المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل حريز Headshot

المرأة العربية وثقافة جمع النقاط

تم النشر: تم التحديث:

ألقِ نظرةً -إن شئت- على أسماء الأوائل في الجامعات، طلبة الدراسات العليا، طلبة الثانوية العامَّة، الأعداد الهائلة من الخريجات الجامعيَّات، لن تفاجأ بأنك تستفتح بأسماء الإناث وتطالع أمامك أرقاماً لمعدلاتهن كتلك الأرقام -التي ارتبط ذكرها بالديكتاتوريات العربية- 95% فما فوق. ولا تستطيع وأنت تقرأ تلك الأرقام إلا أن تسأل نفسك أين تذهب كل هؤلاء الإناث المتميزات اللواتي يمتلكن عقولاً هي الأفضل حسب مقاييس الدرجات العلمية المتاحة في مدارسنا وجامعاتنا اليوم؟ أين أثَر كل هذه العقول والكفاءات في الواقع، الأكاديمي، والعلمي، والسياسي، والقيادي؟!

في محاولة فهم فلسفة المجتمع العربي تجاه المرأة وفلسفة المرأة تجاه نفسها؛ فإننا نكاد نجزم أن حياة الإناث في مجتمعاتنا العربية معتمدةٌ أساساً على ما يمكن أن نسميه (جمع النقاط)، فانطلاق الأنثى ونجاحها مرهون -عندنا- بزواجها وليس بإنجازها، وكل ما تفعله المرأة وتُربَّى عليه منذ ولادتها "جمع النقاط" التي تعينها على تحصيل عريس (لُقطة).

ونوعية هذا العريس تعتمد على ميزات تجمعها المرأة منذ ولادتها ابتداءً: باسمها الجميل، واهتمامها الخارق بشكلها، بشرتها، شعرها، لبسها، وزنها... إلخ. وصولاً إلى طبيعة حاجة المجتمع الذي تعيش فيه واهتماماته، فالمجتمع الزراعي يهتم بإتقان المرأة لمهارات الطبخ ورعاية الزوج في المنزل، والمجتمع الأكثر حداثةً يهتم بشهادتها وتفوقها الأكاديمي وبطبيعة عملها وراتبها، والمجتمع الأكثر غنى يهتم بلون عينيها وطولها، وهكذا تبدأ الأنثى منذ طفولتها بتشرُّبِ هذه الحاجات التي ترتبط بمجتمعها؛ لتبدأ بجمع أكبر عدد من النقاط التي تؤهلها للحصول على زوجٍ أفضل!

للأسف، تجني النساء على أنفسهن وعلى مجتمعهن بهذه الثقافة التي جعلت من الزواج قضية القضايا وتمحورت حولها جلُّ اهتمامات النساء، فالزواج هو غاية أمل الفتاة منذ بداية ارتيادها لعتبات صالات الأفراح واختزانها لكل الألوان والأشكال والموضات التي ستضيف عليها يوم زفافها لتكون شيئاً مختلفاً! ولا قيمة لكل ما تعلمته ولا ما أنجزته على صعيدها الشخصي من شهادات ودورات و(علم) كان يمكن أن تصل فيه إلى أقصى درجات الإنجاز لو جعلته محور اهتمامها وحياتها، ولكن الواقع الذي نعيشه يبيِّن لنا أن كل تلك الأرقام العالية والشهادات الأكاديمية الراقية والعقول الذكية تتجمد مع أول قدم تضعها الأنثى على باب بيت زوجها، ويصير علمها وشهادتها وتفوقها ميدان زينة وتفاخر لها ولزوجها وأسرة زوجها أمام تعطيل كامل لتلك القدرات التي كان يمكن أن تُحدث فرقاً.

إن كان كلُّ همِّ المجتمع تجاه الأنثى أن يجعلَ منها "زوجة" فلماذا كل هذه العناء وكل هذه المليارات التي تصرف في عالمنا العربي على تعليم النساء؟ ولماذا نتعب أنفسنا في بناء مدارس ومعاهد وجامعات لتعليم النساء؟ ولماذا نقحمهن كلَّ يوم في ميادين عملٍ جديدةٍ كالهندسة والعمارة والطب وغيرها؟ لماذا لا نكتفي بتعليمهن القراءة والكتابة والمهارات التي تؤهلها لتكون زوجة صالحة وأمَّا مربية فقط؟!

حين يشاء الله لك أن تجلس بالقرب من مجلسٍ نسائي وترخي سمعك لما يتحدثن به، المتعلمات منهن والجاهلات، الحاصلات على أعلى علامات الجامعات والأمِّيات، تصاب بالأسى لمقدار الضحالة والسخف والسطحية والسذاجة التي تقضي به النساء حياتهن، فحواراتهن لا تتجاوز أحداث غرف النوم وصالونات تصفيف الشعر والخوض في الغيبة والنميمة! أعمار تُقضى في هذا الكم الهائل من الخوض فيما لا ينفع، فقد انتهت الحاجة إلى الشهادة والدرجة العلمية لتبدأ عملية "جمع النقاط" في ميدان الفخر والكبر والرياء بالمال والأولاد والممتلكات و"الحفاظ" على امتلاك ظلِّ رجل.

المرأة العربية على الرغم من واقع الظلم والاضطهاد والقهر الذي تعيشه في الكثير من المجتمعات العربية، (وعلى الرغم من أن الرجل ليس أفضل حالاً لا علماً ولاعملاً ولاثقافةً)، فإن المرأة هنا -وهي موطن الحديث- تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تضييع طاقات نصف المجتمع وهدر وقتها وعلمها وحيويتها في تحصيل حاصل كالزواج ومتعلقاته، فهي قادرةٌ على الجمع بين تحقيق ذاتها العلمية الإبداعية في مجال تخصصها أو عملها وبين حياتها الاجتماعية، ولا يمكن لأحد في هذا العالم أن ينكر قدرات المرأة الخارقة -برأيي- على الإنجاز والإبداع والتفوق، إن هي أرادت هذا، وإن هي تركت ثقافة (القطيع) واتخذت لنفسها مساراً ثابتاً في طلب العلم بحق وإتقانه ثم نشره. وفي تاريخنا العربي الإسلامي مئات النماذج الحيَّة لهذا النوع من النساء اللواتي اتخذن طريقاً قويماً من أجل رفعتهن في الدنيا والآخرة كما يشاءهن الله، لا كما تشاءهن ثقافة المجتمع.

الزواج ومتعلقاته من المال والأولاد -في ديننا- رزق وهو يأتيك لا تأتيه، وفي هذا المعنى قول ابن عطاء السكندري: "انشغالك فيما ضُمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة لديك". فانشغال المرأة في البحث عن نقاطٍ لتحسين شروط حياتها هو انشغال عن وظيفتها الأهم في إعمار هذا الكون والاهتمام بعظائم الأمور، ولذلك فإن واجب المرأة اليوم -كل امرأة- أن تعيد البحث في سؤال هويتها، هدف حياتها، حاجاتها، حاجات المجتمع والأمة منها؛ لتبدأ من جديد في مشوار حياتها حسب ما يجب أن يكون، وليس حسب ما يريده المجتمع وثقافته البالية، التي ترفع من مكانتها لمجرد زرقةٍ في عينيها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.