المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

في حيفا.. مع محمود درويش وسميح القاسم "2"

تم النشر: تم التحديث:

حين عدت إلى عمّان ومعي جملة الأوراق التي دوّنت عليها وقائع اللقاء وما دار فيه من حوار، مع صور جديدة لمحمود درويش وسميح القاسم، بادرت فوراً إلى الكتابة إلى غسّان كنفاني أُعلمه بالأمر، وأنني سأرسل إليه المادة بعد إعادة نسخها بخط واضح وترتيب مناسب، ولم أكن على معرفة شخصية مباشرة بالرجل، ولكنه ردّ عليَّ بحماس يستعجلني.

ولكنني لم أتعجل؛ بل إنني قررت فجأة ألا أمضي في الأمر، وأن أحجب المادة عن النشر، ذلك أنني حين أعدت تقدير الموقف أدركت أن المادة ستُحدث صدمة لكثير من القراء في مناخ الحساسيات السياسية السائدة في ذلك الوقت، والأرجح أن ينقلب الموقف عليَّ، فأتَّهم بالتحريف والتزييف وتقويل محمود -بصورة خاصة- ما لا يمكن أن يقوله، مستغلاً صعوبة التثبت من صحة الكلام، ومن طبع الناس أن يواجهوا ما لا يحبون بالإنكار ما استطاعوا، وأن يدافعوا عن الصورة الرمزية المرتسمة في أذهانهم دفاعهم عن عالمهم، فآثرت السلامة، وقدّرت أن الحقائق سوف تُعرَف من طريق آخر.

بعد زهاء سنة من ذلك اللقاء، وقعت الصدمة المؤجلة، حين شارك محمود وسميح في الوفد الشيوعي الإسرائيلي إلى مؤتمر الشباب في صوفيا تحت العلم الإسرائيلي، فقامت الدنيا ولم تقعد، واحتدم الجدال في الوسط الثقافي والسياسي بين منكر ومدافع، ونشط الإعلام اليساري العربي في الدفاع والتسويغ والتأويل، حتى هدأت العاصفة بالتدريج، واستطاع الشعر الذي ازداد تألقاً وتأثيراً مع الزمن أن يقدم بين أيدي الشعراء شهادة مغايرة للموقف السياسي الحزبي الذي تراجع إلى الهوامش الغائمة.

ثم ما لبث محمود درويش أن غادر الدولة العبرية إلى الوطن العربي، وكأنه آثر وضوح الغربة في المنفى على التباسات الغربة داخل الوطن؛ حيث تملي عليه الظروف الخاصة أن يعيش في حيز يملأه نقيضان في الوقت نفسه: وطنه الذي ينتمي إليه ودولة الغزاة التي لا ينتمي إليها. فإذا مشى في وطنه لم يكن له مفر من أن يعبر من أبواب الدولة وردهاتها وشروطها ومعاييرها وقوانينها، فإذا احتضن شاهداً من شواهد الوطن الذي يعرفه، وجد عنده شاهداً من شواهد الدولة التي ينكرها وتنكره، فيخشى أن يكون قبول ما يكره ثمناً مفروضاً لما يحب.

ولعله فقد وجد بعد ذلك أن المعادلة نفسها تلاحقه في الواقع الجديد، فاختار أن تكون إقامته الحقيقية في الشعر نفسه، فهناك فقط ليس لأحد سلطة عليه ولا شروط إلا شروط مخيلته وسلطان لغته، وهناك سيكتب نفسه لا الآخرين، وإن كانت نفسه ممتلئة بهم، ولكن على وفق خياراته وشروطه لا على وفق شروطهم وخياراتهم، ولسوف يتوجه بحبه لهم، لا بإملاءات حبهم القاسي له. ولسوف يجعل من العسير عليهم أن يجدوه في موقع سياسي واضح وقاطع في سياق الجدل المواكب لتطورات المواقف السياسية لمنظمة التحرير التي صار عضواً في لجنتها التنفيذية،

وانتهت في أوسلو إلى أبعد مما أخذ عليه حين كان عضواً في حزب "راكاح" الإسرائيلي وظهر في الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر الشباب في صوفيا بلغراد تحت العلم الإسرائيلي! فله في الشعر متسع يعفيه من إعلان المواقف بلغة مباشرة لا ترضي طرفاً إلا باستفزاز طرف آخر، وهو لا يريد أن يعرف بغير شعره. ولغة الشعر الحقيقي بطبيعتها تأبى أن تعتقل في العارض الظرفي، أو أن تنغلق على محمول دلالي محدد، وهذا ما يجعلها مفتوحة على مستويات مختلفة متجددة واسعة من القراءة، بل حتى ادعاء القراءة ممن لا يحسن القراءة!

