المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

بين كتاب الدرس وكتاب الأنثى "1" - من طولكرم إلى عمان 90 كم

تم النشر: تم التحديث:

حين غادرت طولكرم في سبتمبر/أيلول من عام 1966 للدراسة في الجامعة الأردنية في عمّان، لم ألتفت ورائي. كنت فتىً في الثامنة عشرة من عمري أستقبل من عمري أكثر مما أستدبر، ولم تكن طولكرم في ذلك الحين تنتمي إلى مستقبلٍ أتطلع إليه، ولا إلى ماضِ أحنُّ إليه. وخيل إلي غرور الشباب أنها أصغر مني وأنها لم تكن أكثر من مقدمة لرواية شخصية توشك أن تبدأ فصولها.

كان عمر الجامعة الأردنية أربعة أعوام فقط، وقد خرّجت فوجها الأول. وعلى نحو ما فقد اختارتني ولم أخترها. ففي جيلنا والذي سبقه كان المألوف والمأمول الالتحاق بالجامعات المصريّة، وكنّا نتعجّل الأيام لبلوغ تلك الغاية، فنقيم في ظل عبد الناصر، ونجاور نجوم الأدب والفن الذين شغلوا الدنيا وملأوا الأسماع: طه حسين والعقّاد والحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، وأم كلثوم، وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ومريم فخر الدين، وسعاد حسني، ونادية لطفي.... ومن يدري، فقد يسعفنا الحظ فنرى بعضهم عياناً دون وساطة من وسائل الإعلام، فنعود بقصص ومواقف نغيظ بها الحاسد، ونسرّ بها المحبّ.

أفلم نكن نصغي بكل تلهف إلى بعض العائدين من الدراسة هناك، يقصون علينا من أخبار تجاربهم ومغامراتهم ما نصدّق بعضه ونكذّب بعضه؟ فليكن أن عبد الناصر كان شديد التواضع. ولكن، يجب أن نكون على قدر هائل من السذاجة والتسليم لنصدّق أنّ صاحبنا الراوي قد التقاه في بيته مع بعض أصحابه، وتناولوا العشاء معه على مائدته التي لم تزد على "الكشري" و"الطرشي"! أما قضاء سهرة في بيت سعاد حسني فيمكن أن نكتفي منها بالشك، وأما حضور حفلة لأم كلثوم فأمر ممكن لمن يسعه شراء بطاقة الدخول.

وعلى أي حال، لم يكن الشك في صدق الرواية ليفسد علينا متعة السماع، وبخاصّة إذ يحرص الراوي على أن يطعم كلامه بشيء من اللهجة المصرية، وحسبه من مصر أنه يدرس فيها، وأن في وسعه أن يتجوّل في المواقع التي صورتها الأفلام السينمائية والأعمال الروائية.
ومن ذلك حرم جامعة القاهرة نفسها الذي كان مسرحاً لكثير من المشاهد السينمائية حيث يلتقي العاشقون، ويحلم الحالمون، ويغني المطربون، ويتنافس المتنافسون، ويتظاهر الوطنيّون، وحيث يتفوق في نتائج الدراسة الطلبة الفقراء الكادحون، ويخفق بالضرورة أبناء الذوات المستكبرون!

ومثل حرم الجامعة، ضفاف النيل، وسيدنا الحسين وخان الخليلي وزقاق المدق، وسائر العوالم الشعبية التي نقل نجيب محفوظ أجواءها في رواياته.

ففي زمن الفنون والآداب السردية، البصرية منها وغير البصرية؛ كثيراً ما تصبح الصورة الذهنية أصلاً ومرجعاً للواقع، فيستمد هذا قيمته الرمزية ومعانيه منها، فأنت تذهب إلى سيدنا الحسين وخان الخليلي بحثاً عن عالم نجيب محفوظ، ويستثيرك من تلك الأماكن ما تصدّ عنه في أماكن أخرى: الزحمة الخانقة، والأزقة الضيقة، والباعة المزعجون، والمتسولون الذين لا يكفون عن الملاحقة والطلب، والصخب الشديد والأصوات المرتفعة والمقاهي الشعبية المكتظة ذات الكراسي والطاولات المهترئة، وكؤوس الشاي التي مرت قبلك على مئات الأفواه ولا تدري مستوى نظافتها، كل ذلك يبدو لك قادماً من كتب روايات محفوظ ومن الأفلام السينمائية، فتنخرط فيه سعيداً منبهراً، وكأنه عرض فولكلوري أعدّ بعناية؛ ليحاكي عالم محفوظ الروائي وعالم السينما! هكذا في أزمنة الحداثة، يصير الواقع في وعينا تشخيصاً للتشخيص، وتمثيلاً للتمثيل، ومحاكاة للمحاكاة، فكيف إذن لا نتلهف على الدراسة في القاهرة حيث تحدث الأشياء الكبيرة والمثيرة؟ وكيف لا نغبط من سبقنا إلى أم الدنيا وصندوق عجائبها؟!

