المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد علي سالم Headshot

تلك القوية التي أحببتُها

تم النشر: تم التحديث:

ما مِن لحظةٍ مرَّت على عقلي وقلبي حين أتفكُّر بشريكة عُمري وأحلامي، إلَّا سبق طيفُ قوَّتها واخترق الفؤادَ، لا أعلم لماذا كانت وما زالت القوَّة أول اختياراتي وأقواها؟ رغم أنَّ الصِّفات الأخرى التي تمتلكها الفتيات غالباً ما تفرض وجودَها عند الارتباط، وأنَّ العديد من الشَّباب يتمنَّون كلَّ شيء في فتيات أحلامهم باستثناء القوَّة؛ ظنّاً منهم أنَّها ستكون نقمةً عليهم إن ارتبطوا بفتاة قويَّة قادرة على الحسم في قراراتها، ولديها طموحات، لا تتوانى عنها أبداً، ولا تُفرِّط فيها مهما جرى.

أعلم أنَّ التَّدين والخُلق وغيرهما من الصِّفات لها الحظُّ الأوفر من تفكير الكثير، بل وأغلب الشَّباب، وأنا من بينهم، فلا تفريط في ذلك، لكن دوماً قوَّتها حينما تمتزج بكلِّ ذلك تُرجِّح كفَّتها لديَّ، فأنا أرى قوَّتها تزيد من قوَّتي، وإصرارها على طموحها يسمو بي لعنان السماء.

تُعجبني كثيراً الفتاة التي تقف سداً، وإن شئْتَ قُلْ أسداً أمام الصِّعاب، رفيقة درب تجعلك تتمسَّك بتلابيب الحياة بقربها، لا تجعلك تتردَّد في أن تسكن إليها في لحظات ضعفك، أو أن تستند إليها في أزماتك، يتلخَّص فيها كلُّ شيء، فهي بمثابة الزوجة والأمِّ والأب والأخ ورفيق الدَّرب الوفيِّ الشَّهْم، في غيابك عنها تطمئنُّ كما لو أنَّك لم تبرح جِوارها، لا تخشى عليها أبداً من شيء، قادرة على أن تُربِّي الأبناء وتحافظ عليهم وعلى نفسها، تردُّ غيبتك وتصون عِرضك، لا تنكسر أمام شيء أو أحدٍ، تثق دوماً أنَّها وإن تركتها وسط جمعٍ من الرِّجال ستكون بألف رجل (أخت رجال- أخت المرجلة) كما يُطلقون عليها أهل الشام، وتردع كلَّ من تسوِّل له نفسه أن يمسَّها بسوء، ولا ترى أبداً دموعها إلَّا في حضرتك، فهي قويَّة بالقدْر الذي يجعلك تفخر بكل يوم تعيشه وهي في ذمَّتك.

أرى في طموحها جزءاً من قوَّتها، فلا طموح ولا أحلام للضُّعفاء، فقط الأقوياء يطمحون ويقاتلون لأجل أحلامهم ولا يتنازلون عنها. ولا أُخْفيكم سرّاً أنَّني كثيراً ما أتوق إلى لُقْياها على أرض الواقع، ولم أحسب يوماً أنَّني أجد ضالَّتي في الشَّام، في سوريَّة وفي فلسطين على وجه الخصوص، وفي كل مكان يعاني من صعوبات وحروب، لأنَّ من المقبول جداً فكرة عدم وجود قويَّات بشكل لافت وسط كل هذا الظُّلم والدَّمار الذي نراه، لكن ما يخلع اللبَّ والفؤاد أن أرى أعظمهنَّ وأكثرهنَّ قوَّة وطموحاً يخرجن من بين ركام ودمار الحروب، فقوَّتهنَّ تكمُن في إيمانهنَّ بقضيّتهنَّ وعدالتها. ومن مُنطلق اهتمامي وشغفي بقضايا الأُمَّة، أن أجد أخيراً فتاة أحلامي القويّة والاستثنائيّة، وعلاوة على ذلك تحمل في قلبها همَّ القضيَّة، ذلك حقَّاً نِعْم المُبْتغى!

