المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

حياة مع الدراما "1"| الدراما حين تكتب كاتبها!

تم النشر: تم التحديث:

على وفق عادتها، أوسعت لي الدراما حين ضقت بعملي في الجامعة فاستقلت منها عام 2007، مثلما أوسعت لي قبل ذلك بنحو ثمانية وعشرين عاماً حتى ضاقت الجامعة بي فأخرجتني منها حتى عدت إليها بعد إحدى عشرة سنة، وهكذا أعتقتني الدراما من قيد الوظيفة وما يمكن أن يلابسها من قهر الرجال!

وبذلك يصح القول إن الكتابة تكتب كاتبها، فلقد تشيده بقدر ما يشيدها، وتفتح له من سبل الحياة بقدر ما سلك من طرقها وبلغ من آفاقها. وكذلك كان دور الكتابة الدرامية في حياتي. ولئن علمتني المعالجة الدرامية شيئاً فهو أن مصير الفرد، كائناً من كان، تسهم في تشكيله مصائر البشر جميعاً، سابقهم وحاضرهم!

أهو من الخيال الجامح أن أزعم مثلاً أن جانباً من مصيري الشخصي، أنا ابن هذا الزمان، قد تقرر قبل زهاء ألف وأربعمائة سنة، حين زرعت بذرة الصراع بين بني هاشم وبني أمية، فقرر أحد أبناء عبد الله بن عباس أن ينشئ حركة سرية للثورة على الدولة الأموية، حتى إذا انتصرت الثورة وأمعن المسودة العباسيون في قتل الأمويين فر منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (صقر قريش) إلى المغرب الأقصى، ثم عبر العدوة إلى الأندلس، وحاز الحكم فيها بعد معارك دامية، فجدد في الأندلس دولة آبائه الغاربة في المشرق. ثم بعد زهاء ألف وأربعمائة سنة قرر كاتب أن يؤلف مسلسلاً درامياً عن سيرته، فكان من أثر ذلك أن تغيرت حياته وحظوظه وانفتحت له سبل ما كان ليسلكها لولا عمله ذاك.

وامتد الأثر منه إلى أهله وآخرين من خاصته!! فهل خطر لي يوماً قبل ذلك أن مصيري مرتبط على نحو ما بمصير الأمير الشارد الذي ختمت سيرته قبل زهاء ثلاثة عشر قرناً، وأني حين كتبته كان يكتبني وهو رميم؟! كذلك فعل آخرون من قبل ومن بعد: فغزوت إذ غزا أمير الصعاليك عروة بن الورد، وبكيت إذ بكت الخنساء أخاها صخراً وأعقبني البكاء فرجاً، وصعدت مع شجرة الدر إذ صعدت ولم أهبط معها إذ هبطت، وصحبت صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس فنلت حظاً من مغانم نصره في حياتي الشخصية، وقطفت في ربيع قرطبة بعض ما قطف المنصور بن أبي عامر دون أن أبيع روحي لشيطان السلطة الغوية، وخرجت من عصر الطوائف بخير مما خرج به المعتمد بن عباد إلى منفاه البئيس في أغمات! بلى تقلب مصيري مع تقلب مصائر هؤلاء وغيرهم، وقدموا لحياتي وسيرتي قبل أن أولد بقرون طويلة. ولكن كان يجب أن أسترجعهم أولاً في نصوصي الدرامية كي تعمل أسبابهم في حياتي. وبذلك يكون اللاحق الذي تنجزه سبباً في اشتغال السابق على حياتك. فكلا السابق واللاحق في هذه الحالة سبب موصول بالآخر! يعود الحاضر على الماضي، فيعود الماضي على الحاضر! فكأن الزمن وهم يشيده وعينا. فأي دراما!

في عام 1978 أتتني الكتابة الدرامية تجرجر أذيالها على غير دعوة مني ولا موعد مضروب. ولكنها لم تصبني خبط عشواء. فقد كنت قبل ذلك شيئاً مذكوراً في الشعر والأدب والثقافة. وكان الإنتاج الدرامي التلفازي قد بدأ في التوسع خارج مصر، وتصدرته مؤسسة الخليج للأعمال الفنية في دبي بالإمارات العربية المتحدة. ولكن كان ثمة نقص فادح في النصوص الدرامية وكتابها. فمن الطبيعي أن تستدرج الجهات المنتجة كتاباً معروفين من الساحة الأدبية لعل الكتابة الدرامية توافق هوى وموهبة عند بعضهم، فيوظفون مواهبهم الفنية في هذا الشكل السردي الحديث. وليس إبداع الكاتب في شكل فني ما ضميناً لإبداعه في شكل آخر، حتى لو كان الانتقال من شكل سردي إلى شكل سردي مختلف. فالروائي قد لا يحسن الكتابة للمسرح، وكذلك الكاتب المسرحي مع الشكل الروائي. وكلاهما قد لا يحسن كتابة الدراما التلفازية. فلكل من هذه الأشكال شروطه وتقنياته ومقتضياته .

