المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ولاء رزق Headshot

إلى أصدقائي الجدد

تم النشر: تم التحديث:

لا أعرف من أين يمكنني أن أبدأ حكْي تلك المرة! بعد وقت طويل لم أسجل شيئاً عن أحداث الحياة معهم، ربما سأعود لذلك اليوم الذي ألتقي عالَمي فيه.. يدُ صغيرٍ ناعمة خرجت لتوها مني إليَّ، أبكي بكاء تغلبني فيه الدهشة من صنيعة الخالق؛ كيف كان من دقائق فقط صغيري بداخلي ينبض، والآن أصبحت روحي خارج جسدي تصرخ صرخة ميلاد جديد؟!

صديقي الأول، هكذا أحب دوماً أن أصفه؛ فهو أول الأصدقاء الجدد، صديقي الذي ملك شغاف قلبي وكان ميلاده إعادة اكتشاف لي، فنحن نكتشف ذواتنا مرات عدة في الحياة؛ من بينها حين نحب وترتبط حياتنا بقلبٍ تملَّك تلابيب الروح، ونكتشفها مرة أخرى حين ننجب، حين نفكر في كل شيء قبل أن يبدأ، وتختلط أوراق أعمالنا بكتب التربية وقصص الأطفال، حين تحاوطنا تساؤلات حول: هل سنكون آباء أكْفاء أم ماذا؟

ذلك البعث الجديد لأرواحنا بقدوم مولود يضفي بهجة وحباً من نوع خاص لحياة اثنين اختارا الحياة معاً. نعم، لقد تغير بي الكثير حين أصبحت أمّاً، صرت أكثر عاطفة وأكثر خوفاً أحياناً، صرت أرتب الحياة طبقاً لوجود هذا الجميل بحياتي، صغيري الذي رافقني فترة امتحانات لا بأس بها، رافقني أياماً صعبة ورغم صعوبتها وانشغالي فإن وقته كان أولى أولوياتي، كل شيء يعود ويُعوّض إلا السنوات الأولى؛ سنوات زرْع البذرة، التي إن زرعت بكل حب واهتمام تنبت وتثمر، كل يوم كان يمر في حياتي كأم وتكبر المسؤولية كانت روحي تنضج أكثر، ورغم أن هذا أمر عقليٌّ يتعجب منه كل يوم إلا أنه حقيقة؛ حقيقة كوني أصبحت أماً لطفل صغير يكبر، نكون أنا وأبوه بوابته الأولى لاكتشاف العالم.

الطفلة المدللة كبرت وأصبحت أماً، ويا للعجب من تسارع السنوات هكذا!

لم تكن الأمومة مجرد محطة من محطات الحياة فحسب، وإنما هي مدرسة التحقت بها منذ أول يوم نبض صغيري بداخلي، أتعلق أنا بصغاري قبل أن يأتوا لهذا العالم، أتوق إلى رؤيتهم وتخيّل تفاصيل وجوههم الصغيرة، وحين يصلون إلى عالمي أشعر بدفء من نوع خاص يدثّرني من برد الحياة ويمنحني شعوراً لا يضاهيه شعور.

ومع كل يوم يمر، كنت أتعلم منه كيف للحياة بمجرياتها تغير كينونة الإنسان وأننا كل يوم -نكتسب فيه مهارة معاً أو نتطور- يكون بداية جديدة لمرحلة أخرى.. هكذا نحن منذ 4 سنوات؛ أستند عليه في اكتشاف ذاتي في رحلة اكتشاف ذاته. صغيري الذي أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني، يمنحني دهشة الاكتشاف، ونقاء البدايات، فرحة الكلمة الأولى، الخطوة الأولى، والحضن الأول.

