المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

الخطاب الديني والخطاب الأدبي: الود المفقود!

تم النشر: تم التحديث:

وإذا كان هذا شأن مجتمع العلوم الطبيعية في الغرب، فإنه ألصق عندنا بمجتمع الشعراء والأدباء كما اختبرته. ولما كنت أنتمي إليه فقد كان علي أن أقاوم أحكامه المسبقة وضغوطه المعنوية - المضمرة والمعلنة - في رحلة الإيمان والتدين، وأن أجازف بامتيازات الانتظام في قوالبه للتغريد خارج السرب!

وليس من النادر أن تجد من هؤلاء من يؤمن بالله، ولكن النادر أن تجد فيهم متدينين يلتزمون شعائر الدين، أو يستظهرونه في خطابهم؛ بل يحرص أكثرهم على التجرد من شبهة التدين خشية أن يوصم أحدهم بالتخلف والتقليد والفكر الرجعي الظلامي ونحو ذلك مما يتعارض مع الصورة النمطية للمبدع المحلق في فضاء الحداثة والحرية، المفارق للسائد والمألوف بوعيه وحساسيته وسلوكه ولغته، حتى بمظهره أحياناً. ولقد ترى بعض ضعاف الموهبة يتقمصون هذه الصورة الذهنية ليعلنوا انتماءهم إلى نادي الإبداع الأدبي والفني، ثم لا يبلغون من الإبداع إلا تلك الصورة. وهي وإن أريد بها أن تعبر عن مفارقة القوالب العامة، فقد غدت في ذاتها قالباً نمطياً جاهزاً ينحشر فيه من ظنّ بنفسه إبداعاً.

ولنا بعد ذلك أن نتساءل: ذاك هو الشكل، فأين المحتوى؟ أو: ذاك هو الإناء فأين الطعام؟! والحق أن القالب النمطي، مهما يكن مصدره وغايته ومادته البشرية، هو نقيض "الفردية" التي يدعيها المنتسبون إلى نادي الإبداع، مع كل ما يقترن بمفهوم "الفردية" من معاني التحرر والتميز والخصوصية!

وفي ظني أن المبدع الذي يختار التحرر من ذلك القالب النمطي الجاهز للمبدعين، يتمتع بقدر أكبر من الشجاعة والفردية وروح التحرر، وإن بدا أكثر انسجاماً مع مجتمعه العام.

ذلك أن هذا الخيار قد يكلفه الاغتراب والعزلة عن نادي المبدعين، ويعرضه إلى قدر من التجاهل والاضطهاد والتهميش - وربما السخرية كذلك - من أقرانه في ذلك النادي، ولا يعتدل ميزانه إلا أن يفرض نفسه على المشهد الإبداعي بأعماله المتميزة التي يتنامى الوعي بقيمتها مع الزمن.. هل السبب في نفور المجتمع الأدبي الفني الإبداعي من صورة التدين أن الوعي الإبداعي يبلغ من العمق والرقي ما يتجاوز أوهام "العامة" الغيبية والدينية وما يصحبها من شعائر وطقوس؟! ذلك في رأيي ادعاء نخبوي، وضرب من الغرور والاستعلاء،

لا نجد نظيراً له عند المفكرين والباحثين وأصحاب المشاريع الفكرية الجادة، وهم أكثر علماً ومعرفة منهجية منظمة من جل المنتسبين، حقاً أو زوراً، لمجتمع الإبداع الأدبي والفني.

واقع الحال - كما أراه - أن المزاج العام المغترب عن الدين في الوسط الأدبي ليس ثمرة لانتصار الوعي الإبداعي على "الخرافة"، بقدر ما هو استجابة لسلطة التقاليد السائدة في الوسط الأدبي والصور الذهنية النمطية التي اختلقتها الطائفة الأدبية عن نفسها لتنماز بها عن سائر الناس وتشكل بها هويتها الجمعية الفرعية. وبذلك يكون الموقف من الدين جزءاً من الخطاب الذي تنتجه الجماعة عن نفسها، وتمارس من خلاله سلطتها وإكراهها.

