المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

الخطاب السياسي لبناء الدولة

تم النشر: تم التحديث:

إن العلاقة بين الدين والتدين والسياسة يمكن أن ينتج عنها الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تتداخل فيها السياسة مع الدين؛ كي نوجد مساحة كافية لإحداث بؤر للتغيير في المجالات المحددة لها.

إن سوسيولوجيا الإسلام قد تكون أقرب إلى فهم المتغيرات الناجمة عن تلك العلاقة، ويكون من خلالها العامل الثقافي في حالة من التقارب المبدئي مع العامل الاجتماعي؛ لنجد العوامل الذاتية والموضوعية، التي تحدد معالم هذين العاملين في أنساق متجددة، وفي سياقات مترابطة، لكنها توجد مساحة للتجاذبات السياسية والاجتماعية، بحيث تكون تلك المساحة ضمن أدوات التعرف على سياقات جديدة غير ذات صلة بأطرها الاعتيادية، وقد تؤسس لمرحلة مختلفة عما سبقها، في إطار الملاءمة بين الحاضر والمستقبل، وبين أبعاد المنظومة الثقافية الشاملة.

لذلك كان التاريخ الإسلامي مسرحاً حافلاً بالتنوع والاختلاف في ثنائيات متعددة شكلت البنى الثقافية والاجتماعية لمسيرته ضمن السياقات التاريخية والبيئات الجغرافية، وفي ظل السياقات المعرفية المناسبة، التي شهدت العديد من التباينات، وحتى التناقضات، لكنها في نهاية المطاف أوجدت مساحة أخرى للفهم والاستيعاب والإدراك لحيوية الدين الإسلامي ومكانته عبر الأمم.

من هنا أصبح من الضرورى إيجاد خطاب (ديني - دنيوي) يتلاءم مع عظمة الإسلام، وشريعته السمحة، وعلاقته بالمكونات الثقافية الأخرى من خلال خطاب واعٍ يحمل في طياته القيم المثلى للدين بأبعادها المختلفة، التي من خلالها يمكن وضع التصورات اللازمة لبناء مشروع إسلامي نهضوي قادر على استيعاب المتغيرات والمستجدات في مختلف مناحي الحياة السياسية والعامة، بحيث يتضمن هذا المشروع المنطلقات الفكرية والاجتماعية والثقافية الآنية، لينتقل من خلالها إلى مسارات الديمومة والاستمرارية في مساقات محددة، لكنها متجددة في مجالات الدين والتدين والسياسة، من خلال دراسة القضايا البنائية، والظواهر المجتمعية النوعية والعامة، المحلية والعالمية.

والتعامل معها وفقاً لرؤية براغماتية من شأنها إيجاد الأساليب والوسائل المناسبة لدراسة محاور الخطاب السياسي وعلاقته بالعوامل والقوى المؤثرة في المجالات الأخرى بناءً على إدراك متغيرات الفلسفة السياسية القائمة لإيجاد اتجاهات متنوعة تؤسس لقيم الديمقراطية وفقاً لمجالات جديدة.

إن تلك المجالات يمكن أن تسهم في إيجاد نوع من الفكر السياسي والاجتماعي المبني على الأسس والمعايير اللازمة لبناء الدولة في إطار النتائج المبنية على الصراعات التعاونية التي يشعر من خلالها المجتمع المحلي والمجتمع الدولي على حد سواء بأن هنالك تغيراً في بنيتها الثقافية، من أجل إيجاد مساحة ملائمة لإحداث تغيير اجتماعي أو سياسي في الأطر المرجعية لفلسفة النظام القائم، في عدد من الخطوات التأسيسية التي تتمحور حولها تلك البنية وجعلها أداة أو أسلوباً لإحداث مقاربة قياسية للمعالم الأساسية لمحدداتها والتعامل معها ضمن أطرها المفاهيمية والتاريخية في ظل توجهات متعددة، لبلورة الأفكار والمنطلقات الجديدة التي من شأنها وضع الخطوط العريضة والتصورات العامة لهيكلية النظام القائم وفقاً لتلك الأسس والمعايير الناجمة عن حالة الصراع (الضمني) بين كل ما هو (جديد) أو حداثي، وبين كل ما هو (قديم) وحداثي كذلك.

أو التوجه في سياق تلك الحالتين إلى مساقات أخرى تعتمد على التباين في الرؤى والانسجام في القواسم المشتركة التي أوجدتها العديد من العوامل والقوى المؤثرة في تبني صيغة مناسبة لهيكلية نظام يعتمد على فلسفة محددة قد تتباين في مبادئها، ولكنها قد تعتمد على عاملَي الزمان والمكان في فهم المقاييس الداخلية للبنية التشريعية والقانونية، ومدى اتساقها مع الأطر الجغرافية والتاريخية لمنظومة النظام الذي يعتمد على العديد من الخيارات الاستراتيجية، والبدائل الممكنة، والمتاحة ضمن الاعتبارات القيمية، ودورها في إيجاد الملامح الأساسية للمجالات الملائمة للأدوار الاجتماعية من خلال الفعاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وجعلها تنصهر في بوتقة واحدة "الصهر والذوبان" ترتكز على التعددية.