ولكن، لم يكن من المقدّر أن أمضي على أثر السابقين إلى مصر، فثمّة جامعة وطنية الآن في الأردن، وقد أهلتني نتائجي الدراسية في الثانوية لمنحة من وزارة التربية والتعليم، ومن الطبيعي أن توفد أمثالي إلى الجامعة الوطنية.

على أن الجامعة الأردنية الفتيّة لم تتركنا نشعر بخيبة الأمل، فما هي حتى وجدنا فيها جلّ ما كنا نتطلع إليه من تجربة الحياة الجامعية، وكل ما جعلنا نشعر بأننا محظوظون؛ إذ أتيح لنا الالتحاق بها، فالحرم الجامعي قطعة ساحرة من الطبيعة وهندسة الإنسان؛ إذ أقيمت الجامعة مكان مدرسة زراعية على أرض واسعة تزدحم فيها الأشجار الحرجية، وتقطعها طرقات داخلية وأرصفة أنيقة.

ولم يمض على تأسيس الجامعة بضع سنوات حتى صار لها سمعة علمية تعليمية رفيعة، بفضل نخبة متميزة من الأساتذة المرموقين: ثلّة من أهل البلد السابقين في التعليم العالي، حين كان الحصول على درجة الدكتوراه غاية لا يبلغها إلا أفضل العقول، وثلة أخرى من خيرة الأساتذة المصريين والسوريين.

وقد حرص الآباء المؤسسون بقيادة رئيس الجامعة الأول الدكتور ناصر الدين الأسد على أن يبدأوا بالجامعة من حيث انتهت الجامعات العربية الأخرى، وأن يقتبسوا من تجارب الجامعات الغربية المرموقة التي درس فيها كثير منهم، فكأنها ولدت تامة في مستواها التعليمي، فكانت أعوامها الأولى عصرها الذهبي.

ولسوف ندرك بعد حين أنه قد صح فيها القول المأثور: ليس بعد التمام إلا النقصان.

وكما أن مستوى الجامعة يتقرر بمستوى أساتذتها، فإنه يتقرر أيضا بمستوى طلبتها، وكان هؤلاء من نخبة خريجي الثانوية في المملكة الذين فازوا بمقاعد الجامعة المحدودة بناء على التنافس الحر بمعدلاتهم المرتفعة لا غير.

ولما كان عدد الطلبة محدوداً فقد كان بوسع الأساتذة أن ينفقوا وقتاً ثميناً في قاعة المحاضرة في الحوار والتفاعل الفكريين مع الطلبة، وأن يشجعوا التفكير النقدي الحر واستقلالية الرأي والبحث العلمي، فلم يكن التعليم قائماً على التلقين، وكان لأبحاث الطلبة نصيب هام في أعمال التقويم.

ومن جهة أخرى، فإن أجواء الستينيات كانت حافلة بالتيارات الفكرية والسياسية المتنافسة، وأصبحت الجامعة مسرحاً للمجادلات الفكرية والعقدية، ولم تكن بعيدة عن رياح الثورة العالمية والثورات الشبابية وحركات الاحتجاج والتمرد التي اجتاحت المجتمعات الغربية، لا سيما جامعاتها وأوساط الطلبة فيها، إلا أنها تكيفت في بيئتنا الجامعية العربية مع أسئلة الواقع العربي وقضاياه الملحة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا التحرر والوحدة والنهضة والعدالة الاجتماعية.

كل ذلك تجسد في حراك طلابي نشط وفعال، وبدا أن الجامعة تبشر حقاً بأن تكون منطلق تيارات التغيير والتقدم في المجتمع على الجملة، وأن تعد قيادات جديدة شابة في المجالات المختلفة، تكون طليعة التنمية الشاملة.

