المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد علي سالم Headshot

حقيقة الحصار.. المقصود المُقاومة لا قَطَر

تم النشر: تم التحديث:

2017-06-14-1497452080-7699715-.jpg

لا أعلم لماذا كل هذا الانزعاج والاستياء من مواقف الحكومات والأنظمة التي قرّرت مقاطعة قطر ومحاصرتها!
فالأمر لا يستدعي كل هذا، فوزير خارجية المملكة العربيّة السعوديّة عادل الجبير قالها بملء الفم، واختصر عليكم الطريق حتّى لا تطول دهشتكم:

"على قطر إن كانت تريد إرجاع العلاقات كما كانت فعليها أن تتوقّف عن دعم حماس والجهاد الإسلامي".

أنا هنا لست أقف مدافعاً عن قطر أو غيرها، أنا أحدّثكم عن مغزى كل هذا الصخب والجلبة الدائرة، فمن يُسمّون أنفسهم حكّاماً وملوكاً ورؤساء العرب لم يعد يعنيهم لا الدّين ولا العروبة ولا القضيّة ولا الشعوب، فكل ما يعنيهم رضا أميركا وأصدقائهم الصهاينة عنهم، هذا ما يبحثون عنه ويلهثون خلفه، وكلّ ما يزعج بني صهيون وحلفاءهم هي المقاومة لا غير.

إذن المقاومة هي المستهدفة وليست حماس هي المشكلة!
فالمقاومة هي من عرّتهم أمام شعوبهم وأمام العالم والأحرار من قبل مرات ومرات، وهي من كشفت تواطأهم مع الصهاينة وتخاذلهم تجاه القضية.

فإن أكثر ما يجسّد عمق الرهانات الصهيونية على ما يعرف بـ"محور الاعتدال العربي" هو العبارة التي كرّرتها الوزيرة الصهيونية تسيفي ليفني دائماً خلال الحروب على غزّة، حيث تقول: "عندما أقول (نحن) فأنا أقصد إسرائيل ومصر والأردن والسعودية والسلطة الفلسطينية"، ويتّضح من خلال خطّة ليفني بشأن تغيير الواقع السياسي في قطاع غزة أنّها تراهن على دور كبير لمحور "الاعتدال" العربي، ليس فقط في التخلص من حكم حماس في غزة، بل وفي تمهيد الظروف أمام عودة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة.

ويذهب الجنرال عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية (أمان)، إلى حد القول إنّ بإمكان إسرائيل أن تعتمد على الدعم العربي الرّسمي، وأن تواصل الحرب حتّى إسقاط حكم حركة حماس في القطاع.

ومن يتابع الجدل الصهيوني الداخلي فسيلحظ ببساطة أن مستوى وحجم رهانات تل أبيب على مصر في عهد السيسي أكبر بكثير من الرهانات التي عقدتها على نظام مبارك، الذي وصفه وزير الحرب الصهيوني الأسبق بنيامين بن أليعازر بأنه "كنز استراتيجي" لإسرائيل.

فرغم تصاعد وتيرة القصف الإسرائيلي على غزة، تواصل مصر إغلاق معبر رفح الحدودي، وتكتفي بفتحه لساعات أمام الجرحى والحالات الإنسانية الحرجة.

ووِفق بيانات رسمية، فإن الجيش المصري هدم أكثر من 95% من الأنفاق الحدودية خلال العام الذي تلا عزل الرئيس محمد مرسي.

وقد عبّر رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الصهيونية الجنرال عاموس جلعاد عن طابع الموقف المصري من المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، حيث قال: "نحن لا نتحدث فقط عن تطابق مطلق في المصالح بيننا وبين المصريين بشأن الحاجة إلى القضاء على حركة حماس، بل إن الدوافع التي تحث الجانب المصري على تحقيق هذا الهدف أكثر تشعباً وأعمق من الدوافع التي تحركنا".

وفي أثناء الحرب الأخيرة على غزّة لم تسمح القاهرة سوى بدخول وفد عربي واحد إلى غزة يتبع لدولة الإمارات وفتح له المعبر بصورة استثنائية، ما أثار حفيظة الغزيين الذين تساءلوا عن دوره.