وعلى الرغم من أنني لم أبادر بنفسي إلى الكتابة الدرامية للتلفاز حتى عرض ذلك علي، فإن العرض وافق هوى قديماً في نفسي ومنزعاً قوياً كنت أستشعره منذ نعومة أظفاري. فأقبلت على التجربة غير هياب، لا تنازعني الشكوك التي تلابس التجربة الأولى. فكان مسلسل الخنساء الذي أسس نجاحه الباهر على الرغم من ضعف الإمكانيات الإنتاجية والفنية في ذلك الحين، لحضوري في عالم الدراما، ولكن من باب الأدب. وألح على هذا الجانب الأدبي في تجربتي الخاصة.

من جهة تتنازع الدراما أصولها الأدبية المسرحية التي تنتمي لأشكال الثقافة العليا (High Culture) وتجلياتها الحديثة في بعض أشكال الثقافة الشعبية ( Popular Culture) كالسينما والتلفاز بصورة خاصة، إضافة إلى المسرح الشعبي من جهة أخرى . وقد مضى ردح من الزمان كانت المسافة فيه بين الأشكال الثقافية العليا والأشكال الثقافية الشعبية واسعة واضحة، ولكل منهما جمهوره، ثم بدأت المسافة تتقاصر منذ ستينيات القرن العشرين، حتى تداخل الحيزان قيمة وجمهوراً. فقد ارتقت الصناعة السينمائية مثلاً إلى مستويات رفيعة معقدة من الصنعة والقيمة الجمالية والفكرية، لا تتقنها إلا مواهب عالية متخصصة مدربة في أرقى المعاهد، وتتوجه إلى قاعدة واسعة من الجمهور، تجمع بين النخب المثقفة والقطاعات الشعبية على صعيد، وتنفتح مادة الأعمال الجادة ذات القيمة الفكرية منها على مستويات مختلفة من التذوق والتأويل النشط من جانب المتلقي، بينما تبقى المادة الحكائية الجذابة عنصراً جامعاً لفئات المشاهدين على اختلاف مستوياتهم الثقافية.

وهذا التحول في جملته وجه من الوجوه التي يتعرف بها عصر ما بعد الحداثة. وفي هذا السياق، لم يعد من النادر أن تنتقل النصوص بين الحيزين، فتتحول الأعمال السردية المطبوعة مثلاً إلى أعمال درامية سينمائية وتلفازية؛ بل صار شطر من الروائيين يؤلفون رواياتهم وفي ذهنهم احتمال تحولها إلى أعمال سينمائية، فيصوغونها بأساليب توافق المطلب وتغري به. وترى الآن أفلاماً قديمة تتحول إلى مسرحيات غنائية باهرة في الغرب، ومسرحيات تتحول إلى أفلام راقية. وهكذا تنتقل النصوص السردية بين أشكال مختلفة. فما الذي يجعل النص المقروء لرواية مثل "War Horse" مثلاً أعلى قيمة من المسرحية العظيمة التي بنيت عليها، وما الذي يجعل الكتاب والمسرحية معاً أرقى من الفيلم السينمائي الضخم الذي جسّد الرواية وهزّ الملايين من النظارة؟

ولكن الانطباعات القديمة الراسخة لا تذهب بسهولة عند كثير من الناس الذين يرون أن صفة الأدب والثقافة الرفيعة تلحق عادة بالنص المقروء أو المطبوع، لا سيما ذاك الذي تختص بقراءته النخبة دون غيرهم، فإذا اتسع رواجه ووزع بالملايين لما تنطوي عليه حبكته ومادته الحكائية من التشويق، ربما نزع عنه البعض صفة الأدب والثقافة الرفيعة، وإن كان مستحقاً لها شكلاً ومحتوى وفكراً ورسالة. لكأن عنصر التشويق رذيلة تهبط بالقيمة الأدبية والفكرية، بينما ترتفع بها الفذلكات الشكلانية المملة وإن كانت المادة الحكائية محدودة، والمحتوى الفكري هزيلاً .

بلى، دخلت إلى الكتابة الدرامية التلفازية من باب الأدب منذ اللحظة الأولى، ولم يخامرني الشك في إمكانية الدمج بين المستوى الأدبي والتقنيات البصرية التلفازية دون أن يقف ذلك عائقاً أمام الجمهور العريض، ما دامت المادة الحكائية جذابة. فمن قال إن من طبيعة الأدب وشرطه أن يستغلق على الفهم، إلا فهم النخبة؟ بل إن من شأن التقنيات التلفازية أن تقرب بعيده وتيسر التفاعل معه، وتصل به إلى حيث لا تصل المادة المطبوعة. ثم إن الفنون السردية بطبيعتها حتى المادة المطبوعة منها، يمكن أن تجذب مستويات متفاوتة من المتلقين، باعتبار مادتها الحكائية الشائقة، ثم يتفاوتون في مستويات التذوق والتأويل والتحليل، من القارئ العادي إلى الناقد المتعمق, إلى الباحث المتخصص، وذلك بخلاف ما آل إليه الكثير من الشعر الحديث من الاستغلاق والتعمية والعبث الشكلاني، ويلحق به ما حاكاه من النصوص السردية التي يطغى فيها التجريب الشكلاني على المحتوى والخط الحكائي .

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.