المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ولاء رزق Headshot

رضوى عاشور.. ذكرى ما بعد الرحيل

تم النشر: تم التحديث:

علاقة خفيَّة تلك التي تنساب بين كلمات الكاتب ومخيلة القراء، ذاك الأمر المرتبك الذي يجعل تلك الحكايات تصل إلينا حتى تخترق جدر الروح، لا أدري حقاً هل الصدق الذي تحكي به الحكاية أم روعة الكلمات التي تطوعت تحت يديه في سلاسة؟ أم شيء خفي يضعه الله بين روح أحدهم والآخرين، أو ربما شيء آخر لا نعرفه وسيظل مجهولاً؟

لكنها من بين كتابيّ المفضلين جمعت كل شيء في ثنايا حكيها، لم تكن رضوى كمثيلاتها، لكنها تفوَّقت بأن كتاباتها كانت مرفأ للروح تطبب الأوجاع، وتستلهم المعنى ليصل إلينا، وكأنها خبيرة بأحوال الناس، تعيش بدواخلنا وتناسب معها الحكايات في جمال وخفة، تجعلك حتى وإن طالت الرواية وغرقنا في التفاصيل لا نمل؛ بل تعيش فينا ونمتزج مع كل رواية كأننا من أبطالها الحقيقيين.

رحلتي بدأت معها حين رأيت اسمها على رواية فرج، تمسك بها إحدى الصديقات، لفت نظري اسمها وتفاصيل الأحداث، ثم جاءت الطنطورية التي ما زالت بالنسبة لي أقرب ما كتبت هي إلى مخيلتي، قرأتها ولم تكن مجرد رواية تحكي عن فلسطين، لكنها كانت تبحر داخل تفاصيل التفاصيل، ترى بنفسك ملامح الناس وهم يهجَّرون من منازلهم، تسمع حكي النساء عن عودتهن القريبة، ترى في العيون الترقب والأمل، تعيش فجيعة آلام البعد، العائلات التي تفرقت، حتى لون شجر الزيتون، مشهد البحر، كل شيء تحكيه الرواية تعيشه معها بكل تفاصيله، كأنك شاهد على هذا.

رضوى كانت تسرد التاريخ بشكل روائي تفوَّقت فيه على نفسها، فطوعت الحقائق لتمزجها بالحكاية، كما كتبت في ثلاثية غرناطة التي تعتبر رائعة من روائعها، وصفت غرناطة بدقه، نقلت مشاعر أبطال الرواية بشكل يفوق الجمال، المشاهد التي تراها بعينك وتتخيلها بدقة، سقوط الأندلس بكل معاناته النفسية، ربما لا تكفي كلمات قلائل لسرد ثلاثية غرناطة التي تستحق حديثاً كاملاً عنها.

لم تكن رضوى عاشور كاتبة فحسب، لكنها كانت بطلة حياة الكاتب مريد البرغوثي الفلسطيني الذي جمعتهما أسوار جامعة القاهرة لتكون بداية قصة حب لم تنطفئ جذوتها إلى الآن، المرأة التي كتب عنها وعاشت معه حياة حافلة بالحب والصعاب معاً، هذه الأسرة الصغيرة التي كانت بكتابتهما تشعرك أنك قريب جداً منهما، تشعر بشعورهما معاً بدفء العلاقة، وتبكي معهما حين حانت لحظة الوداع بكاء صادقاً يتجدد مع كل ذكرى.
فقليلاً ما تجد كاتباً تعيش معه تفاصيل حياته بكل تلك العاطفة المنسابة في حكيهم.

لم تكن رضوى تحكي وفقط، لكنها كانت تكتب كلمات تتحول إلى روح تعيش بداخلك تدفعك أنت أيضاً للحكي، تجعل قلمك ينساب لتكتب أيضاً عن مآلات النفس وخفايا الروح.

تظل هي أيقونة حياة بالنسبة لي بشكل شخصي فهي كتبت ودرست وعاشت الأدب بكل روحه، كانت قريبة جداً للناس وللطلاب، لم تخذل أبداً فكرة آمنت بها، وتأتي لتنشر هي بنفسها نعيها لأحبائها فتكتب أثقل من رضوى.

تلك الحكاية التي امتزجنا معها بألم ووجع وشعرنا، وكأنها تخبرنا الرحيل، تحكي فيها عن محطات مهمة من حياتها تسرد مرضها وتوقيته المواكِب لثورة يناير/كانون الثاني، ملحمية الرواية وثقلها كانت حقاً أثقل من الجبال.

إليها إلى السيدة راء.. التي تملكت تلابيب اللغة ورسمت بها معزوفات أدبية خالدة، للحبيبة الصديقة والسند في حياة كل من أحبوها، التي أحبت قلمها فكتب بانسيابية أجمل الحكايات التي اخترقت جُدر الروح وأنارت العقول.

لتلك التي كتبت الرواية وهي تحكي التاريخ وسردت التاريخ في ثنايا حكاية.. إليها في ذكرى الرحيل: سلاماً بقدر الحب والشوق ووجع الفراق.. سلاماً لروحك الطيبة ألف سلام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.