المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل حريز Headshot

معلمي: لستُ مديناً لك..

تم النشر: تم التحديث:

"معلمي العزيز عشت في كنفك اثني عشر عاماً، ومع ذلك فأنا لست مديناً لك بشيء، ولست لك ولا لأفضالك عبد، وأحمد الله أنني قد سرت في طريقٍ غير طريقك، وأسأل الله أن يغفر لي ولك ما ضيعت عليَّ وما ضيَّعت على نفسي.

لقد درست بعدك 4 سنوات اللغة العربية لأصلح لغتي التي أفسدتها في المدرسة، وقضيت عشرات الساعات في الإنجليزية لأستطيع فقط أن أتفاهم مع الناس في بلاد الغربة، ولا أظن أنني قد احتجت أو سأحتاج إلى دراسة الرياضيات والفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء؛ لأنني شخصيًّا لا أحتاجها. ولن يسألني أحد عنها كما كنت تخبرني! وسعيد أنا اليوم جدًّا ببعض الوثائقيات التي تشرح بعض تطبيقات هذه المواد لتمتِّع المشاهد لا لتسلبه حريته من أجل علامة.

معلمي: كان يكفيني منك أن تعلمني القراءة والكتابة في بضعة أشهر والحساب في مثلها والسلام، فقد وجدتني في الجامعة قد بدأت من الصفر، بل تحته لأكمل طريقي، وكنت كلما مر معي شيء يقولون لي، لقد درسته في المدرسة، فأرجع إليه من جديد وأسأل نفسي لماذا حُرمت من طفولتي من لهوي ولعبي من كرامتي وحريتي لأدرس شيئاً هأنا ذا اليوم أدرسه بقراءة كتاب أو مراجعة ساعة.

معلمي: لقد سرقتَ من عمري اثني عشر عاماً لتعلمني كيف أقف في طابور الصباح وأصيح بما تسمونه النشيد الوطني. هأنا ذا وحتى اليوم لا أفهم لماذا كان علي فعل ذلك الشيء الغبي المضحك. اثني عشر عاماً ولم أتعلم فيها كيف أصلح ساعة يدي أو أن أزرع حديقة منزلي، أو أن أغير دولاب سيارتي، أو حتى أن أصنع طعامي.

اثني عشر عاماً لم يشبع فيها قلبي من لعبةٍ واحدة، ولم يسعني وقت حصة الرياضة الأسبوعية -التي كان يهربنا فيها المعلم من المدرسة إلى البيت- لم يسعنا وقتها لنبني جسداً صلباً يعيننا على حطام الدنيا ولا حتى أن نحرز في أي مباراتٍ فوزاً ولا حتى خسارة. بل كانت تلك الحصة التي ننتظرها بفارغ الصبر إيذاناً بالحرية والانعتاق من جنبات الكرسي الصلبة كانت تلك الحصة حصة إذلالٍ وإرهابٍ.

معلمي: كفاك حديثاً عن القدوات والباقيات الصالحات فما تلقيته. من معلمي السوء منكم يكفي ليزيل كل حسن، وما خسرناه مما تربينا عليه في بيوتنا من الخير أضعاف ما كسبناه من بعضكم. وما ضيَّعناه على أنفسنا من خير وأجمل وأسعد أيامنا لن يعوِّضنا عنه كل كلامك الذي يحترق أمام سؤال الجدوى.

معلمي: أعلم جيداً أن الأمر لم يكن بيديك وأن ما ورثتَه قد ورثناه، وما نحن إلا نبتة شوَّهها الاستعمار من قبل وسقاها عملاؤه وسهر عليها أبناؤه من بعد، ولكنها كلمة المظلوم يرفعها وعند الله تجتمع الخصوم.

معلمي العزيز لستُ مديناً لك، بأي شيء. وإني وإن تعلمت منك شيئاً فهو أن لا أكون مثلك، ولا أسير في خطك الأعوج، الذي إن كان في المدرسة التي عشتها خيرٌ، فهو أنني قد تعرفت عليه ووجدت أثر اعوجاجه قاسياً في حياتي وإني لأرجو الله أن لا أقيم فيه أحداً بعدي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.