المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

حياة مع الدراما "5" | الدراما التاريخية: لماذا وكيف؟ (الجزء الثاني)

تم النشر: تم التحديث:

(هل تذكرون سي السيّد في ثلاثية محفوظ؟)
أشد ما تكون التقاليد الجمعية في المجتمع القبلي، بل تزداد صرامتها حين تغيب الدولة التي تحتكر العنف الشرعي والقضاء في الخصومات، وتتمثل لها الجماعات والأفراد معاً، وهكذا كان حال المجتمع القبلي الذي عاش فيه طرفة، فعلى الفرد أن يمتثل لدستور القبيلة غير المدوّن وتقاليدها الصارمة؛ لتمنحه في المقابل حمايتها وأمانها. فأنى كان، تكون معه قبيلته وإن لم يكن حضورها مادياً، فإن اُعتدي عليه فهو عدوان على قبيلته كلها، فتنهض بثأره، وإلا لحقها عار الأبد، فهو قبيلة في فرد؛ إذ كان فرداً في قبيلته! فإن خرق الفرد قواعد القبيلة وتقاليدها واحتكم لرغباته الفردية، حتى يهدفها لحراب العرب دون حق، أو يستجلب عليها العار، كان عليها أن تنبذه وتخلعه وتتبرأ منه علناً، فيخرج من حمايتها، ويكون عليه أن يواجه مصيره وعواقب أفعاله منفرداً.

ومن هنا جاءت ظاهرة "الخلعاء" في العصر الجاهلي، وهم ضرب من الصعاليك الذين عاشوا حياتهم على هوامش المجتمع القبلي، ومنهم تطور معنى كلمة "خليع" إلى ما صار إليه في العصور المتأخرة.

كان طرفة ذا شخصية فردية جامحة، ضاقت بتقاليد القبيلة وإملاءاتها التي تقيّد حريّته، فغلب حريته الفردية عليها وجازف بالعواقب، أو لربما أنه لم يقدّر فداحة الثمن.
وما زال تشرابي الخمور ولذَّتي ** وبَيعي وإنفاقي طَريفي ومُتلَدي
إلى أن تَحامَتني العَشيرة كلُّها ** وأُفرِدتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

وهكذا دخل طرفة في نزاع مع قومه، فوجد نفسه متوحداً مغترباً عن واقعه، ولكنه لم يصر إلى الصعلكة، إنما فارق قومه، وانطلق في الآفاق برأسه، وكأنه قد أراد أن يثبت قدرته على البقاء وتحقيق طموحاته بمواهبه الشخصية، دون سند من الجماعة أو القبيلة، وإذ أصحبه في تجواله، تتمثل لي مفارقة درامية إنسانية، فها هو الآن بعيداً عن قبيلته، إذا تعرّض لخطر ما لم ينجه إلا أن يعرف الناس نسبه وقبيلته، فيكفوا أيديهم عنه، ذلك أنه خرج طوع إرادته، ولم تعلن قبيلته بخلعه، حين كان فيها كانت فرديته حاضرة في وعيه أكثر من حضور قبيلته، والآن وقد خرج منها وصار بعيداً عنها وجدها حاضرة معه أكثر من حضوره الفردي! فأين يذهب من ذاته ومنها؟!
ثم وصلت به رحلته إلى مملكة الحيرة، هنا دولة تفرض سلطانها على القبائل نفسها، وكان أخو الملك قد ثار على أخيه يطلب الملك لنفسه، فلم يختَر طرفة أن ينضم إلى الأخ الثائر وكان بوسعه أن ينضم إلى الملك المتمكن فيكون عنده في أمن وعافية، ولم يستغضب ملكاً طاغية عرف بجبروته وإسرافه في القتل؟
هل كان يستجيب لمزاجه المتمرد على المؤسسة السائدة؟ أم كان يحب العيش على حافة الهاوية، أو يستجيب لرغبة دفينة بالموت ليتحرر من عبء شقاء الأزمة التي ما فتئت تمزقه؟ أم رأى في الثورة فرصة لصنع مصيره وقدره بنفسه وإرادته دون عون أو إملاء من عصبته؟ أم أن هذه مجتمعة قد عملت في نفسه ووجهت خياره؟

