المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وهيبة بوحلايس Headshot

اصنع من حياتك شيئاً قبل الرحيل

تم النشر: تم التحديث:

خرجت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية بخسائر فادحة وهزائم ثقيلة كلفتها أرواحاً وأموالاً، وسمعة سيئة بين الدول، فاليابان التي عرفت نهضة اقتصادية أواخر القرن التاسع عشر بسبب عدد من الإصلاحات التي شملت التعليم والإدارة والصناعة، باعتمادها على التجارب الأوروبية والأميركية، سرعان ما تبددت أحلامها بعد أن دخل الاقتصاد الياباني في مرحلة الموت السريري، بل الاحتضار، وذلك بعد أن حلق الطيار الأميركي "بول تيبيتس" فوق سماء هيروشيما، ملقياً القنبلة الذرية المسماة "الولد الصغير" على سكان تلك المدينة في السادس من أغسطس/آب سنة 1945، والقنبلة الثانية في التاسع من نفس الشهر على مدينة ناجازاكي، فتسببت في مقتل مائة وعشرين ألف ياباني في لحظات، ووقوع ستين ألفاً آخرين في ناجازاكي، فضلاً عن العدد الهائل من الجرحى والدمار الذي أصاب الشجر والحجر، فانهار اقتصاد الدولة، وحلت المجاعة والبطالة، وانتشرت الأمراض، وارتفع سعر السلع الأساسية وتدهورت الأوضاع لتصل إلى الحضيض.

لكن تلك الصدمات والأزمات لم توقف عزيمة الشباب الياباني، فعادوا مجدداً وبقوة إلى تطوير اقتصادهم عن طريق "الأحلام"، نعم هي أحلام (سابورو أوكيتا) و(يونوسوكي جوتو) اللذين أعدّا خطة اقتصادية لإعادة إحياء اليابان، وقاما بطرحها على رئاسة الوزراء في ذلك الوقت، وهي الخطة نفسها التي اعتمدتها اليابان حتى يومنا هذا، والتي من خلالها تعافت معظم القطاعات الحيوية في الدولة آنذاك.

إنها نفس الأحلام التي راودت الشاب الياباني (سويتشيرو) الذي أسس أكبر شركة لصناعة الدراجات النارية المعروفة اليوم بشركة هوندا، التي تم تأسيسها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يهنأ الشاب (ماتسوشيتا) ولم يتوقف عن رسم كل أحلامه حتى أسس شركتي باناسونيك وناشيونال، وسلك كل من (ماسارو ايبوكا) و(أكيو موريتا) نفس الطريق حتى أسسا معاً شركة سوني العالمية، وغيرهم كثر، ولكل واحد منهم قصة صراع النجاح والفشل.

مَن أعاد الحياة إلى اليابان هم مجموعة من الشباب الطموح، فشلوا مرات ومرات، لكنهم كانوا عازمين على النجاح، فلم يحتج هؤلاء الشباب للتفكير طويلاً، ولم تقم هذه الإمبراطورية العظيمة من دمار القنابل، بالاعتماد على المساعدات الدولية ولا على قروض صندوق النقد الدولي، ولم يفكر أحد منهم في أخطاء الماضي، أو الركض خلف رؤساء البيت الأبيض لنيل الرضا أو البقشيش، لم ينجروا رغم الدمار الشامل لتعبئة الأحقاد ضد الغرب وللمظاهرات وحرق الأعلام ورفع شعارات "طز في أميركا"، ولم يكتبوا الملاحم والأغاني الوطنية المفلسة ولا الحماس الكاذب، ولم ينتظر منهم أحد ولادة زعيم يجمعهم تحت راية العمل، ولا ولادة حزب سياسي، كما أنهم لم يبحثوا طويلاً في اختلافاتهم الدينية أو الفكرية، ولم ينتحبوا حزناً على عظمة عصور الساموراي كما ننتحب نحن على الموروث العلمي الذي تركه العلماء المسلمون للبشرية منذ قرون غابرة، فصنعنا به مجداً وهمياً لا نتردد أن نذكّر به العالم كلما اتهمنا غيرنا بالجهل والرجعية، فوقعنا في فخ "كان أبي"، واكتفينا بربط أحزمة الأمان والجلوس منبهرين بمشاهدة ما حققته عقول تشبه عقولنا من تطور تكنولوجي وعلمي وفلسفي واجتماعي.

المؤسف أننا بعد انتهاء مسلسل تفوق الأمم سنجد أنفسنا نعيش في كوكب يبعد قروناً ضوئية عن عالم الإنسان.

قرأت مؤخراً كلمة قالها أحد ضباط البحرية الأميركان، قال: "إذا أردت تغيير العالم ابدأ من سريرك رتّبه جيداً وبطريقة حرفية"، بما معنى ابدأ بمحيطك أولاً، بزاويتك الصغيرة وعالمك المحدود، ابحث عن الخلل فيه، أصلِحه وحاول أن تتقن عملك مهما كان بسيطاً.

إذا اعتمدنا هذا النمط من التفكير سيتغير سلوكنا تلقائياً، ونصبح شعوباً منتجة وإيجابية، وسنوفر مناخاً سليماً لجيل يرى العمل والإبداع جزءاً من التكوين، لا تنتظر نظاماً ولا دولةً ولا مؤسسةً، اترك خلفك أثراً نافعاً لمن يخلُفك، فهكذا صنع العظماء التاريخ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.