المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

حياة مع الدراما "2" | الدراما الأدبية المصورة: تجربتي الخاصة

تم النشر: تم التحديث:

تتمثل الجوانب الأدبية في أعمالي الدرامية المصورة في اللغة والمعالجة الدرامية من حيث تحليل الشخصيات وتطورها وصراعاتها، ومن حيث البناء الدرامي، والمحتوى الفكري، ورسالة العمل.

أما اللغة في الأعمال التاريخية فقد قررت منذ اللحظة الأولى ألا أتنازل عن المستوى البلاغي الأدبي وفقاً لمقتضيات الموقف الدرامي والشخصية والعصر الذي تدور فيه الأحداث، وما زال التعريف العربي القديم المكثف للبلاغة بأنها "موافقة الكلام لمقتضى الحال"، صحيحاً وجامعاً مانعاً، فليس من المعقول ولا المقنع أن ننطق شخصيات من العصور التاريخية المتقدمة بأسلوب عصري يحاكي لغة الصحافة مثلاً، بدعوى تقريب اللغة إلى المشاهد الراهن وتيسير فهمه للحوار، كما يمكن أن يزعم بعض المتنطعين بغير علم، فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعنى، فتستوي أساليب التعبير عن المعنى الواحد، ولكن الأساليب تتنوع بتنوع الأشخاص وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية ومحتوى وعيهم، فضلاً عن أساليب زمانهم وثقافتهم العامة؛ بل يتقلب الشخص الواحد بين أساليب مختلفة باختلاف موقف الكلام.

وتحمل الأساليب دلالات ثانوية هامة غير المعنى المركزي المباشر، وفضلاً عن التنوع الفردي في أساليب الكلام، فإن لكل عصر سماته الأسلوبية العامة التي تميزه من حيث نظم العبارة وسبكها ومن حيث المعجم والمفاهيم والمعاني، وما عليك إلا أن تتخيل الجاحظ يقرأ مقالة صحفية معاصرة فيضل فهمه للكثير من مصطلحاتها ومفاهيمها المعاصرة، وتضميناتها الحديثة وإشاراتها السياقية التي لا يدركها إلا أبناء العصر، وإذا كانت الدراما تقوم على التقمص والإقناع به، فإن كلام الشخصية التاريخية بأسلوب معاصر يفقدها على الفور مصداقيتها وقدرتها على الإقناع، ويجردها من الأصل الذي تتقمصه، فلا يبقى من الشخصية التاريخية المجسدة إلا اسمها ورسمها التاريخي، وهو ما يفسد الدراما بما تمليه من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فأي شخصية تاريخية قديمة تنطق بعبارات من نوع:
علينا أن نأخذ بعين الاعتبار.
هناك أبعاد مختلفة للموضوع.
إنه يعتبر هذا الأمر مشروعه الخاص.
هذه مسألة تتعلق بالحريات الشخصية.
أعتقد أن الرسالة قد وصلت (أي مغزى الكلام).
سوف نمد رأس جسر عسكري من هذا الموقع.
إنه في حالة نفسية سيئة هذه الأيام.

وإذا بدا أن هذه الأمثلة فاقعة بعض الشيء، فإن المتتبع المرهف يلتقط في بعض ما عرض من الأعمال التاريخية ما هو أشد اغتراباً عن الأساليب القديمة. ومن أوتي حساً لغوياً أسلوبياً مرهفاً، وكان له أُلفة طويلة بالمصادر القديمة، يلتقط ما هو أخفى منها وأقل نفوراً، وعلى سبيل المثال، قد تبدو كلمة عربية بسيطة مثل "أرجوك" عابرة للحقب التاريخية، فاشتقاقات فعل الرجاء قديمة راسخة في اللغة واستعمالاتها، فلا شيء يلفت الانتباه في أن تقول شخصية تاريخية:- وقد رجوته أن.. - وإني لأرجو الله.. - وقد رفعنا أكف الرجاء.. - ولولا رجائي بالله.. ومع ذلك فإن بعض السياقات التداولية وأساليب الاستعمال للمادة اللغوية نفسها لا يتطابق فيه المعاصر مع القديم، فلن تجد في نص قديم من يستفتح الطلب بالمصدر: رجاء، كما نفعل الآن، وحتى الاستفتاح بفعل الطلب: أرجوك، يبدو ألصق بالكلام المعاصر منه بالقديم، وقد رأيت مشهداً في أحد الأعمال الدرامية التاريخية يتعرض فيه رجل للتعذيب، فيردد متوسلاً جلاده: أرجوك، فلم تسغ لي أبداً، وثمة أساليب أخرى للتوسل والمناشدة تتكرر في مصادرنا القديمة، ليس من بينها هذه الكلمة إطلاقاً، مثل: نشدتك الله.