فإذا سئل عن "أوسلو" اعتصم بلغة الشعر التي تسع الأضداد، وتحيل العارض إلى سؤال وجودي:
"إنني الآن أخشى على الماضي، لا على المستقبل!"، ثم له أن ينام ملء جفنيه عن شواردها؛ ليسهر الخلق جراها ويختصموا!
هل معنى ذلك أنه مع "أوسلو"، أم هو ضدها؟! أم أنه ليس معها ولا هو ضدها؟ أهو مضطر إلى قبولها بالاعتبار السياسي الواقعي الظرفي القاهر، دون أن يصادق عليها وجدانه وذاكرته وحلمه باعتبار الحق الذي لا ينبغي أن تتغير روايته، ولا أن يعاد تعريفه وفقاً لما يمكن أن يتحقق منه؟

هل المعنى أن الدولة على جزء صغير من فلسطين التاريخية هي الممكن واقعياً، ولكن حدود الوطن الفلسطيني ليست حدود الدولة الفلسطينية؟ ومع ذلك تبقى الخشية أن يكون ثمن الدولة مصادرة الذاكرة وتغييب رواية الماضي، التي هي رواية الوطن والحق التاريخي، فإذا تغيرت الرواية تغير تعريف الوطن. والأشياء باقية ما بقيت معانيها وتعريفاتها في الوعي والوجدان!

وللشاعر الفذ عادات في توريط مَن يختزلون شعره بقراءات ضيقة مجتزأة هيأت لها مسبقاً تحيزاتهم الفكرية.

قبل أن ينتقل محمود درويش من حيفا للعيش في الوطن العربي، كان مدخل أستاذنا عبد الرحمن ياغي إلى نص درويش هو انزراعه في تراب الوطن، مقارنة مع شعراء المنفى، وما يفتأ يستدعي من قصيدته: "يوميات جرح فلسطيني"، قوله:
لا تقولي ليتنا نركض كالنهر إليها.. لا تقولي
نحن في لحم بلادي وهي فينا

وقوله:
أيها الجرح المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافرْ
إنني العاشق والأرض حبيبة!

فلما حمل درويش حقيبته وغادر أرض الوطن الفلسطيني، وثار جدال آخر في الأوساط الأدبية والثقافية حول تلك المفارقة، لم يجد ياغي حرجاً أن يدافع ويسوغ بنفس القوة والثقة والحدة، قائلاً لنا في قاعة الدرس:
"الوطن ليس مجرد جغرافيا كما يفهم بعض السذج، الوطن قضية أولاً. ومكان القضية الوعي والوجدان، فأينما ذهب ابن القضية حمل معه الوطن بين جوانحه!"، وليست المشكلة في مدى صحة هذا المعنى مجرداً، ولكن في دلالات توجيه الكلام ومقاصده، وإنه ليقول بهذا عن القائل أكثر مما يقول عن موضوعه، ومستقبل الكلام أذكى من أن تفوته مقاصده التي تتعدى معناه المجرد.

وعلى أي حال، فقد كانت شعرية محمود في غنى عن مثل هذا التسويغ، ولسوف يتابع مشروعه الشعري ويرتاد به آفاقاً جديدة بعيدة، يسقط فيها الفارق بين الذاتي والإنساني، وبين الحبيبة والوطن، ولسوف يكون فيه متسع لك ولخصمك، وسوف تتباعد المسافات بين أوله وآخره، حتى يكون بين "سجل أنا عربي" و"الجدارية" بُعد المشرقين وبُعد المغربين.

ومع ذلك سيبقى القارئ العادي يحيل آخره الصعب على أوله السهل فيحمله القديم الذي استوطن وجدانه إلى الجديد الذي يتحدى ثقافته الشعرية وقدرته على القراءة، فلا يخلي المكان للنخبة فقط.

