المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد علي سالم Headshot

هَادِمو الأُمَم

تم النشر: تم التحديث:

لم يكُن سقوط بغداد عام 656 هجرية وليد اللّحظة أو لشدّة بأس هولاكو والتّتار، ولو صدق العزم واستفاقت الأمّة لكانت قادرة على تبديد أحلامهم.

إنّ السّقوط بدأ أوّلاً من الدّاخل قبل قدوم التّتار بأعوام حين عيّن المستعصم الخليفة العبّاسي ابنَ العلقمي وزيراً له، فبطانة السّوء دوماً ما تكون أعظم ثغرة ينفذ منها العدوّ إلى جسد الأمم، خاصّة إنْ وُكِّل الأمر إلى غير أهله، فالأمم والحضارات إنْ تُرك المجال أمامها للقتال والحروب أخذت أعواماً حتّى تسقط، لكن إن نبشت فيها باطنة السّوء خرّت وتهاوت أسرع ممّا نتوقّع.

فأوّل ما بدأ هولاكو بالنّخر في جسد خلافة بني العبّاس رأى في ابن العلقمي ضالّته فراسله ومنّاه في الحكم على أن يُقوّض أركان عاصمة الخلافة ويُسلّمها له، بعد أن يوعز ذلك الشّيطان إلى المستعصم بتسليمها دون قتال على أن يؤمّنه على نفسه والمدينة، ورتّب ابن العلقمي مع هولاكو بمعاونة نصير الدّين الطّوسي قتلَ الخليفة واحتلال بغداد، على أمل أن يسلّمه إمارة المدينة، إلّا أنّ هولاكو قام بقتله بعد تدميرها.

يقول عبد الوهّاب ابن تقيّ الدّين السّبكي عن ابن العلقمي:
وكان شيعيّاً رافضيّاً في قلبه غلّ للإسلام وأهله، وحبّب إلى الخليفة جمع المال والتقليل من العساكر..

ثمّ يصف لنا مؤامرة ابن العلقمي في قتل الخليفة والعلماء واستباحة بغداد فيقول: "وقصد هولاكو بغداد من جهة البرّ الشرقيّ، ثمّ إنّه ضرب سوراً على عسكرة وأحاط ببغداد فأشار الوزير على الخليفة بمصانعتهم، وقال: أخرج أنا إليهم في تقرير الصّلح، فخرج وتوثق لنفسه من التّتار ورجع إلى المعتصم وقال: "إنّ السّلطان (يقصد هولاكو) يا مولانا أمير المؤمنين قد رغب في أن يُزوّج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ويُبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الرّوم في سلطنته ولا يؤثر إلّا أن تكون الطّاعة له كما كان أجدادك مع السّلاطين السلاجقة، ونصرف عنك بجيوشه، فمولانا أمير المؤمنين يفعل هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين وبعد ذلك يمكننا أن نفعل ما نريد والرأي أن تخرج إليه". فخرج المستعصم بنفسه في طوائف من الأعيان إلى باب الطاغية هولاكو.

فأنزل الخليفة في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم.. وكذلك فعل مع حاشيته وأولاده، وأمّا الخليفة فقيل إنّه طلبه ليلاً وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل. فقيل لهولاكو: إنّ هذا إنْ أُريق دمه تظلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك، فإنّه ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة الله في أرضه، فقيل إنّ الخليفة غُمّ في بساط وقيل رفسوه حتّى مات.

وقتلوا أمراءه عن آخرهم، ثم مدّوا الجسر وبذلوا السّيف ببغداد واستمرّ القتل بضعةً وثلاثين يوماً، ولم ينجُ إلّا من اختفى، وقيل إنّ هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فكانوا تسعمائة ألف غير من لم يُعد ومن غرق، ثم نودي بعد ذلك بالأمان فخرج من كان مختبئاً، وقد مات الكثير منهم تحت الأرض بأنواع من البلايا والذّين خرجوا ذاقوا أنواع الهوان والذلّ ثمّ حُفِرت الدّور وأُخذت الدفائن والأموال التّي لا تعدّ ولا تحصى، فأُلزم المسلمون بالفطر في رمضان وأكل الخنزير وشرب الخمر، ودخل هولاكو إلى دار الخليفة راكباً لعنه الله، وأعطاها لشخص من النّصارى، وأريقت الخمور في المساجد والجوامع، ومُنع المسلمون من الإعلان بالأذان، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم".