وفي أحد أعمالي التاريخية تصرَّف المخرج في أحد المشاهد لضرورة إنتاجية؛ إذ تقتل إحدى الشخصيات في السجن خنقاً، ثم تزعم السلطة أنه مات حتف أنفه، وفي المشهد الأصلي المكتوب، يدخل عليه جماعة من قومه لحمل جثته، فيخاطبه بعضهم بكنيته: "يا أبا فلان، لقد علمنا والله أنك لم تمت حتف أنفك". أما في التنفيذ، فقد استبدل المخرج بالجماعة ولد الميت، فكان لا بد من تعديل الخطاب وفقاً لذلك، فيقول الابن: يا أبي.. ولا غبار على الكلمة، ولكن ما كنت لأكتبها أبداً، فالأقرب إلى الأساليب القديمة أن يقال: يا أبت، وهي أكثر انسجاماً مع لغة النص وحواراته.
فالخيار لا يكون أحياناً بين الصحيح والخطأ، ولكن بين الفصيح والأفصح لمزيد من الإقناع ونقل روح العصر. وتقمص أسلوب العصر على كل حال ليس بالأمر الهين، ولا يتقنه إلا القليل النادر، ويحتاج إلى طول إلفة مع النصوص القديمة، فضلاً عن الموهبة اللغوية والأدبية والتمكن من الأساليب المختلفة.

على أن محاكاة الأساليب القديمة في الدراما التاريخية لا تعني استعمال المفردات الغريبة التي تعيق فهم المشاهد المعاصر العادي، إلا ما يدل سياق الموقف على معناه أو على وجه استعماله في السياق، فليس من الضرورة أن يفهم المشاهد معنى كلمة "ورهاء" في المعجم، يكفي أن ترد في سياق الشتيمة: أيتها الحمقاء الخرقاء الورهاء! ولعلها أن تحفز السامع أو المشاهد على استخراج معناها من المعجم، وقد صار الآن ميسراً في شبكة الإنترنت. (لا، لن أذكر معناها هنا أيضاً، التمسها بنفسك إن شئت!)، وعلى أي حال، فإن الأساليب اللغوية القديمة لا تتمثل في مفردات المعجم فقط، وإنما تستظهر أولاً في سبك العبارة ونظمها.

ومن جهة أخرى، فإن الجماليات الأدبية في لغة النص الدرامي المصور لا تتقوم باللغة الإنشائية والزخارف اللفظية والصور الشعرية المتكلفة، كما يتوهم بعض الكتاب؛ بل إن من شأن هذه الأساليب أن تفسد واقعية الحدث والسرد الدرامي، ومصداقية المواقف والشخصيات، وإيقاع العمل وتدفق أحداثه على نحو عفوي، أما الجماليات الأدبية الحقيقية فتنبثق من طبيعة الموقف الدرامي وصراعاته، وتوظف في خدمة التأثير المنشود منه على نحو طبيعي لا تعسف فيه ولا تكلف، فهذه حوادث درامية تحاكي الحياة الواقعية وما فيها من مواقف وعلاقات إنسانية، فلا ينبغي أبداً أن تكون مجموعة من النصوص الإنشائية والنثر الشعري مركبة على الشخصيات من خارجها، ومقحمة على المواقف، بحيث تبدو منبتة عن هؤلاء وأولئك؛ إذ إن شعرية الحوار الدرامي وقيمته الجمالية تخضع لشروط الدراما ومقتضياتها، ولا ينبغي أن يتقدم فيها الشكل على الفكرة والمحتوى والموقف، ولكنه يتشكل بهؤلاء في السياق السردي.