والاشتراطات اللازمة لبناء منظومة النظام الاجتماعي وعلاقته بالأنظمة الأخرى، وذلك لتبيان "النتائج غير المقصودة" من تلك الصراعات "الأداتية" و"البنائية" انطلاقاً من كونها أسلوباً إجرائياً قد يسهم في إيضاح حالة الازدواجية في المعايير حول عدد من الوظائف الاجتماعية والبيولوجية التي قد لا تتلاءم مع أنساقها، ولكن قد تتفق من حيث مسوغاتها وبرامجها التي قد تختلف أيضاً عن السياقات التي أوجدتها، في مسارات تبدو أنها غير كافية للتعامل مع تلك الأنساق، ولكن ينبغي دراسة جدواها في مراحل قادمة.

وتأسيساً على ما سبق ينبغي وضع المحددات الأساسية للخطاب السياسي لبناء الدولة في ضوء عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية وعلاقتها بالنظام الثقافي الشامل، في إطار صيرورة متلازمة لتلك الرؤية التي تتمحور حول المنطلقات الاتية :

1- توضيح القواسم المشتركة بين التيارات الفكرية من حيث المعتقدات والممارسات السائدة، ومن ثم تبيان جوانب الاختلاف وقدرة الابتكار السياسي على احتواء أوجه الاختلاف والتنوع.

2- توضيح العلاقة بين الدين والتدين والسياسة في إطار البحث في "الأشكال الأولية للحياة الدينية" من خلال العلاقة بين الأفعال وإرضاء الأفضليات.

3- انتهاج أساليب محددة للمقارنة بين المذاهب والحركات الأصولية والتيارات الفكرية كي نوجد مساحة كافية للمواءمة بين كل ما هو ديني وما هو علماني من خلال "التناول النقدي للمعتقدات" في ظل منهجية القاعدة والاستثناء.

4- ثمة ضرورة ملحة لمعرفة بعض المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة بالفكر في سياقات اجتماعية، وفي بيئات جغرافية محددة كي يتعامل معها في مرحلة النشوء والتطور، إن جاز لنا التعبير ذلك، كون ماهية الدين عندما تشهد مراحل متعدده فإنها دائماً ما تشير إلى أن هنالك تبايناً واختلافاً في الرؤى والتوجهات، ولكنها وفي مراحل معينة تعتمد على السابق في قياس اللاحق، واللاحق في متابعة الأسبق، وبالتالي تظهر العديد من المؤسسات، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، لتشكل بيئات اجتماعية حاضنة لمختلف تلك المراحل المتتالية.

5- إن حركة التاريخ (تراكمية) أو (خطية) التي تتجه نحو تفسير ماهية الدين في فلسفة النظام، قد يمكن اعتبارها ناتجة عن دور للمجتمعات الناشئة، والتي تشهد مرحلة الأسبقية في دورات اجتماعية للتلاقي مع الأساليب المتعارف عليها في تحديد توجهات النظام أو برامج إعادة هيكلته من حيث فلسفته وطبيعة أهدافه المعلنة وغير المعلنة.

6- العمل من أجل مواكبة التحديث في سياق العولمة الاقتصادية بحيث تكون السياسة، ممثلة في نظام الدولة، تكيف أوضاعها وفقاً لهوى الاقتصاد، وعلى ضوء الأهداف التربوية لعملية التحديث المطلوب التعامل معها في إطار إنثربولوجي يجعل من تلك المجتمعات أداة لنشوء دولة جديدة تعتمد على فلسفة (سياسية) تربوية ومجتمعية واضحة، تستمد مقومات بنائها من دراسة جيوسياسية لطبيعة المجتمعات والبيئات الجغرافية، والسياقات التاريخية، وتعتمد في ذلك من منطلقات فكريه تسهم في التعامل مع نهج جديد، لكنه مألوف يستوعب المتغيرات المناخية والبيئات الجغرافية، وليس بمعزل عن الفلسفة العامة السائدة في دول شبه الجزيرة العربية، من حيث الدوائر التراثية والمعرفية في منطقة الشرق الأوسط إجمالاً.

ولما لهذه العوامل من أثر في تشكيل أو نشوء نماذج لدول جديدة تؤسس لمنظومة مغايرة تعتمد على الاختلاف الأيديولوجي والتقارب الجيوسياسي، وتبني مرتكزاتها الثقافية على مفاهيم ومصطلحات قانونية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية، والتي من الممكن أن تكون بمثابة الموجهات اللازمة لتأسيس دول، سواء كانت مملكات، أو جمهوريات أو حتى دولاً اتحادية.

7- ضرورة استيعاب أن هنالك إطاراً ثقافياً شاملاً يمكن تلك الدول من إيجاد المناخ السياسي الملائم لتلبية الغايات والأهداف العامة من نشوء ذلك النظام الإقليمي، والذي ليس بمنأى عن العامل الثقافي بمختلف جوانبه، وبالتالي نجد أن هنالك سياقاً قانونياً - إقليمياً ودولياً يبحث في تلك العوامل وأثرها في نشوء الدول ضمن أطرها الثقافية والاجتماعية والتاريخية مع مراعاة العمق الاستراتيجي لتلك الأطر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.