وكنت ترى الطلبة في حرم الجامعة مندمجين في حوارات فكرية ومجادلات سياسية، وكان العالم يبدو بريئاً واعداً مفتوحاً على الاحتمالات الكبيرة.

وكنا نعتقد حقاً أن في وسعنا أن نغير العالم ليكون أكثر بهاء وجمالاً ونبلاً وعدلاً وشجاعةً، وأن المستقبل ملك أيدينا، وأن أحلامنا تنتظر القطاف.

لا تزيد المسافة بين طولكرم وعمان على تسعين كيلومتراً، ومع ذلك كانت النقلة من المدرسة إلى الجامعة واسعة جداً على الصعيدين العلمي والاجتماعي.

تحررنا من سلطة التلقين والحفظ الأصم وكتب المناهج المدرسية التي لا تتسع للتفكير النقدي والمواهب الفردية والأنشطة غير الصفية والاتصال بمصادر الثقافة والمعرفة المتنوعة، وذهب المعلم الذي كان يضيق بآرائك واجتهاداتك فلا يرى فيها إلا تحدياً لسلطته المعرفية وعدواناً مقصوداً على هيبته.
هنا في الجامعة، ليس في وسعك فقط أن تعبر عن نفسك وتحاجج عن رأيك، ولكنك تثاب على ذلك أيضاً، وقراءاتك الخارجية لك لا عليك، ونشاطك في المكتبة كنشاطك في قاعة المحاضرة.

أما مواهبك الأدبية والفنية فمحل الرعاية والتقدير، هكذا كانت الجامعة في أيامها الذهبية التي أدركتها مبكراً.
كان من حظ الجامعة أن يكون مؤسسها رجلاً كبيراً وعالماً موسوعي الثقافة في اللغة العربية وآدابها، وقد أوتي من سحر البيان ما إن تحدث أطرب سامعه حتى كاد أن يشغله ببلاغة اللسان عن المسألة التي جاءه فيها.

ولقد رأيت من علماء العربية وأدبائها من يجيد الكتابة، فإذا تحدث شفاهاً خيب ظنك.

أما ناصر الدين الأسد فلا يكافئ أسلوبه في الكتابة إلا أسلوبه في الكلام، وكانت الفصحى البليغة تجري على لسانه عفواً دون تكلف، يزيد من جمالها وتأثيرها صوت جهوري فخم فإذا أضيف إلى هذا كله قامة منتصبة وسمت مهيب وحضور قوي آسر، فقد اكتملت له آلة التأثير.

كان قوي الشخصية من غير غلظة، وليناً هيناً شديد التأدب من غير ضعف، فأسس الجامعة بمزاج من العقل والحكمة والهيبة والتودد واحترام الآخرين، ولذلك أجمع الناس أساتذة وطلبةَ وإداريين على محبته وتقديره وإجلاله، لذاته قبل منصبه، فقد كبر المنصب به أكثر مما كبر هو بالمنصب.

وفضلاً عن دوره القيادي في تأسيس الجامعة إدارة وأقساماً وكليات وبرامج دراسية، فقد كان له الفضل مع نخبة السابقين معه في صيانة التقاليد والقيم الجامعية التي صار لها طابع كوني، ومن ذلك "قدسية" الحرم الجامعي أن تستبيحه قوة من خارجه مهما يكن الظرف، واستقلال الجامعة عن الإملاءات الخارجية، وحق الطلبة في الحراك السياسي والفكري والأنشطة العامة في إطار الأنظمة والقوانين دون تدخل من أحد، وحقهم في المشاركة في شؤون الجامعة التي تخصهم من خلال مجلس منتخب بأسلوب ديمقراطي حر.

وقد ظل ناصر الدين الأسد أميناً على هذه القيم والتقاليد حتى في أكثر الظروف السياسية قلقاً واضطراباً في الأعوام الثلاثة التي أعقبت هزيمة يونيو/حزيران عام 1967، وما شهدته من صعود المقاومة وحراك الفصائل المختلفة في الوسط الطلابي، وما أفضت إليه هذه التحولات من توترات أمنية انتهت بكارثة "أيلول الأسود" عام 1970.