ومن جديد فإن المجتمع الأدبي الفني الإبداعي أكثر تسامحاً مع الإيمان المجرد منه مع شعائر التدين التي لا تنسجم صورتها الذهنية النمطية التقليدية الموصومة بالرجعية مع صورة المبدع المفارقة للعام والمألوف والتقليدي؛ بل أذهب إلى القول إن الخيال الإبداعي العام في هذا المجتمع أكثر تسامحاً مع لغة الإيمان المسيحي منه مع لغة الإيمان الإسلامي، ولا علاقة لهذا بالاعتقاد نفسه أو بالحقيقة الدينية، ولكنه يتعلق من جديد بالصورة الذهنية وروافد الخيال الأدبي. فرموز الإيمان المسيحي تحيل إلى الغرب الجذاب أكثر مما تحيل إلى أصولها الشرقية،

والغرب يحيل بدوره إلى التقدم والحداثة في مقابل التخلف والرجعية، كما أن توظيف الرموز المسيحية من جانب المبدع المسلم لا يلتبس بشبهة التدين، بقدر ما يستدعي معنى الانفتاح وعدم التعصب، وإلى جانب ذلك فهو يحيل إلى الآداب الغربية العالمية التي أسست لتوظيف تلك الرموز، قبل أن يستعيرها الشعر العربي الحديث منذ خمسينات القرن الماضي. ولذا تجد منها في ذلك الشعر أكثر مما تجد من الرموز الإسلامية، وإذ اتجه الشعراء العرب المحدثون إلى توطين الظاهرة في التراث المحلي،

آثر الخيال الشعري العربي أن يعود إلى مصادر عربية وشرقية غير إسلامية من المجتمع الجاهلي إلى أساطير الهلال الخصيب القديمة. فإن استرفد التاريخ والتراث الإسلاميين، تجنب ما يحمل دلالات دينية في إطار التيار الديني الإسلامي العريض والتقليدي، Main - Stream Islam ، وأثر رموز التصوف والباطنية وما يوصف بالزندقة؛ ربما لاقترانها بمعاني التمرد والاحتجاج والخروج عن المؤسسة الدينية التقليدية أكثر من اقترانها بالمعاني الدينية الإسلامية.

ومع أن التصوف أكثر إغراقاً في الغيبيات وأشد انفصالاً عن الواقع المادي والاجتماعي والسياسيّ في مجمله، فإن الصورة الذهنية للتصوف تبقى في الخيال الإبداعي وخطاب المجتمع الأدبي أكثر جاذبية من الصورة الذهنية للتدين التقليدي الشعائري التي تحيل إلى الحركات الإسلامية والشيوخ التقليديين والفكر الرجعيّ في الوعي الأدبي والإبداعي.

ولذا لا بأس في أن يستعير الأدباء والشعراء لغة الصوفية؛ بل أن ينتسب من يشاء منهم إلى التجربة الروحية الصوفية التي يمكن أن تأخذ طابعاً فلسفياً شمولياً كونياً متجاوزاً، يقطع حدود الأديان، ويبتدع لغة رمزية شعرية مفتوحة على التأويلات، يتعالى بها على لغة الشعائر والطقوس والعبادات والشرائع المخصوصة، فيصير أكثر انسجاماً مع لغة الشعر نفسه. ومن هنا كان احتفاء كثير من الشعراء والأدباء المنتسبين إلى الحداثة بشعريّة النصوص الصوفية.