أخفقت الثورة، وعاد طرفة ليهيم على وجهه، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وظن أنه لا مفر من الملك الجبّار إلا إليه، أخذ يستعطفه ويمدحه، بعد أن كان هجاه، فأمّنه الملك واستصلحه وقرّبه وجعله في ندمائه، ومكث على ذلك وقتاً ومعه خاله المتلمّس الشاعر. فهل خضع الشاعر المتمرّد أخيراً وتبددت مقاومته فانقلب على نفسه واعتزازه بذاته كما يحدث مع الكثير من المتمرّدين؟ هل مات معنوياً إذ نجا ببدنه؟ أم أن نفسه الثائرة القديمة لبثت تنكأ عليه حتى استأذن الملك أخيراً في مفارقته والعودة إلى بلده وقومه؟ هل أدرك أخيراً أن الخضوع لتقاليد عصبته أهون من الخضوع إلى ملك جبّار؟
وإذ يأذن له الملك، فإنه يعطيه وخاله المتلمّس كتابين مختومين بختمه إلى عامله على هجر والبحرين ليمنح كلا منهما جائزته، ولكن المتلمس الذي لا يأمن غدر الملك وسوء نياته، يدفع بالكتاب إلى غلام قارئ من الحيرة فيقرأه له، فيلطم الغلام صدره ويصيح: ثكلت المتلمّس أمه. ويعلم أن الكتاب أمر بقتله، فيقرر أن يحوّل وجهته إلى الشام ليستأمن فيها بعيداً عن سطوة ملك الحيرة. أما طرفة فيقرر أن يتابع سيره إلى هجر، ويرفض أن يفض ختم الملك ليرى ما في كتابه كما فعل المتلمّس. وخاله يقول: لقد علمت أن الذي في كتابك كالذي في كتابي. فكلانا هجاه. وهو لا ينسى ثأره وإن تظاهر بالإغماض عنه. فيجيب طرفة: لئن جرؤ عليك فإنه لا يجرؤ عليَّ! هل كان الشاعر العظيم، صاحب المعلّقة الشهيرة، على تلك الدرجة من الحمق والغفلة والاستهتار؟ أم أنه وقد أخفق في الخروج من أزمته الكامنة، قد زهد بالحياة نفسها وعاودته رغبته الدفينة بالموت. ولما كان بوسعه أن يتجنب الموت بعد أن تبيّن له أمر الملك، فقد صار موته فعل إرادة ذاتية. إنه الاختبار الأخير لإرادته الفردية التي أخفقت حتى الآن في صنع حياته على المثال الذي يحب، فإن لم يكن بوسعه أن يعيش كما يشاء، فإنه يستطيع أن يموت كما يشاء:
ألا أيُّهذا اللائمي أحضرَ الوغى ** وأن أشهدَ اللذّات، هل أنتَ مُخلِدي؟
فإن كنتَ لا تستطيع دفع منيَّتي ** فدعني أبادرها بما ملكتْ يدي

وبذلك فإن الموت المتحكم بالمصائر لا يقهر إلا بالموت الإرادي، والموت بهذه الطريقة يمنح للحياة معنى بأثر رجعي.
وإلى جانب هذا الدافع، يتسنى لنا أن نضيف دافعاً آخر، فكما أن هذا الخيار بمثابة الاختبار الأخير، وربما الوحيد، لإرادة فردية غلبتها سلطة الجماعة، فيمكن أن يكون كذلك اختباراً أخيراً للجماعة نفسها ومدى وفائها بقانونها الذي يلزمها حماية أبنائها، ها هي قد استعملت قوتها وسلطتها لتخضع الشاعر، كي ينتظم في قالبها، حتى ضاقت به الدنيا فخرج على وجهه متشرداً، وها هو الآن يعود إليها، فهل تملك أن تحميه من سطوة ملك الحيرة وعامله، أم أن سلطة العصبية تقف عند سلطان الحاكم الطاغية؟ فإن لم يكن في وسعها أن تؤدي ما عليها في حماية أبنائها كما يفرض قانونها، فكيف تفرض عليه أن يؤدي لها ما عليه امتثالاً للقانون نفسه؟!