ولو أن درويش وقف عند قديمه لخسر القيمة المتجددة وتلاشى حضوره المتألق مع الزمن، ولو أنه بدأ من حيث انتهى لحضرت القيمة ولم يحضر من القراء غير النخبة الضيقة، ولكن درويش نجح فيما أخفق فيه الكثيرون في أزمنة الشعر الأخيرة: حضور القيمة الفنية الفائقة وحضور الجمهور العريض، بينما أوغل شعراء آخرون في طلب الجديد على مطية واهنة من الموهبة، حتى انبتوا عن القارئ في متاهات الشكل الأعمى، وإن المنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى.. لا شعر ولا قارئ، وإذا رأوا المسرح فارغاً لم يجدوا ما يتعللون به إلا فك الارتباط بين الشعر والجمهور، فيقول بعضهم:
- "أنا لا أكتب للجمهور.. الجمهور كذبة كبرى!".

ويقول آخر:
شعري لا يأتي من الحاضر، ولكن من المستقبل، وفي المستقبل يقيم قارئي المؤجل الذي سيكون مؤهلاً لقراءته.
ويكتفي آخرون بنعي جمهور الشعر، ويعلنون موت "القارئ" بدلاً من موت الشعر والشاعر!
ولي كلام آخر في المصير البائس للشعر وقد بلغ نهاية تاريخه، ولكنه مُرجأ إلى موضع آخر.

يبقى أن أقول في موضوع درويش إن لقاءنا في حيفا عام 1968 كان لقاءنا اليتيم، فلم أحرص على لقائه مرة أخرى حتى حين أقام في عمّان في سنواته الأخيرة، ففضلاً عن العزلة النسبية التي اخترتها لنفسي منذ وقت مبكر، فقد شعرت بأن بيننا عالماً من الاختلاف والتعارض في المشرب والمزاج الفكري والنفسي على المستوى الشخصي، ولما كان كلانا ممن لا يجامل بأفكاره وآرائه وشديد الغيرة على معتقداته، فقد رأيت أن اختلاف ما بيننا يمكن أن يفسد للود قضية، فآثرت أن يكون اللقاء في النص مستقلاً عن صاحبه، وذلك على كل حال ما يطلب المبدع.

يكفيه من الأصدقاء عدد قليل، ولا يكتفي من قرائه أبداً، فهو حاضر ما حضر نصه، ومع كل قراءة جديدة يولد النص من جديد باعثاً معه مبدعه، وهاكم القاعدة الذهبية: لا تقرأ النص في ضوء منشئه كي لا تبخس قيمته بعين السخط، أو أن تبالغ فيه بعين الرضا، ولكن، اقرأ النص في النص، وإن كان لا بد فاقرأ المبدع كما يتمثل لك في نصّه، فإن النص يشف عن حقيقة مبدعه، كما يحدث في أرض الأحلام.

لا يعنيني من درويش كلامه لي في حيفا في ذلك اليوم من عام 1968، فهو عندي آراء عابرة في كلام عابر، ولكن تعنيني منه تلك النفثة الشعرية المحرورة التي لونت وعود أحلامي، بقدر ما أقّضت مضاجع الغزاة حين وصفتهم بالعابرين في كلام عابر، والمارين بين الكلمات العابرة، وطالبتهم بأن يخرجوا من لحمنا وقمحنا وخبزنا، وينصرفوا.

تلك القصيدة عن الغزاة المارين بين الكلمات العابرة، ليست كلاماً عابراً، وإن آثر درويش ألا يثبتها في ديوانه الذي تلاها، لسبب ما يترك مجالاً للتساؤل والتخمين، أما القول بأنها كانت نفثة غاضبة تغلبت فيها حرارة الموقف على القيمة الفنية، ولذلك لم يثبتها الشاعر في ديوانه التالي، فهو في مذهبي وذائقتي وثقافتي الشعرية حكم جائر، حتى لو كان قائله الشاعر نفسه؛ بل أحرى بتلك القصيدة أن تتصدر مشروع درويش الشعري، فتكون بوابة العبور إلى عالمه، فهي قبس من أوله السهل ومن آخره الممتنع، لا يضل فيه القارئ العادي،

ولا يغترب فيه القارئ الناقد، ويحضر فيه الحلم الفلسطيني متحرراً من وطأة قارئ عالمي بعيد يشترط تكييف الرواية الفلسطينية واختزال الحلم؛ كي يمنح سمعه وبصره وفؤاده.. وجوائزه الأدبية العظمى!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.