ولعلَّ الدُّكتورة خولة حمدي كانت قادرة وبقوَّة على أن تُلخِّص مواصفاتها في رواية "في قلبي أنثى عبريَّة" بقولها على لسان أحمد، بطل الرَّواية، في وصفه لفتاة أحلامه:


"هي امرأة بقلب رجل، لديها من القوّة والحزم ورباطة الجأش بقدر الرقّة والحنان والنُّعومة. تحمل همَّ الإسلام والأمَّة في قلبها أكثر من الموضة ونوع السيَّارة والمنزل ذي الحديقة والمسبح. لا يهمّها الآخرون وماذا يقولون، وترضى بما أعطيه لها مهما كان قليلاً. تسير معي في أيِّ طريق دون أن تسأل. لا تهمّ التفاصيل، المهمّ أن نكون معاً، وتحمل السِّلاح حين يقتضي الأمر، ولا تلتفت إلى الوراء حين يتعلَّق الأمر بالقضيَّة".


فقد رأيت من القويَّات الكثير، وهفَت نفسي كلَّما رأيتهنَّ إلى زوجة بمثل قوّتهنّ، وهؤلاء بعض ممَّن يعلقن بذاكرتي على الدَّوام وأفخر بمثلهنَّ:


1- الكاتبة والروائيّة الرّاحلة رضوى عاشور، زوجة الشَّاعر والأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، وأمُّ الشَّاعر تميم البرغوثي صاحب قصيدة في القدس، كم عانت وتأذَّت لأجل ما تطمح، وكم ثابرت وظلَّت قويَّة بجوار زوجها إلى النِّهاية، فكان لِزاماً علينا ألَّا ننساها ما حيينا، فحتَّى رواياتها وكتاباتها لم تخْلُ أبداً من انشغالها بهمِّ القضيَّة والقوَّة التي كانت تملأها لنُصرتها، اقرأوا لها (ثلاثية غرناطة- الطنطورية... إلخ).

2- الصحفيّة فيحاء شلش، زوجة الإعلامي الأسير الفلسطيني محمد القيق، كم ظلَّت ثابتة تدافع عنه كالأسد الجسور ضدَّ الاحتلال بكامل جبروته، لم تتوانَ قط عن تنظيم فعاليَّات واعتصامات مندِّدة باعتقاله، فيحاء هي التي تقف خلف هذا الصمود الأسطوري لزوجها، ولولا تنظيمها الناجح للفعاليَّات وخطابها المتوازن ومتابعاتها الحثيثة ما نالت قضية زوجها كلَّ هذا الحضور.

3- هنادي الحلواني وخديجة خويص؛ تلكما الصابرتان المربّيتان مُحفظّتا القرآن وأشهر المرابطات على أبواب الأقصى منذ سنوات، وإلى الآن لم تبْرحا أبوابه وساحاته، كم عانيتا وتأذَّيتا في سبيله، وما زادهما ذلك إلَّا إصراراً، أرهقهما الاحتلال مراراً وتكراراً على مدار سنوات وإلى اليوم، وتقفان في الصفِّ الأوَّل للدِّفاع عن مسرى الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام.

وسيذكرهما التّاريخ دوماً، يُرعبان احتلالاً بأسره، فيهدِّدهما تارة، ويحقِّق معهما تارة أخرى، ويعتقلهما مرّات ومرّات، ويُبعدهما أيّاماً طوالاً، لكنّهما بعد كل محاولة لتخويفهما وثنيهما عن الرّباط، كانتا تعودان عازمتان أكثر غير مباليتين بتهديدات الاحتلال، وبدلاً من أن يردعهما يرتدعون من ثباتهما على الحقِّ.

4- لينا الشّامي أيضاً ثائرة وناشطة ومهندسة معماريّة سوريّة، كانت صوت محاصري حلب إلى العالم أثناء الإبادة والتهجير وما زالت لليوم صوتاً للمظلومين.

دوماً تخيّرْ من يقف إلى جانبك في كلِّ معارك الحياة ومعتركاتها، اخترْ من يكون عُدّتك وعتادك لأنّك عندما تُقاتل لن تجد بجوارك من يُساندك إلَّا من اخترت. فلا تخفْ من الارتباط بامرأة قويَّة، فقد يأتي يوم تكون هي جيشك الوحيد.


- تم نشر هذه التدوينة في موقع مدونات الجزيرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.