يمنحني الروح الوثّابة التي لا تكلّ من اكتشاف هذا وذاك وإن كان مرهقاً لنا نحن معشر الآباء والأمهات. لكن، في حقيقة الأمر حين نختلي بأنفسنا لندرك كم كبر الصغار وصاروا يعبّرون عن ذواتهم وعن دهشتنا من حكيهم المنمق وكل لفظ جديد وجملة يحكون بها، عن تجاربهم مع الأصدقاء، عن الزهرة التي تتشكل وترى الحياة من منظور مختلف- كفيل هذا بأن يمنحنا طاقة لنكمل مشواراً ثقيلاً لكنه ممتع، مشواراً نغرس فيه ثمار حبنا لهم مع كل كلمة وحديث، مع كل فعل مجنون منهم يجعلنا نلملم خسائره، مع كل تجربة معهم نبدأها وتستمر فتصبح روتيناً يومياً يسعدنا أنهم اعتادوه، مع كل نجاح في تعديل سلوك، حتى خيبات الأمل أحياناً وحيرتنا في حل مشكلة ما معهم تمنحنا طاقة للبحث عن أفضل ما يمكننا فعله لأجلهم.

والآن، صرت أتعجب أكثر وأنا أكتب عنه وعنها، صغيرتي التي جاءت بعد أن صرت أماً للمرة الثانية، أتعجب من كوننا ننسى الألم ووهَن الحمل، أو ربما نشوة البعث الجديد برؤية مولود جديد هي التي تنسينا.

كررت التجربة وأنا أتشوق إليها، كانت تجربة مختلفة في كل شيء، ربما كان الداعم فيها هو الخبرة التي كنت تخفف من وطأة الأحداث، لكنني الآن أشعر بأن الأمومة للمرة الثانية هي بداية لنضْج من نوع مختلف، ربما نُحمّل بمسؤوليات جديدة بعد أن استقرت الحياة نسبياً، بعد أن كبر الصغير وصل للرابعة، لكن كل هذا يهون أمام وقت هادئ لنا معاً.

يعدنا مالك وتضحك له مريم، يضحك هو أيضاً ويحاول أن يلاعبها مرة أخرى كي تضحك ويصر بكل قوة، كل التفاصيل اليومية التي ترهقني وتجعلني أتساءل: كيف لي أن أتحمل كل هذا وأن يكون قلبي ممتلئاً بحبهم رغم كل تعب؟! وكيف أكتب كل هذا الحكي بعد يوم عاصف معهم؟! لكنها الأمومة التي تمنحنا حياة فوق الحياة؛ كي نتعلم منها ونستلهم من التجربة صناعة أرواحنا من جديد.

كل يوم يمر أحاول أن أكون تلك الأم التي تكون لهم سنداً وصديقة حقيقية لهم، أكون مرفأهم الذي يعودون إليه دوماً ليخبروني بكل أريحية بكل ما يشعرون به، حتى وإن كبروا وكبرت أسرارهم معهم يكونون على ثقة بأنني صديقتهم، وحين يحتاجون حضناً يجدونه بجوارهم.

سأخبرهم ذات يوم بأن أرواحهم الصغيرة هي الحضن الذي أعود إليه من تعب الحياة وأن قلوبهم تطببني، فقط بنظرة منهم، أو حضن يحتويني أو ضحكة تجعلني أضحك رغم أي تعب. سأخبرهم بأنهم كل يوم يُضفون على حياتي معنىً جديداً ولا تمر الحياة أبداً عبثاً وهم فيها، فلو مر يوم لم أحصل فيه على أي فائدة من علم أو عمل، فاكتشافهم للحياة عبري يكسبني كل يوم مهارة جديدة.

سأخبرهم بأنهم يستحقون أن يكونوا على قمة أولوياتنا وأنني لا أضحّي بوقتي معهم، لكنني أثمر معهم وتثمر أوقاتي وأنهم نافذة للحياة إن صدقت في اكتشافها فسأكون عشت أكثر من حياة.

ميما حياتي، وأصدقائي الجدد، وثمرة قصة الحب إليكم سلاماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.