خلاصة القول: إن الصورة الذهنية المشيدة لطائفة الشعراء والأدباء، التي تتقوم بالحداثة والتمرد على المؤسسة التقليدية ومفارقة العادي والمألوف، لا تترك حيزاً للتوافق مع الصورة الذهنية للتدين والمتدينين. فإذا تعرف أحدهم بالأولى، حرص على أن ينأى بنفسه عن شبهات الثانية، وإلا صارت عضويته في نادي الإبداع الأدبي محل نظر. وقد تعززت هذه الظاهرة في أجواء الستينيات والسبعينيات في القرن الماضي، مع هيمنة الخطاب اليساري في المشهد الأدبي والنقدي العربي متجاوراً في الحيز نفسه مع خطاب الحداثة المستعار من الغرب الرأسمالي كما تجاور بابلو نيرودا اليساري مع ت.س. إليوت الحداثي شعراً، الكاثوليكي اليميني فكراً.

ومما زاد في تعزيز الظاهرة أن المتدينين والإسلاميين من جهتهم لم يقدموا أنموذجاً إبداعياً واحداً يشار إليه بالبنان، حتى بدا كأن من شرط الإبداع مفارقة الدين والتدين! ولعل هذا يرجع إلى أن الوعي الديني الإسلامي المعاصر لم يميز بين طبيعة الخطاب الديني الفكري والدعوي المباشر، وطبيعة الخطاب الشعري الأدبي، وظن أن الثاني يجب أن يوظف للأول على نحو مباشر، وفاتَهم أن الخطابات الأدبية لها أدواتها ومفرداتها وأساليبها التي تتعرف وتنماز بها، وأن هذه الأدوات الفنية تتعارض بطبيعتها الجوهرية مع لغة الوعظ المباشر والترويج الأيديولوجي،

سواء أكان ترويجاً لعقيدة دينية أم إلحادية، وأن التجني على القيمة الفنية الجمالية ينطوي بالضرورة على إحباط رسالة النص نفسها، فالرسالة في الأدب لا تتحقق إلا في البناء الفني الإبداعي نفسه. وإذا كان السؤال المتقدم في النصوص الفكرية هو: "ماذا يريد النص أن يقول؟"، فإن السؤال في النص الأدبي هو عن كيفية القول، وهناك بالضبط تكمن الرسالة المتوارية.

هذا كله أسهم في خلق بيئة أدبية إبداعية حديثة تنفر من لغة التدين ومظاهره، وفي فرض صورة ذهنية نمطية للمبدع تتعارض مع صورة المتدين، فتمارس سلطتها وإكراهاتها المسبقة على المنتسبين إلى نادي الإبداع كي يتكيفوا في قالبها.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار قوة الدين الظاهرة والمستترة، فلكم تساءلت: كم من أعضاء ذلك النادي عانى من أزمة التعارض الداخلي بين إيمان ديني يطوي عليه جوانحه ولا يستطيع التجرد منه، وما زال يلح عليه أن يعلن به في خطابه وعمل جوارحه، وبين امتثاله للقالب المرسوم للمبدع الحداثي الذي لا يتوقع منه أن يبدأ كلامه بالبسملة، أو يرى داخلاً إلى المسجد وخارجاً منه! لا أملك الإجابة عن ذلك التساؤل. فالأدباء لا يفصحون ولا يبوحون في هذا الشأن.

ولعل البوح فيه يحتاج إلى قدر من الشجاعة أكثر من شجاعة البوح بأسرار التجارب التي تتحدى التقاليد والقيم العامة، في بعض السير الذاتية.

فالأولى قد تستجلب تهمة الرجعية، بينما تجد الثانية من يحتفل بها احتفاله بقيم التمرد والرفض والشجاعة الأدبية والحرية! ولكني أذكر أن إكراهات المجتمع الأدبي والثقافي قد أملت على بعض من أعرف أن يكتم إيمانه ومقتضيات إيمانه، ويحتال على كتمانه بطرق شتى، فإذا كان في مجلس ما، وأديرت كؤوس الخمر، امتنع عن الشرب، ثم إذا سئل في ذلك تعلل بأوجاع معدته كيلا يعرف عنه أنه لا يشربها تأثماً من حرمتها! وأعرف كذلك من ينفر من لغة الدين، وبالقدر نفسه تستفزه لغة الإلحاد الفجة الفاقعة.

