المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل حريز Headshot

أصنام الإسلاميِّين

تم النشر: تم التحديث:

شكَّل القرآن الكريم وعي المسلمين على مدار 14 قرناً حتى اليوم، ومنه انطلقت وعلى نصوصه تأسست كل الأفكار الكبرى التي تشكلت عبر تاريخ الأمة الإسلامية، والمتأمل لسياق القرآن لا يكاد يخطئ دعوته الصارمة إلى التوحيد الذي يقوم على جذب انتباه الإنسان إلى الإله الواحد الذي لا ينبغي لهذا الإنسان مهما كان مقامه إلا أن يؤمن به ويلتزم بأوامره، ومن البديهيات في الإسلام أن الإيمان بالله الواحد وتلقي أوامره ونواهيه والقيام بها كما أمر الله هي أهم خاصية من خصائص هذا الدين الذي جاء (ليعلن الناس استسلامهم وانقيادهم لأوامر الله -وحده- عقيدة وفكراً وسلوكاً)، هذا ما تعلمناه كمسلمين من كتاب ربنا، وهذا ما يعلمه الإسلاميُّون كلُّهم لأتباعهم، فما الذي جرى؟

ما الذي جرى ليصير اتِّباع أمر القادة هو الأصل وأمر الله «بعد»؟
وكيف استطاع المسلمون وهم أتباع عقيدة التوحيد الخالص أن يستبدلوا أصنام الحجارة والعجوة بأصنام اللحم والدم؟
وأين ذهبت كل الآيات والأحاديث والنصوص التي تحث العبد على اتباع أمر الله وحده ونفي كل واسطة سواه من أهواء البشر؟

الحقيقة المؤسفة أنك لا تكاد تخاطب واحداً من أتباع -أي حركة أو حزب أو تنظيم- (إسلامي) إلا ووجدت لديه استعداداً للحوار حول كل شيء، حتى فكرة الإيمان بالله نفسها، ولكن الأمر يتحول إلى معركة حينما يمسُّ النقاش طرف شيخه أو قائده أو أميره، الذي صار وكأنه ظل الله في أرضه أو بابه الذي يلِج إليه منه عباده!

يلمس هذه المواقف بوضوح كل مهتمٍّ بالشأن الإسلامي ويتابع قضاياه، وقد كتبت قبل مدة مقالاً حول أحد مؤسسي الأحزاب الإسلامية، وتحدثت فيه عن مواقفه السياسية قبل تأسيس حزبه، التي كانت تخالف مبادئه بعد تأسيس الحزب -وليس في ذلك ما يضيره فتطور الأفكار جزء من طبيعة الإنسان الحي الذكي- فانهالت عليَّ رسائل الشتم والتخوين والاتهام بالعمالة، ولم يكلِّف واحدٌ ممن قرأ المقال أن يناقش الأمر نقاشاً علمياً أو يأتي بدليل على خطأ ما نقلت، أو يجري مقارنةً بينه وبين ما أصدره حزبه عن تاريخ مؤسسه، بل كان ما قاله الحزب هو الصواب المطلق، وإن خالف كل الأدلة والبراهين!

ولا أفهم، كيف غفل المسلمون أو استغفلوا عن كل آيات الله الذي يتلونه وربما يحفظونه التي تدعوهم إلى عدم اتباع سنن الظالمين من الأمم السابقة التي اختلفت وتفرقت من بعد ما جاءها العلم والبيِّنات، تلك الأمم البائدة التي استبدلت كلمات الله وآياته بأفهام البشر واتخذتهم أرباباً من دون الله، حين قبلت أن تُلغي عقولها التي ميَّزها الله بها ورفع من شأنها وتجعل غيرها حاكمة عليها حتى عبَّدتها تلك العقول العجل ذا الخوار.

الأمة العربية لم تكن يوماً شيئاً بغير التوحيد الذي لم ينقلها من الكفر إلى الإيمان وحسب، ولكنه نقلها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والتوحيد أيضاً هو من ألقى في وعيها: "أن الأمة التي يعبد بعضها بعضاً فإن أمرها إلى زوال". وهو نفسه ما يدفع كل موحد أن يعيد السؤال والبحث حول معبوده الحقيقي في هذا العالم، هل هو الله بنقاء منهجه وإنسانية دعوته وصفاء أحكامه، أم أن كل واحدٍ منَّا قد صنع لنفسه صنماً يعبده ويعتكف على صحفه فهو يطالعها ويحفظها آناء الليل وأطراف النهار حتى نسي منهج ربِّه!

الحقيقة المؤلمة أن كل هذه النكبات التي لحقت بالأمة العربية المسلمة -ولا تزال- ما كان منه بسبب إسلامييها أم بسبب توحُّش علمانييها أمْ ما رمتْنا به الأقدار، هذه النكبات التي تقرعنا كل يوم قد كفتنا عناء البحث عن سبب لنعيد أسئلة التوحيد على أنفسنا ونصدقها القول، إن كانت هذه المصائب بسبب عدوِّنا البعيد أم بما كسبته أيدينا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.