المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ولاء رزق Headshot

على هامش جواب غرامي

تم النشر: تم التحديث:

طفلة صغيرة تملأ الحياة صخباً ولعباً، تخوض معاركها الصغيرة بتلك الأسلحة التي تكتسبها من الحياة، من طريقة التربية، ومن المجتمع المحيط، تكبر ولا أحد يعرف ذلك، فهي ما زالت صغيرة في نظرهم، لا تعرف الكثير، وفي مخيلتها عن نفسها هي تجيد تعريف ذاتها في اختصارات شديدة الوضوح، هي تعرف ما معنى كلمة أحب، تعريف بسيط جداً خاطبت به زميل دراستها أنها تسعد حين تراه، هذا الحب بالنسبة لها لحظات سعادة، تتمنى أن تخبره هكذا جهاراً، يخيل لها أن رسالتها هي السبيل، فتكتب فتنمق كلاماً أكبر من سنها بالنسبة لنا عبارات الغرام والحب.

أتساءل حقاً هل هي سعيدة أن رسالتها أصبحت حديث الشبكات الاجتماعية، وأنها تمثل جيلاً جريئاً في كل شيء، التكنولوجيا وتغلغلها في حياتنا جعلته يكبر أكثر مما ينبغي؟ أم أن قلبها تحطم أمام أم لا تجيد ولا تعرف ماذا تعني كلمة أن تربي رجلاً له خصوصيات حتى وإن كان طفلاً، وأن أسوأ شعور يمر بطفل أن تقتحم خصوصياته وتصبح أضحوكة للناس، لا أعرف ما رد فعل الفتى هل هو منتشٍ وفي ذروة سعادته من كونه دنجوان عصره؟ أم أنه غاضب من أمه؛ لأنها تدخلت بشكل فج في شيء خاص للغاية؟

وأتعجب أكثر ممن يلقون اللوم على فتاة صغيرة أحبت وعبَّرت عن الحب فقط؛ لكونها تحمل سنوات عمر قليلة، وتارة يتهمونها بالتبجح، وتارة بأوصاف كأنها طفلة رضيعة، لا أعرف لماذا كل جيل يقارن نفسه بجيل آخر مختلف عنه في كل الظروف؟ بل ربما في ذلك الأمر تحديداً كان هناك ونحن بعمرها فتيات يعجبن بزملائهم إعجاباً طفولياً بريئاً، لا يحمل سوى مشاعر لا يعرفن لماذا تحدث؟! ثم نأتي الآن وقنوات التلفاز ليل نهار لا تتحدث سوى عن الحب بشكل راقٍ أو غير راقٍ ونلوم الجيل الجديد، هل إصلاح الأجيال وحسن تهذيبهم يحدث باللوم؟! ما هو المختلف فيما نفعله الآن عما فعل بنا؟ نفس الطريقة التي كان يقابلها المجتمع لو عشقت فتاة الكتب والثقافة كانوا يخبرونها أن عمرك صغير، واللعب هو الملائم الآن ولا تجلسي مع الكبار،

كأن هناك دليلاً للإرشادات ينطبق على كل البشر، كأنَّنا آلات تتحرك وفق منظومة لا بد ألا نخرج خارجها لا بالإيجاب ولا بالسلب، لا عشق الثقافة كان في نظرهم مقبولاً، ولا عشق الفتيان مقبول، لا ألوم المجتمعات المهترئة، لكن ألوم أن نتحول نحن لأدوات تفعل مثل من كانوا ينتقدونهم، أتذكر لو أني مكان تلك الصغيرة، ووجدت الكل يهاجم ويسخر ويسب، طريقان لا ثالث لهما، إما نفس منكسرة فاقدة الثقة في كل من حولها، أو جموح لا أحد يستطيع توقيفه، لكل زمن طرق تلائمه في التربية ولكل شخصية طفل سماتها المختلفة، بدلاً من بدء وصلات الندب؛ لنتوقف قليلاً لفهم نفسية تلك الورود المتفتحة وسط غابة من الأشواك التي تحيطهم من كل جانب، نصادقهم ونعرف كيف نتعامل معهم، نتفهم نفسيتهم وما يشعرون به، نقدر تلك المشاعر ونحترمها، نعلمهم كيف ومتى يعبرون عن ذواتهم بكل أريحية، لا نلفظهم ونتهمهم تهماً جاهزة تريح ضمائرنا، كل فساد أخلاقي لأي جيل أحد أسبابه كان آذاناً لم تسمع وعقولاً لم تعِ ما هي احتياجات هذا الجيل، وبدلاً من الوصول لعلاقة قويمة بين الطرفين كان المتداول دائماً هو ما هي مظاهر وتقاليع هذا الجيل، وأن الأجيال الجديدة تافهة وسطحية ومرفهة،

اختصارات مدمرة تقتل العلاقة في مهدها، فكيف لمراهق أن يتقبل أي حديث من شخص يراه تافهاً أو مقلداً وكثيراً صغيراً لا يفقه شيئاً، حين نصادق أطفالنا من البداية لا نتعب كثيراً في توطيد تلك العلاقة حين يدخلون إلى سن المراهقة بكل متاعبه، حينها نخرج منها بسلام، حين نحترمهم سيتعلمون كيف يهذبون سلوكياتهم، حين نفهمهم ينير بداخلهم جزء من الاطمئنان أن هناك مَن يعي تخبُّطهم وعنفوان مرحلتهم العابرة، الأمر ليس مجرد جواب غرامي من فتاة لفتى تحبه، وإنما هو مؤشر لفهم ما وراء الكلمات وما الذي يمر به جيل جديد، والتحديات التي يمرون بها، ومن جهة أخرى كشف من جديد لقبح سخرية المجتمع من كل شيء دون توقف.

كل ما نحتاجه أن تتوقف كلمات التهكم ويبدأ حديث العقل؛ لأننا لدينا أطفال يكبرون معنا يريدون منا أن نكون واعين لزمن غير زماننا الذي كبرنا فيه، وأن نكون على قدر من الفهم؛ كي لا نكون معولاً لهدم جيل بحجة إصلاحه.

هذا جيل مختلف في عنفوانه وجرأته، لو وجد من يروي اختلافه في مسار يلائمه سيكون جيلاً مختلفاً يحقق الكثير في سن مبكرة، ويزهر ليملأ الكون بعبير مختلف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.