فهذه باحثة فذة وشاعرة حديثة من الرعيل الأول، قدمت خدمات جلية للأدب العربي، بخاصة في مجال ترجمته إلى الإنكليزية، وبقيت تتمتع بذهن حادّ ونشاط لافت. وكنت في لقاء معها في بيت أخيها الفخم، وتسجيلات تلاوة القرآن الكريم مسموعة في البيت دون انقطاع، ثم وجدتها تنفخ متبرمة أن صاحبة البيت لا تتوقف عن تشغيل المسجل بالتلاوة وترفع الصوت حتى يتردد في أرجاء البيت، وأن هذا يستدعي صورة المآتم ومجالس العزاء القائمة.

ثم انخرطنا في حديث الأدب والشعر والبحث، وساقنا الكلام إلى ذكر أحد الشعراء المعروفين المثيرين للجدل وحظوظه من الفوز بجائزة نوبل، فأبدت نفورها الشديد من مواقفه وأفكاره المعادية للإسلام على نحو مستفز، ثم دار الكلام بيننا حول مشروع بحث تخطط له عن "الفردية والجمعية" في الفكر الإسلامي، وأدليت ببعض الأفكار حول الموضوع، وكان من الطبيعي أن أحيل إلى النصوص القرآنية. فاستشهدت ببعض الآيات ذات العلاقة، فبدا أنها فوجئت بتلك الشواهد كأنها لم تعرض لها من قبل، ولحظت دمعة صامتة تنزلق من عينيها!

ثمة أمثلة أخرى عرضت لي من هذا القبيل لا يتسع المجال لذكرها، ولكنها من جديد تغري بالتساؤل عما يدور ويتلاطم في تلك المنطقة الخفية المجهولة من وعي الإنسان ووجدانه وخلجات نفسه، من حديث الإيمان والدين، والقلق الذي تورثه تلك المساحة بين المعلن والمضمر أو بين إملاءات الإيمان الملحة عند البعض، وإكراهات القالب النمطي المسبق الذي تختلقه جماعة فرعية معينة لنفسها، ثم تفرض على أعضائها تقمصه.

هذا مجال للبوح لم يطرق كثيراً! وعلى أي حال، إذا كان معنى "النفاق" ينزل على من يظهر غير ما يبطن تحت وطأة المزاج العام الذي يحيط به، فإن للنفاق وجهين متعارضين ظاهراً، متماثلين جوهراً. فلا فرق عندي بين من ينافق الخطاب الديني بغير ما يبطن رغباً أو رهباً، ومن ينافق الخطاب اللاديني بغير ما يبطن أيضاً، رغباً أو رهباً.

والإكراه المعلن أو المضمر في الدين أو ضد الدين، قبيح مرذول بمعيار الدين نفسه ومعيار القيم الإنسانية سواء.

وفضلاً عن الاعتبارات السابقة، فإن المزاج الفكري العام المتنافر مع صورة التدين في الوسط الأدبي والشعري، يتغذى كذلك في رأيي من عنصر الغرور والاستعلاء النخبوي المضمر، وإن لم يبده صاحبه، فحتى لو انطوى القلب على شيء من الإيمان فهل يسع هذا المبدع الشهير الفائق الذي ملأ الأسماع وشغل الدنيا، ولا يقبل من طلبات الظهور في وسائط الإعلام والمناسبات الأدبية والمهرجانات إلا أقلها،

وإذا ظهر فجأة في مكان ما احتشد الخلق ينبه بعضهم بعضاً: أهو هو؟ وكثر الهمس والإشارات، وجهد البعض في الوصول إليه والتسليم عليه وإبداء الإعجاب، ثم عاد المحظوظ بالرؤية إلى قومه يقص عليهم الخبر.. هل يسع مثل هذا أن يرى داخلاً المسجد لصلاة الجمعة على الأقل، فيخلع حذاءه كما تخلعه العامة والبسطاء والسذج والتقليديون! ثم يلتمس لنفسه مكاناً بين المصلين، فيقوم ويركع ويسجد كما يفعلون، ثم يجلس بين هذا وذاك ليستمع إلى خطيب المسجد الذي يغلب أن يكون ساذجاً ضعيف الرأي والحجة والبيان؛ وحتى لو كان خيراً من ذلك فإن طبيعة الموعظة وغاياتها والمستمعين إليها،