على الرغم من تلك الضغوط الهائلة، تمكن ناصر الدين الأسد من حماية استقلال الجامعة ومنع حرمها، واستمر في الوقت نفسه في ترشيد الحراك الطلابي المتصاعد بالحكمة والموعظة الأبوية الحسنة والتفاهم والتواصل والحجة والإقناع والمودة.

فلم تحمله الظروف الضاغطة يوماً على خلع جلده الحضاري الأكاديمي، ليكشف عن وجه السلطة الفظة، فأثبت بذلك أن أخلاقه النبيلة طبع متأصل فيه لا مظهر خارجي يتجمّل به في ترف الظروف العادية الهادئة.

وفي ظني وتقديري أنه لم يستقل من رئاسة الجامعة بعد زهاء ثمانية أعوام من ولايته الأولى لها إلا حين تبين له أن الظروف السياسية والأمنية العامة عقب سبتمبر/أيلول من عام 1970، قد تعدت قدرته على إدارة الجامعة بطريقة متوازنة تحفظ عليها استقلالها وتقاليدها.

كان عروبياً أصيلاً بدون ضجيج الشعارات الثورية الرنانة، ومسلماً وسطياً منافحاً عن تراثه الإسلامي وهويته الحضارية، وأشهد أنه قد برئ بتكوينه الفكري ومزاجه الشخصي من أية شبهة من شبهات التحيز الجهوي أو التعصب الديني والمذهبي، فكان الجميع عنده سواء، لا يتفاضلون إلا بالكفاءة وحسن الخلق، فلم يكن غريباً أن يحظى باحترام الجميع ومودتهم على اختلاف منابتهم وخلفياتهم العقدية والسياسية والاجتماعية.

كان يحلو له أن يخرج من مكتبه في الجامعة ليتجول في طرقاتها وساحاتها بين الطلبة، فيتوقف مع هذا أو ذاك في حوار قصير وتعليق ظريف، فيستشعر الطلبة قربه منهم على ما فيه من هيبة، فيزدادون له حباً وتقديراً، وكان يعرفني بشخصي وأنا بعد في السنة الأولى، فإذا رآني توجه إلي فحيا وسأل واستفسر، وربما أطرى على نص منشور لي، وبشرني بمستقبل زاهر في مجالات الإبداع الأدبي والأكاديمي، وقد يذكر عمي محمود إبراهيم، زميله في الجامعة وفي قسم اللغة العربية وآدابها، ثم يذكر خالي الطبيب محمد صفوري الذي درس معه في الكلية العربية بالقدس، قبل أن ينتقل كلاهما للدراسة الجامعية في القاهرة، فاختار خالي الطب ونبغ فيه ثم أقام وعمل في الكويت، واختار هو الآداب ونبغ فيها، ولا يزال كتابه "مصادر الشعر الجاهلي" أثراً كلاسيكياً عظيماً، فلا يذكر طه حسين وكتابه "في الأدب الجاهلي" ونظريته في النحل والانتحال، إلا ويذكر معه "مصادر الشعر الجاهلي" الذي لم يؤلف خير منه في وضع المعايير العلمية الصارمة لتحقيق الشعر الجاهلي وتوثيق مصادره ونقد روايته وتمييز صحيحه من منحوله، حتى ليصح فيه القول: "قطعت جهيزة قول كل خطيب".

لا أجد طريقة لإنصاف ذلك الرجل الكبير أفضل من القول: قد أتعب الرؤساء من بعده. فكان أول عصور الجامعة عصرها الذهبي تحت رئاسته، ولم يكن بعد التمام إلا النقصان!
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأذكر من سحر بيانه وقوة لسانه موقفاً طريفاً وقع لنا معه، كنا طائفة من الطلبة النشطاء سياسياً، وقد احتجزت الأجهزة الأمنية بعضنا، فعزمنا على التظاهر والدعوة إلى الإضراب عن الدراسة حتى يفرج عن المحبوسين، وعلم الرئيس بذلك، فدعا إلى لقاء عام معه في مدرج سمير الرفاعي، فاجتمعنا قبل اللقاء لنوحّد موقفنا ونتواصى به. فقال قائلنا: لا يفتننكم ناصر الدين الأسد بسحر بيانه وبلاغة لسانه وحلاوة كلامه عن أنفسكم وما أنتم عازمون عليه، فاصبروا على موقفكم ولا تتفرقوا أشتاتاً يخذل بعضكم بعضاً ويناقض بعضكم بعضاً، فتفشلوا وتذهب ريحكم، ثم مضينا إلى اللقاء نتذامر، وما هي حتى دخل الأسد وصعد المسرح، واتجهت إليه الأنظار وعم الصمت في انتظار كلامه فلا تسمع إلا همساً، وكان من عادته إذا اعتلى المسرح ليخاطب الجمع، أن يبدأ فيثني مكبر الصوت ثم ينحّيه جانباً، فما حاجة الأسد ذي الصوت الجهير إلى آلة تعينه؟ ثم بدأ خطابه بالثناء على دوافعنا وغاياتنا التي هي عين دوافعه وغاياته وإن اختلفت الوسائل.