ولقد أثبتت تجربتي العملية صواب خياري الأسلوبي اللغوي، فلم يقف الأسلوب البلاغي القديم عائقاً أمام فهم المشاهد، وإنما أسهم إسهاماً كبيراً في تعزيز مصداقية الشخصيات والمواقف والبيئة الاجتماعية العامة وروح العصر، ومن ثم في تحقيق مطلب الإقناع؛ بل كانت اللغة في أعمالي التاريخية عامل جذب واحتفاء كبيرين، لم يقتصرا على النخبة المثقفة. ووجدت كثيراً من عامة الجمهور يدوّن عبارات ومقاطع حوارية منها في سياق التعليقات عليها في مواقع التواصل الاجتماعي، واقترن التعليق على القيمة البلاغية فيها بالفكرة التي تعبر عنها؛ إذ لا فاصل في بلاغة الحوار الدرامي بين الشكل والمحتوى، فكلاهما يتحقق بالآخر، بل هما حقيقة واحدة.

وعلى الجملة، تجد الاحتفاء بلغة أعمالي التاريخية تتصدر الحديث عنها، ومما يجمع عليه الجمهور على اختلاف مستوياتهم الثقافية، وقد صح بذلك ظني في الجمهور العربي، فما زالت اللغة تحتل موقعاً مركزياً في حسه الجمالي وعالمه الوجداني، وهي ظاهرة ثقافية تاريخية ممتدة منذ العصر الجاهلي، حين أملت ظروف البيئة المادية والاجتماعية أن يصرف العربي طاقته الإبداعية باللغة دون الفنون البصرية (التشكيلية والتشخيصية)، فكان الشعر الجاهلي العظيم بلغته وإيقاعاته، واحتفاء القوم بالشعر والشعراء، حتى نسبوا الشعر لقوى خارقة تتوسل لسان الشاعر، واشتقوا معنى "العبقرية" من وادي عبقر الذي تسكنه تلك القوى الخفية الملهمة، وعلقوا القصائد العظام الطوال على جدران الكعبة، ثم جاء الإسلام، فلم يقدم لصدق الرسالة بآيات المعاجز المشهودة، ولكن بآيات الكلام المعجز في نص القرآن الكريم، فتعززت بذلك مركزية اللغة في الفضاء الإبداعي العربي، واستقر ذلك في الوجدان الجمعي والمخيلة العامة، ومضى على ذلك اللاحقون.

ولا أعلم ثقافة أخرى يضم تراثها المدون ما يضمه التراث العربي من قصص ونوادر ومواقف كان اللسان بطلها، فكم من كلمة قربت بعيداً أو أبعدت قريباً، وأمنت خائفاً أو راعت آمناً، ورفعت وضيعاً أو وضعت رفيعاً، وأحيت نفساً على شفا الهلاك أو أهلكت أخرى كانت تظن أنها قادرة على دنياها، حتى قيل: البلاء موكل بالمنطق، وقيل: الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه، فلا عجب إذاً أن ترى العربي يهتز لسماع الكلام البليغ ويطرب لإيقاعه ويتذوق جماله، وإن لم يكن في ذاته بليغاً متمكناً أو مثقفا، ألا ترى إلى اﻷمي أو شبه اﻷمي إذا استمع إلى القرآن يتلى عليه خشع قلبه واهتزت جوارحه! وذلك ما وصل قديم اللغة بحديثها، ولئن كان جل الناس قد عزفوا عن قراءة النصوص اﻷدبية المكتوبة، قديمها وجديدها، فإن الوسيط الدرامي المصور أقدر الآن على الوصول إليهم ومخاطبة ذائقتهم بلغة أدبية حية تتوسط السرد والمادة الحكائية الجذابة بشخصياتها وأحداثها المشخصة، فيستقبلها المشاهد في سياقاتها الوظيفية، ذلك ما كان من أمر اللغة في أعمالي الدرامية التاريخية، فلما كتبت "التغريبة الفلسطينية" انتقلت إلى المحكية الريفية الفلسطينية لنفس الدواعي التي أملت عليَّ اختيار الفصحى اﻷدبية القديمة في أعمالي التاريخية، فلم أفارق بذلك شرط البلاغة في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ولا شروط التقمص والمصداقية واﻹقناع في الدراما، فلو أني أنطقت شخصياتي في "التغريبة" بالفصحى ﻷفسدت صدقيتها وقدرتها على اﻹقناع. ومع ذلك أزعم أنه ظل في الوسع تخليق الشعرية من باطن الموقف الدرامي اﻹنساني دون افتعال ولا تكلف، وتكفلت المادة الحكائية والبناء السردي والقص الروائي والمحتوى الفكري واﻹنساني بتحقيق المستوى الروائي اﻷدبي.