لا شيء يخسره الشاعر بتلك المجازفة الأخيرة، فإن عصمته قبيلته من الموت، فقد نجا، وجرّها في الوقت نفسه قسراً إلى التّمرد على ملك الحيرة وعسفه، وبذلك تتحول قضية الحرية من مطلب فردي يصادم القبيلة، إلى مطلب جمعي تنهض به القبيلة كلها، فتتحقق المصالحة أخيراً بينه وبينها، وإذا تخلّفت القبيلة عن حمايته واستنقاذه، فهو من جهة لا يأبه بموت اختاره لنفسه ليعطي وجوده معنى، ومن جهة أخرى يكون قد حقق انتصاره الأخير على القبيلة؛ إذ كشف قصورها وضعفها وعجزها عن الوفاء بواجباتها، فلحق بها من العار أكثر مما أرادت تجنبه حين أملت على الشاعر فراقها.

وأخيراً ينتهي الغلام القتيل مصلوباً على جذع نخلة، على مشهد من قومه، محققاً بذلك انتصاره الأخير في صراع الإرادة الفردية والإرادة الجمعية، الموت هنا ليس ثمناً من أجل حرية الآخرين، وإنما هو حرية القتيل نفسه!

هل هذا ما تقوله أخبار طرفة المدونة وشعره؟! من الواضح أنها لا تقوله بهذا المصطلح الفكري الفلسفي الدرامي المعاصر. وما كان للأولين أن يستعملوا مثل هذا الأنموذج التفسيري وهم يستقبلون أخبار طرفة وشعره، ومع ذلك فإن الأخبار والشعر يسمحان بهذه القراءة المعاصرة دون أي إخلال بالمادة التاريخية المدونة. فالمتغير هو القراءة لا المقروء، وقد لا تتطابق قراءتي مع قراءة باحث أو كاتب معاصر آخر، ولذلك لا تتوقف القراءات والتأويلات والأبحاث والمعالجات للمادة التاريخية والشعرية نفسها.

هل الصراع بين الحرية الفردية والتقاليد الاجتماعية أمر جديد؟ هل غربة الإنسان عن مجتمعه ظاهرة حديثة؟
والجواب أن هذه وكثيراً مثلها ظواهر إنسانية قديمة تتعلق بالشرط الإنساني بمطلقه، وإن اختلفت الأشكال والظروف والتجليات، ولكن وعينا بها يتطور مع تطور منظومات المفاهيم التي نحلل بها ونفسر.

وعلى سبيل المثال، ما كان طرفة ولا الذين سمعوا شعره أو قرأوه من الأولين ليتحدثوا عن "مذهب اللذة" (Hidonism) بوصفه موقفاً فلسفياً، ولكن بعضهم كان يمارسه في واقع الحال، وإلا فانظر هذه الأبيات من معلقة طرفة:
ألا أيُّهذا اللائمي أحضرَ الوغى ** وأن أشهدَ اللذّات، هل أنتَ مُخلِدي؟
فإن كنتَ لا تسطيع دفع منيَّتي ** فدعني أبادرها بما ملكتْ يدي
ولولا ثلاثٌ هُنّ مِنْ عِيشةِ الفتى ** وجدِّكَ لم أحفل متى قامُ عوَّدي
فمِنهُنّ سَبْقي العاذِلاتِ بشَرْبَةٍ ** كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزبِد
وتقْصيرُ يوم الدَّجن والدَّجنُ مُعجِبٌ ** ببهنكةٍ تحت الخباء المعَّمد
كريمٌ يُرَوّي نفسه في حياتِهِ ** ستعلم إن مُتنا غداً أيُّنا الصدي
أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلةٍ ** وما تَنقُصِ الأيّامُ والدّهرُ يَنفَد
لعمرُكَ إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى ** لَكالطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليَدِ

ألا تلخص هذه الأبيات بلغة قديمة مذهب اللذّة؟ ألا ترى إلى الربط بين حقيقة الموت واستباق اللذات قبل الفوت؟
ولكن مهلاً.. لم تنته مهمة الباحث والكاتب الدرامي باستقراء المادة التاريخية على هذا النحو، وبناء المعالجة الدرامية على ذلك، فالتحدي الأخير هو أن يقول ذلك بلغة الحقبة التي تدور فيها الأحداث ومفاهيمها وثقافتها، فإن قالها بلغة المفاهيم المعاصرة فقدت الدراما والشخصيات صدقيتها وقدرتها على الإقناع. فحضر الكاتب وغاب التاريخ! فكما أنه استقرأ هذه المعاني في المادة التاريخية المدونة انطلاقاً من وعيه المعاصر، فعليه أن يترك للمتلقي أيضاً أن يترجمها إلى لغة المفاهيم المعاصرة من خلال نشاطه التأويلي.