وأكد لنا أنه يبيت الليل أرقاً على "أبنائه" المحتجزين كأنما كحلت عينه بعوار، ولو أن ولده "بِشراً" كان مكانهم لما حمل همه أكثر مما يحمل من هم هؤلاء، وأنه لن يطيب له عيش ولن يغمض له جفن ولن يدّخر جهداً ولا دالّة له عند الدولة حتى يفرج عنهم ويعودوا إلى مقاعد الدراسة معززين مكرمين رافعي رؤوسهم لا يضرّهم ما فاتهم من الدراسة.

فهل يجد له من أبنائه الطلبة على الحق معيناً؟ وليس الإضراب عن الدراسة بمبلغهم شيئاً مما يطلبون ويطلب، وما هم بضارين من أحدٍ إلا أنفسهم وجهوده المبذولة الموصولة، فهم بذلك كجاذع أنفه بيده ليغيظ غيره.

وما زال يتحدث متنقلاً بين حجة القلب وحجة العقل، حتى استلّ سخيمة الصدور وأتى بالطلبة إلى رأيه طائعين، فما أدرك القوم أنه ألقى عليهم من سحره حتى خرجوا من اللقاء، ونظر بعضهم في وجوه بعض: أهذا الذي تواصيتم به؟

ولكن، لم يكن ثمّة سبيل للرجوع، فقد أعطوا وعودهم لقاء وعوده، وكان الرجل صادق الوعد!

******

في السكن الجامعي نزلت في غرفة واحدة مع أعز صاحبين لي منذ أيّام الابتدائية في طولكرم، ولم نكن نفترق معظم الوقت، وكثيراً ما كنت أتخذ من أحدهما أو كليهما حجة غياب أمام والدي في أيام مراهقتي حين أذهب إلى دار السينما وحدي وأتأخر في العودة إلى البيت إلى ما بعد غياب الشمس، وكانت السينما في ملّة والدي واعتقاده أقرب شيء للحانة الليلية، كما كان غياب الشمس عنده إيذاناً بمنع التجول، فإذا جمعت بين السيئتين فتلك لعمر الله قاصمة الظهر، ولكن حبال الكذب قصيرة كما يقال.
- أين كنت حتى هذا الوقت؟
- مع صاحبي "فلان".
- حقاً؟
- حقاً.
- ولكن "فلان" جاءنا يسأل عنك؟

*****

ذهبت تلك الأيام، وشبّ الصبي عن الطوق، وهو الآن طالب جامعي يعيش مع صاحبيه في حرم الجامعة، دون رقابة أبويّة، يقرر مع أصحابه أين يذهب ومتى، وهو فوق ذلك شاعر يشار إليه بالبنان، وما لا يدركه في الواقع يدركه في المخيلة الشعرية، وإن لم تكن هذه الحرية المكتسبة كافية للانتصاف من أيام الرقابة الأبوية الصارمة ورقابة المجتمع المحافظ، فليرني الرقباء الآن أصول وأجول في بيئة لا تشكو من قلة الفتيات، وقد سقطت أسوار الفصل بيننا، وزالت الحواجز المضروبة التي لم تكن تسمح بأكثر من النظرة والابتسامة عن بعد، وعلى وجل من الواشي والرقيب، وتفرض اختزال مشاعر الحب والوجد والشوق في رسالة حذرة تقذف من فوق الأسوار العالية، وربما وقعت في اليد الخطأ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.