ذلك ما كان من أمر اللغة في أعمالي الدرامية، وإسهامها في تحقيق القيمة الأدبية فيها، ولكن ليس بالأسلوب اللغوي وحده يتقوم الأدب السردي الدرامي، وإنما كذلك في المعالجة الدرامية من حيث البناء السردي العام وتطور الأحداث والصراعات الداخلية والخارجية وبناء الشخصيات المركبة وتطورها والحبكات التي تربط أجزاء العمل وتدفع تصاعد وقائعه وتطورها. وإلى جانب هذا كله هناك المحتوى الفكري والرسالة الإنسانية. والتحدي الأعظم يتمثل في الجمع بين القيمة الجمالية والقيمة المعرفية، فلا يجور أحدهما على الآخر فيجور على نفسه، ففي الأشكال الأدبية والفنية عامة، لا يتراجع أحد هذين الركنين إلا تراجع معه الآخر، فالتركيز على الشكل دون المحتوى، يفسدهما معاً، وكذلك التركيز على المحتوى دون الشكل يذهب بالعمل إلى التجريد الذهني أو إلى الخطاب الوعظي المباشر، وكل ذلك يورث الملالة ويصرف عن المتابعة، ويتنافى مع طبيعة الدراما.

وإذا كان الصراع عنصراً أساساً في السرد الدرامي، فإن هذا المطلب لا يتحقق بالشخصيات المسطحة ذات البعد الواحد، فكيف يتطور الصراع إذا استقرت الشخصيات من أول العمل إلى آخره على بُعد واحد، فهي في آخر أمرها كما هي في أوله، فإما شر مطلق وإما خير مطلق، ثم لا ندري ما الذي أفضى بهذه الشخصية أو تلك إلى الحال الذي هي عليه خيراً أو شراً، لكأنها قد جبلت عليه وولدت به فلا خيار لها فيه ولا إرادة، فإذا كانت كذلك فيمكن للمشاهد أن يتنبأ بسلوكها واستجاباتها للمواقف مسبقاً، وكل ما يمكن التنبؤ به مطلقاً يفقد قيمته التواصلية فلا يشغل المشاهد الخبير بالتأمل والتفكير والتأويل والترقب والتفاعل.

وكما أن الشخصيات المسطحة (غير المركبة) تتعارض مع طبيعة السرد الدرامي، فإنها تتعارض كذلك مع طبيعة الإنسان في واقع الحياة؛ إذ هو حقيقة مركبة ذات أبعاد متعارضة، تتنازعه الدوافع والرغبات والحاجات والقيم، ويتقلب فيها من وقت إلى آخر حسب الظروف الضاغطة، ويستعين على تسويغ مواقفه بالنشاط التأويلي، ولكل إنسان شياطينه التي تغالبه ويغالبها، فتغلبه حيناً ويغلبها حيناً، وقد يستسلم لها أخيراً فتهيمن عليه، فيكون ضحية نفسه كما جعل من غيره ضحايا له، أما الشر المطلق الذي لا يخالطه تسويغ ولا تأويل ولا ندم، فمن صفات الشخصية الإجرامية المريضة المختلة العقل (psychopath) وربما كان لاختلالها أسباب من تجارب طفولة قاسية ونشأة مضطربة.

والمتابع لأعمالي الدرامية لا يفوته ملحظ شخصياتها المركبة ذات الأبعاد المتضاربة وما يستصحب ذلك من تحولات وتقلبات، حتى ليحار المشاهد في تقويمها: هل يحبها أم يكرهها؟ هل يحب بعض ما فيها وينكر غيره؟ هل يسوغ لها أم يدينها على الجملة؟ ولقد سرني دائماً أن أرى الناس يختلفون في تقويم تلك الشخصيات، وكل منهم يأتي بحجة لها أو عليها، وتلك سمة في النص الأدبي والعمل الفني الجاد عامة؛ إذ ينفتح على مستويات مختلفة من الفهم والتأويل والتقويم، ويستدرج المتلقي للتفاعل النشط لا الاستقبال السلبي.

والإنسان لا يبقى على حال طوال عمره، ولكن التحول لا يكون بين ليلة وضحاها، وإنما ينشأ بالتراكم مع تغير الظروف والمواقع، وله مقدمات، وقد لا يدرك المشاهد مغزى بعض المقدمات إلا بعد أن يقع التغيير، والكاتب الحاذق يلمح لها دون أن يبوح بها على نحو صارخ، فيقتل عنصر التطور والتحول المتدرجَين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.