لا يعني ذلك أن الذين شاهدوا عملي الدرامي عن طرفة، أو أي عمل آخر من أعمالي، قد استوعبوا تلك المعاني جميعها على السوية نفسها. وهذا ينطبق على قراءة الروايات والمسرحيات، وحتى على الأعمال السينمائية الراقية، ولقد وجدتني في إحدى المناسبات أناقش مع نفر من المثقفين فيلم أفاتار Avatar الذي يبدو لأول وهلة أنه من أعمال الفانتازيا التي تقوم على الإبهار، وتتوخى الإمتاع في المقام الأول. وقد أجمع رأينا على روعة العمل وجمال حكايته وصورته، ولكنا لم نكن على سوية واحدة من فهم معانيه ورسالته؛ إذ كاد الإبهار البصري أن يصرف عن التمعن في رؤيته الإنسانية الثقافية العميقة ورسالته السياسية النقدية الجادة، فالعمل ينطوي على نقد شديد للمركزية الثقافية الغربية التي تجعل نفسها معيارا كونياً تقاس به الثقافات الأخرى، وهو ما يغذي العنصرية وتهميش الآخر وتحقير ثقافته وإنسانيته، ويسوغ العنف في التعامل معه والهيمنة عليه، لخدمة المصالح الغربية المادية، كما يبرز العمل الوجه الذرائعي النفعي القبيح للعقلانية المادية الغربية التي تتعامل مع الطبيعة بمنطق القهر والجشع والاستغلال، فتدمر مصادرها وتخل بتوازنها الحيوي، وهو ما يهدد مستقبل الحياة كلها، وفي مقدمتها الإنسان نفسه. ويستحضر العمل في المقابل منطق الثقافات الأحيائية الأرواحية (Animistic) الشمولي (Holistic) التي ترى الوجود بكل مظاهره منظومة حيوية واحدة، يعتمد بعضها على بعض، فإذا اختل أحدها اختلت المنظومة كلها، فثمة روح واحد ينتظم الكون كله ويسري حتى في الموجودات المادية، وذلك أدعى إلى احترام البيئة بحيوانها ونباتها ومصادرها والتناغم معها، ذلك أن صيانتها هي صيانة للإنسان نفسه. وما كان للشخصية الرئيسية في العمل أن يستوعب ثقافة السكان الأصليين لذلك الكوكب بعين ثقافته الغربية حتى يتقمص صورة أبنائها وتستدرجه الأحداث إلى الانخراط بها من داخلها؛ ليتقمص فوق ذلك نظرتها إلى الحياة والوجود، وهي رسالة أخرى هامة متأسسة على علم الأنثروبولوجيا الذي يقرر أنه لا سبيل لفهم ثقافة أخرى إلا باستدخالها أولاً وتقمص نظرتها، بدلاً من معاينتها من الخارج بعين ثقافة الذات. وليس عبثاً أن يكون بطل القصة كسيحاً لإصابة سابقة في عالمه، حتى إذا تجسد في جسم واحد من سكان الكوكب استوى على ساقيه يمشي ويركض ويقفز بحرية؛ ليعيد اكتشاف ذاته مع اكتشاف حقائق المجتمع الآخر وثقافته، ثم يتماهى تدريجياً مع أهله ليتحول من عدو غاز إلى واحد منهم، ينافح معهم عن حريتهم وقيمهم وأسلوب معيشتهم ضد قومه السابقين الذين خرج نهائياً من عالمهم.

لم يكن غريباً، في ضوء رسالة العمل هذه ومعانيها، أن تستنكره بعض الجهات في الولايات المتحدة؛ إذ يكاد يكون دعوة عالمية للثورة على الهيمنة الإمبريالية الأميركية.

والشاهد هنا أن مشاهدي العمل، حتى النخبة المثقفة، قد توصلوا إلى أقدار متفاوتة من معاني الفيلم ورسالته، وكفى بذلك، ولكنهم أجمعوا على فائدته ومتعته ورقيه، وانجذبوا جميعاً لمادته الحكائية الشائقة المستكملة لشروط السرد الدرامي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.