاعات المبينة على هوية الانتماء.

وانطلاقاً من ذلك فقد أوضح "جي روبرت" أهمية التعاون والعمل بين المدرسة والمجتمع، على اعتبار أن المدرسة بصفتها مؤسسة تعليمية تعد عاملاً أساسياً من عوامل التغيير، كما أنها مرآة عاكسة لنظام المجتمع الحالي على حياة الأجيال القادمة، والأمر برمته يجعل من قضية التعاون بين الأسرة والمدرسة ليس قضية "الشكل" بقدر ما هي قضية "الجوهر"، وليست نوعاً من الكماليات أو الثانويات وإنما ضرورة تربوية.

ولكن التساؤل الأهم هل المشاركة المجتمعية ينظر لها من حيث الشكل أو الجوهر؟ إذا ما كان هنالك مفهوم آخر كالمشاركة الشعبية قد يشير إلى ضرورة مواءمة بين المفهومين وتحديد مجالات تدخلاتها ونوعية البرامج والأنشطة المصاحبة لهما وعلاقته بمصطلحات ذات صلة كـ"التمكين، السلوك الاجتماعي والاختيار الفردي، الاستدامة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.