وبعد تدقيق وبحث من قبل المقاومة والناشطين بغزة اتضح أن بعض أعضاء هذا الوفد ما هو إلا فريق من جهازهم الاستخباراتي، عبروا على هيئة أطباء ومسعفين غايتهم جمع المعلومات على أرض الواقع، فكُشِف أمرهم وأُخرِجوا منها صاغرين.


قصارى القول: إسرائيل شنّت حربها على قطاع غزّة في ظل ظروف إقليمية مثاليّة، وهذا يبرز دور صمود المقاومة الفلسطينيّة واستبسالها في إجهاض التحالف المشين بين الصهاينة وبعض أنظمة الحكم العربي الذي سمحت به النجاحات التي حقّقتها الثورة المضادّة في العالم العربي.

الأنظمة العربيّة تتمنّى أن تستفيق صباحاً وترى غزّة قد ابتلعها البحر؛ لأنّ صمودها الأسطوري سيكون سقوطاً مريعاً للأنظمة العربيّة الرسميّة التّي باتت لا تتقن إلّا فنّ الغدر والخيانة!

في السادس من أبريل/نيسان 1977 وقف المفكّر القومي العربي المرحوم الدكتور عصمت سيف الدولة أمام طلبة جامعة الكويت يحاضر حول "الصهيونية في العقل العربي"، قائلاً: "إنّ الصهيونيّة وحلفاءها بعد أن انهزموا عسكريّاً في جبهة القتال في أكتوبر/تشرين الأول 1973، فتحوا من جباهنا ثغرات، وغزوا عقولنا".
ومضى قائلاً: "اختصروا الطريق إلى النّصر النهائي، فبدلاً من احتلال أرضنا جزءاً جزءاً، بدأوا في احتلال رؤوسنا فكرةً فكرةً"، وبدلاً من الاستيلاء على الوطن، يحاولون الاستيلاء على البشر؛ ليكون الوطن لهم بعد ذلك دون حاجة إلى القهر.

أما المفكّر الدكتور جمال حمدان، فحدّد بشكل مباشر في كتابه "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان"، مسؤولية ضياع فلسطين، وقال إن "قيام إسرائيل وضياع فلسطين هو مسؤولية العرب، والعجز العربي، والجبن والتفرّق العربي، والذي يحدّد نتيجة الصراع العربي - الإسرائيلي هو الصراع العربي - العربي".

وأشار حمدان أيضاً إلى أنّ "مصر من أهم الدول العربية، وليس أمام مصر من فرصة ذهبيّة لاستعادة كامل وزنها وزعامتها إلا بتحقيق نصر تاريخي مرّة واحدة وإلى الأبد بتحريرها فلسطين كاملة، تماماً مثلما فعلت مع الصليبيين والمغول في العصور الوسطى".

ويمضي حمدان قائلاً: "وإلى أن يتحقّق هذا فستظلّ مصر دولة مغلوبة مكسورة راكعة في حالة انعدام وزن سياسي تتذبذب بين الانحدار والانزلاق التاريخي، دولة كما يصفها البعض شاخت وأصبحت من مخلفات التاريخ تترنح وتنزاح بالتدرّج خارج التاريخ، وذلك -نحن نثق- لن يكون".

فمشكلة النظام القائم في مصر حالياً، وبغالبية الدول العربية كالسعودية والإمارات والبحرين والأردن هي مشكلة مبادئ ومواقف ضد المقاومة بشكل عام وليست بفلسطين وغزة فقط، بل ضد المقاومة في سوريا وليبيا والعراق ضد الأنظمة الفاشية ويدعمونها بشتّى الطرق كي يقضوا نهائياً ويسقطوا كافة أشكال المقاومة، وألا يبخلوا أبداً على تلك الأنظمة بالدّعم المادّي واللوجستي في سبيل تدميرها.

ولا يسعني إلا أن أختم حديثي هذا بكلمات الخبير السياسي محمد سيف الدولة في تحليله لتلك الظاهرة قائلاً:"لا شكّ أن الردّة ليست في الأديان فقط، ولكنّها في المبادئ والمواقف الوطنيّة كذلك".
ولا غالب إلا الله..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.