المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد شوشة Headshot

قابل للكسر

تم النشر: تم التحديث:

كان قد أوصد غلق صندوقه، وأحكمه مخافة أن ينكسر ما بداخله، بعدما وضع به كل ما هو قابل للكسر من الأشياء الثمينة باهظة الثمن، وألح على موظف المطار أن لا ينسى وضع ملصق "قابل للكسر" ذي العلامة المميزة للكأس المكسور، ليحتاط له حاملو المتاع إلى الطائرة المتجهة إلي بلاده. ثم جلس مطمئنًا ينتظر موعد الإقلاع بعدما تأكد بنفسه من وضع الملصق أعلى الصندوق، وقد شرد ذهنه وبدأ يفكر فيما صنع مُحدثًا نفسه ومستفسر:ا. هل الأشياء الثمينة التي وضعتها بالصندوق هي وحدها القابلة للكسر دون غيرها؟! أم أن هناك أشياء أخرى كثيرة وثمينة لا تقدر بثمن قابلة للكسر أيضًا؟ ويجب أن نضع فوقها نفس العلامة "قابل للكسر" لينتبه لها الناس مخافة أن يكسروها؟

وهو على تلك الحال من شرود الذهن ، وعمق التفكير، مرت أمامه فتاة كالبرق الخاطف تهرول مسرعةً لتلحق بطائرتها، وقد جاءت متأخرة .. نعم إن تلك الفتاة قابلة للكسر.. هذه الجوهرة الثمينة يجب ألا تمتد إليها تلك الأيادي القذرة لتتحرش بها وتمسها. علينا أن نحافظ على تلك اللؤلؤة المنيرة من الكسر نتيجة المعاكسة والاستخدام السيء لجسدها الطاهر، لتبقى تؤدي واجبها كأم وزوجة ومربية ومعلمة بعيدًا عن تلك النظرات الخبيثة السارقة التي تريد أن تنال من بريقها وشرفها وتكسرها.

وفجأة انتبه إلي صوت رخيم ضعيف كأنه يأتيه من مكان بعيد لا يكاد يسمعه؛ لامرأة عجوز جالسة بجواره تسأله عن الوقت ، فأجابها ثم عاد إلى تفكيره ثانيةً ولكن هذه المرة في هذه العجوز وبعلها الشيخ الكبير، قال: وهذان أيضًا "قابلان للكسر" حين تسيء أجيال الأبناء والأحفاد معاملتهما، ويهينون كرامتهما، ولم يراعوا عجزهما وضعفهما، ولم يوقروا سنهما. فلقد أديا ما عليهما، وكم بذلا وضحيا وتعبا، وجاء الوقت لرد الجميل، وبذل ما نستطيع لإسعادهما، وتقديم الخدمات والمساعدة في كل ما يحتاجانه، ونحذر من إهمالهما وترك الزيارات وعدم السؤال بزعم الانشغال وعدم وجود الوقت الكافي، وترك مشاركاتهما مناسبتهما وذكرياتهما السعيدة، وعدم الاعتناء بصحتهما وطعامهما. وكفى مرور الزمان وطول الأيام عليهما، وإلا فقد كسرهما أقرب وأعز الناس إليهما. وهو في حالته تلك، تذكر أبويه الراحلين، وكيف كان يحسن معاملتهما وخدمتهما.

ثم انتبه على صوت آخر، ولكنه هذه المرة صوت عامل النظافة يستأذنه أن يزيل ما تناثر في المكان من بقايا طعام كان يأكله بعض الأطفال. فنظر إليه وإلى ذاك الحمال الذي يذهب ويعود سريعًا حاملاً الحقائب وهو مبتسم سعيد كأنه راح للمعروف، وراحت يده للأمر. فقال وهؤلاء قابلون للكسر، ويحتاجون أن نُذكر الناس بهم أن نضع علي سترتهم الإشارة. إننا نكسرهم باحتقارهم واحتقار مهنهم، وتسلطنا علي ضعفهم، ونسيان بشريتهم وإنسانيتهم، وتجاهل للدور العظيم الذي يقومون به والخدمات الجليلة التي يُقدمونها لنا ونحن غافلين عنها إلا حين تضعنا الظروف لنقوم بما يقومون به.

ثم بدأ يفكر في لقاء أولاده متلهفًا، وكأنهم يلعبون أمامه وهو مبتسم، وقال: وهؤلاء قابلون للكسر أيضًا، ويجب الحذر كل الحذر حين نكسرهم بسوء معاملتهم وتشددنا واستبدادنا معهم وعدم احترام آرائهم واختياراتهم، واحتقار ما يقومون به، وعدم مراعاة شعورهم، وعدم مشاركتهم مناسبتهم.

ونكسرهم كذلك حين نفرق بينهم؛ فنحب الولد أكثر من البنت، ونفضل من الأولاد المتحركين المتكلمين المشاغبين على الصامتين الهادئين الخجولين، ونكسرهم حين نُشعر أحدهم بالحب والاهتمام ونترك الآخرين، أو نشتري الهدايا والألعاب لبعضهم ونسيان الباقين، ثم حين يكبرون نكسرهم بالتوزيع غير العادل للميراث؛ فنُفضل الولد على البنت، أو أحدهم على الآخر، كسرًا لا نستطيع بعده أن نصلحه كمن كسر "زَهرية" أثرية ثمينة إلى قطع متناثرة.

ونظر إلى نفسه وقال: وكذلك الإنسان؛ أخلاقه، وقيمه، وتقاليده، وأعرافه، ومبادئه، كلها قابلة للكسر؛ يكسرها ببخله، وجبنه، وقطع رحمه وعدم صلة أقربائه، وترك السؤال عن الغائب والمسافر، وترك عيادة المريض، وعدم توقير الكبير، والقسوة على الصغير، وعقوق الوالدين، وهجر زوجته وإغضابها، وإهمال تربية أولاده، وعدم تفقد جيرانه، وسوء معاملة الخدم والعاملين تحت يديه، والتقصير في عمله، وعدم الإخلاص في خدمة بلده والحفاظ علي مواردها، وعدم احترام حق الطريق، وإماطة الأذى عنه، وترك مساعدة الملهوف وذي الحاجة والسائل، والسير الفوضوي بسيارته في الشارع، وقطع إشارة المرور، والتقصير في صلاته، والامتناع عن دفع زكاته وصدقته، وترك العنان لبصره ينظر إلى الحرام، وكثرة الخصام، والشجار ... إلخ.

وحين جاء وقت الإقلاع، سمع من ينادي عبر مكبرات الصوت على ركاب رحلته ليتوجهوا إلى باب المغادرة ، فقام مسرعًا وهو يُتمتم، والانقلاب هو أيضًا قابل للكسر، ومصيره إلى زوال، وأما مُلصقه فهو دليل ضعفه، وهشاشته، وإعلانٌ لاقتراب موعد انهياره وسقوطه، وكذلك كسر الاستبداد، والفساد الذى يُخيم على بلداننا العربية، وعودة الحرية والاستقرار والكرامة لشعوبنا قريبًا.

فسمع صوت من يسير بجواره وكأنه يستمع إليه يقول: إن شاء الله. فقال: إن شاء الله.