وعلى شاكلة ابن العلقمي، يذكر لنا التّاريخ الوزير أبا سعيد بن جامع وزير سلطان الموحّدين النّاصر لدين الله، شخصية ذميمة في تاريخ الأمّة؛ حيث كان له دور أساسي بهزيمة المسلمين والجيش الموحّدي في معركة العقاب عام 609هـ؛ نظراً لضعف شخصيّة النّاصر لدين الله الذي أصبح ألعوبة في يده، ولم يكن مسؤولاً عن هزيمة العقاب فقط، بل عن مصير الموحّدين بعد النّاصر.

ولقد وضع ابن جامع الأسباب القويّة التّي أدّت إلى تصدّع سلطان الموحّدين من أسسه، فقامت دويلات في المغرب وبدأ عصر ظهور ملوك الطّوائف الثّاني، وأدّى الأمر إلى سقوطها بيد النّصارى.

لقد كُتِب لأسرة ابن جامع التّي تولّى كثير منها الوزارة، وعلى رأسها أبو سعيد بن جامع، أن تلعب أخطر دوراً في تحطيم دولة الموحّدين فكان لهم الأثر البالغ في تصدّعها.

فقد قام بالتحريض بقتل القائد الأندلسيّ أبي الحجّاج يوسف بن قادس أمير قلعة رباح والذّي سبّب استياءً في الجيش أثناء معركة العقاب، لا سيما بين جند الأندلس لعلمهم أنّ ابن قادس قد بذل كلّ المستطاع، وأنّ قتله لم يقع إلا بتحريض الوزير الذميم فكل هذا مهّد للفرار وانسحابهم من المعركة، وكان هذا من أسباب وعوامل الهزيمة النّكراء رغم أنّه كان أكبر تجمّع للمسلمين على الإطلاق منذ فتح الأندلس، فاق جيش النّصارى بمراحل.

وجاء في نفح الطّيب "كانت العقاب سبب ضعف المغرب والأندلس، إنّما المغرب فبخلاء كثير من قُراه وأقطاره، وأمّا الأندلس فبطلب العدوّ لها".

ابن جامع من الشخصيّات الغامضة التي تدخّلت في مصير الشّعوب ومقدّرات الدّول، تُبدي غير ما تخفيه، من الشخصيّات التّي تُكلفت بمهمّات خطيرة، أولاها التخريب والتّدمير من الدّاخل، كما فعل فيما بعد ابن العلقمي في الخلافة العبّاسية، حيث أظهر الإخلاص وأضمر الخبث، وتتكرّر الصورة ذاتها برسائل التتر وإخفائها عن الخليفة المستعصم، والهدف واحد تقويض أركان الدولة.

ولم يدخل الشرّ بلاد الإسلام إلّا بسبب وزراء وباطنة السّوء، ولو نقرأ التّاريخ لوجدنا أنّ كثيراً من المصائب سببها مشورة هؤلاء، وما عصرنا ببعيد عن هذا، فأمثال هؤلاء البطانة ما زالوا يتحكّمون في مصائر دول فهدموا بعضها والبقيّة تسير على نهجها إلى الهاوية.

فإن لم تستفق الأمّة من غفلتها وتتدارك الأمر سريعاً سيكون سقوطها أشدّ وطْأة من السّابق، فالأمور وسُدة الحكم أُسْندت إلى غير أهلها في كثير من بلداننا، وهذا أمر لا ينكره إلّا مُغيّب أو صاحب مصلحة، فبات الأمر جلياً للعيان لا زيغ فيه، وكان لزاماً أن تظهر باطنة السّوء وتتغلغل في جسد الأمّة تنخرها نخراً حتّى السّقوط.

سُئل الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ما يفسد أمر القوم يا علي؟
قال: ثلاثة وثلاثة..
وضع الصغير مكان الكبير، وضع الجاهل مكان العالم، وضع التابع في القيادة.
فويل لأمّة مالها عند بُخلائها، وسيوفها بيد جُبنائها، وصغارها وُلّاتها!
ولا غالب إلّا الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.