تقضي بأن تخاطب أفهام الجميع على اختلاف شرائحهم الاجتماعية ومؤهلاتهم الثقافية، ثم إذا فرغ الخطيب ونزل عن المنبر وأقيمت الصلاة قام صاحبنا كغيره، وربما كان وقوفه بين رجلين من أصحاب اللحى الطويلة والجلباب القصير، الذين يحرصون على سدّ الفرج بأن يلامسوا بأقدامهم جوانب أقدام من يليهم في صف الصلاة من الجانبين! لا، لا يسع من بلغ في الأدب والشعر والفن هذا المبلغ من النجومية أو من ظن نفسه أهلاً لها، أن ينتظم في هذا المشهد الجامع، وإن كان فيه إلى جانب العامل وبائع الخضار وصاحب البقالة علماء وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات لامعون يملكون من المعارف والعلوم ما لا، يملكه أولئك النجوم ودرس بعضهم في أفضل الجامعات الأجنبية وربمّا علّم فيها ردحاً من الدهر، ثم لم يستكبر أن ينتظم فيما ينتظم فيه العامل وبائع الخضار وصاحب البقالة من الصلاة الجامعة، تلبية لدواعي إيمانه ومقتضيات تدينه.

أما من لا يسعه ما يسع هؤلاء، فلربما وجد في ذلك دافعاً إضافياً لترجيح إنكاره للدين على الجملة، أو إعادة تعريفه على صورة ذاته، فيكون بذلك أكثر انسجاماً مع نفسه. ولست أعني بهذا أن تلك المواقف من الدين في الجماعة الأدبية تتشكل دائماً بتأثير الاعتبارات المذكورة آنفاً. فلا ريب أن هناك من اختار نبذ الدين والتدين عن اقتناع ذاتي عقدي بمنأى عن ضغوط الجماعة وإكراهات خطابها، كحال أمثاله في المجتمع العريض. ولكننا لا نستطيع إنكار هذا المزاج اللاديني الشائع في الوسط الأدبي وما يتصل به من ظاهرة الإقصاء والازدراء لكل ما هو ديني، وللآخر المتدين.

وإن ذلك لتبدي به النصوص الأدبية نفسها. انظر مثلاً في الأعمال السردية، فإما أن تجد الشخصية المتدينة مغيبة تماماً وكأنها ليست من حقائق الواقع ونسيج الحياة الاجتماعية، وإما أن يستحضرها العمل في صورة نمطية قبيحة تحيل إلى التطرف والجهل والانغلاق والرجعية، وربما أضيفت لها سمات هزلية تثير السخرية. وهذا لا شك ضرب من الإقصاء الأيديولوجي والقمع المعنوي الذي يكشف عن الازدواجية الطاغية بين خطاب الحريات المعلن والمواقف العملية في الواقع.

لماذا تحضر مبادئ حرية الرأي والتعبير والشجاعة الأدبية، في الدفاع عن أعمال تطعن في المقدس الديني، وتغيب مواقف الأدباء - إلا قلة منهم - من الحكام المستبدين في أوطانهم؟! فمن لا يطبّل للحاكم المستبد يصمت عن استبداده. فمن زاد على ذلك اكتفى بالتعميم والتجريد عن التخصيص. وثمة من يحكم الخطاب الأيديولوجي ليميز بين مستبد تقدمي وآخر رجعي، فينحاز للأول ويرفض الثاني.

