المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ولاء رزق Headshot

رسائل القاهرة -اسطنبول!

تم النشر: تم التحديث:

فكرت كثيراً قبل أن أبدأ بالرد على رسالتك؛ كي ألملم شتات أفكاري عن سفر الارتحال بالروح لا الجسد، تلك السلوى التي تخفف عنا وطأة البعد وألم الاشتياق.

بالفعل يا رفيقتي أنا أرتحل كل يوم لعالم آخر غير الذي نعيش، عالم أجد فيه روح الغائبين ترشدني وتخفف من حدة تساؤلاتي، لا أخفيكِ سراً أن هذا العالم يتعبني أحياناً، لكنه في نفس الذات يبقي قلبي بالقرب منهم، أنا أسافر عبر الذكريات في صوت أغنية كنت أرددها من سنوات طوال في موقف ما، في طعم شيء أحبه، وكان يجمعني بأحبتي يوماً ما، وله طقوس معينة فأشعر كأنني ارتحلت ليوم مضى، فأتذوق مع طعمه مذاق الذكريات.

أمضي مع قطعة ملابس أخيرة اشتراها لي أبي قبل الرحيل، وأظل إلى الآن أحتفظ بها في دولابي؛ لتُنقل معي حتى بيتي الخاص، وبين الحين والآخر ألمسها بيدي كأنني أتلمس منها طيفه، من تلك الوجوه العابرة في إشارة مرور مزدحمة، وجوه الأطفال تحديداً يتبادلون الابتسام حيناً، وحيناً آخر يتوجسون من غريبة تبتسم لهم فيخفون ضحكاتهم، أم من ذاك المكان الذي أذهب إليه أجلس على نفس الطاولة التي كانت تجمعنا، أشرب قهوتنا أتخيل أننا معاً.

لا أخفيك أنني لا تمر مرة واحدة أكون فيها في مكان من تلك الأماكن التي كنا نرتادها معاً ولا أتذكر يوماً من أيامنا، يصعب على المرء أن يشعر بالسفر والغربة دوماً، حتى وإن لم يرتحل، فغربة الأصدقاء والأهل بعيداً هي غربة تخترقنا وتوجعنا، مهما حاولنا المضي في الحياة كما نريد، أو كما يجب أن يكون.

سفر الوجوه يجعلنا نرتحل لعوالم أخرى كتلك الحياة التي نحياها في وجه بطل للرواية نحبها، فنجدنا هناك، حيث تبدأ الحكاية، تدرين حين قرأت مائة عام من العزلة كنت أرسم صورة بداخلي للحياة، للأبطال، لدرجة أنني أذكر تفاصيلها كأنها فيلم تسجيلي أمام مخيلتي، عناق عند جسر بروكلين مثلاً كانت بالنسبة لي فيلماً عربياً كلاسيكياً تجتمع عليه الأسرة في يوم العطلة، ومع كل ارتحال أشعر أنني أعيش تجربة جديدة.

لكن دعيني أخبرك عن شيء لماذا رغم رغبتنا في أن نقاوم البعد ونطوي المسافات نعتاد الغياب؟

ما الذي يحدث لنا تحديداً مع بعض ممن كانوا قريبين؟ هل تغيرنا حقاً مع السنوات فلم يقترب ويظل قريباً إلا هؤلاء الذين تحملوا حماقاتنا في التغافل والنسيان؟ أم أننا أصبحنا أقل قدرة على تحمل بعضنا البعض؟

هل صارت العلاقات القوية عبئاً على أصحابها أم الحياة شغلتنا فابتعدت المسافات؟
فنجدنا في كثير من الأحيان نغيب ونفترق، ولا نستطيع أن نقاوم ما يفعله البعد.
معادلة غريبة جداً أن نقترب جداً من بعضهم، ونقاوم المسافات، وأن نبتعد جداً وننهار مع البعض الآخر.

أخبرينا هل نناقض أنفسنا أم هناك من جعلونا نعتاد الغياب؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.