بل إن منهم من يفضل مستبداً علمانياً مهما يبلغ بطشه وقوته على نظام ديمقراطي يمكن أن يفسح لتيار سياسي إسلامي ، وإن انتظم في قواعد اللعبة الديمقراطية واحتكم إلى صناديق الاقتراع والإرادة الشعبية الحرة.

فما الذي يبقى من مبادئ الحريات والديمقراطية في ظل عقلية الإقصاء المغلقة التي يستوي فيها الأضداد: من يوصف بالتقدمية أو الليبرالية، ومن يوصف بالأصولية والرجعية؟ الإقصاء هو الإقصاء، والاستبداد هو الاستبداد مهما يكن خطابه السياسي والعقدي. والمستبدون ملة واحدة وإن اختصموا. وما الفرق بين أصولي متطرف يرفض الديمقراطية باعتبارها بدعة غربية تخالف مبادئ الدين، وتقدمي يرفضها بوصفها بدعة رأسمالية تتعارض مع مبادئ الاشتراكية العلمية وديمقراطيتها الاجتماعية، وليبرالي يشترط لها إقصاء أطراف معينة قبل الشروع في تطبيقها؟

في ملتي واعتقادي أنه لا ينبغي للخطاب الديني أن يكون شفيعاً لمستبد يدعي التزام الدين عند المؤمنين المتدينين، كما لا ينبغي للخطاب الثوري والتقدمي والعلماني أن يكون شفيعاً لمستبد آخر عند مؤيدي ذلك الخطاب. فالمستبد لا يتعرف إلا باستبداده، وليس وراء ذلك شيء من العقائد. أما لسان الحال: "مستبد عن مستبد يفرق"، فهو إجازة مطلقة للاستبداد. فلكل مستبد دعاته وجماعته وزبانيته و"بلطجيته"، فلا نامت أعين المستبدين!

مجمل القول: إن شعارات حرية الرأي والتعبير والشجاعة الأدبية التي تحشد للدفاع عن عمل يستفز المشاعر الدينية، لا يصدقها الموقف من المستبدين المتألهين الذين يملكون مفاتيح البذل والمنع، والتقريب والتغريب، والترغيب والترهيب، والرضا والبطش، والرفع والحط. فهنا الاختبار الحقيقي للشجاعة الفكرية والأدبية: كلمة حق عند سلطان جائر! ومن المفارقات أن السلطان الجائر نفسه الذي يتقي أولئك النفر من الكتاب عذابه،

أو يرجون ثوابه، قد يبدو أكثر مراعاة للحساسيات الدينية الشعبية، فيمنع عملاً أدبياً أو فنياً يطعن في المقدسات أو حتى عملاً يعظم رسالة الإسلام، ولكن في إطار فني مثير للجدل بين مؤيد ومعارض، مثل ظهور الصحابة في الدراما السينمائية والتلفازية. وما مثل فيلم "الرسالة" ومسلسل "عمر بن الخطاب" عن هذا السياق ببعيد!

ومن الطريف ما يتعذر به بعض الكتاب الذين نشروا أعمالاً تتضمن ما يطعن في المقدس بأسلوب مباشر فج مستفز، أثار حملة من الاحتجاج والغضب. فيقول أحدهم: ما أوردت هذا عن نفسي ولساني، إنما أجريته على لسان إحدى شخصيات الرواية، وليس ناقل الكفر بكافر! ولكم ما شئتم أن ترفضوا هذا
"الأنموذج في واقع الحياة وتلعنوه، أما أنا فأصور الواقع الاجتماعي بأنماطه المختلفة. وكان تعليقي: لا بأس. ولكن،

هل كنت تجرؤ على أن تنطق شخصية روائية بسب القائد التاريخي الملهم في وطنك باسمه وبأقذع الألفاظ، حتى لو جعلت الكلام على لسان شخصية موصومة بالحقارة والنذالة والخيانة! وهل كان القائد التاريخي الملهم يقبل اعتذارك بمثل ما تعتذر به عن الطعن في المقدس؟ أم أن المستبد المتأله هو المقدس حصراً؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.