المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء تدغوتي Headshot

حب مقتول على عتبة الكنيسة

تم النشر: تم التحديث:

أنا:

* لم يعتَد قلبي أن يدق بهذه القوة، لم يعتَد أن يدق بهذا الإصرار.. كأنه يحس بحزني، يطلب مني أن أتشبث بالحياة.

هذا ما كتبته قبل أن توجد ميتة على عتبة الكنيسة، كانت تؤمن أن الله يوجد في كل مكان، كانت تؤمن أن الله لا يحده دين ولا قانون.. كانت تؤمن أن الله يوجد حيث يوجد الإنسان، على عتبة الكنائس والملاعب والمقابر والمكتبات، نعم كانت تؤمن بشدة أنه يوجد على عتبة المكتبات.

لم أفهم يوماً منطقها، ولا كيف تفكر، ولا كيف امتلكت كل تلك القوة كي تنهي حياتها.. لطالما كنت أنا جبانة.. لطالما كانت تدافع عني وتساعدني بعد كل سقوط.. غير أنها سقطت عدة مرات، وفي كل مرة كانت تسمو من جديد لوحدها.. كنت جبانة.. لم أقدم لها يد العون يوماً.. ربما لأنني كنت أعلم كم هي عزيزة النفس.. لم تكن لترضى، أو ربما هذا ما أخبر نفسي به الآن كي لا أحس بالذنب.

كانت تقرأ، نهمة كانت للقراءة، وعنيدة.. كنت أخاف أن أصبح مثلها.. لهذا ابتعدت عن القراءة بقدر ما استطعت.. لا تغريني القوة ولا العلم.. نحن الجبناء يغرينا الطعام والنوم.. غير أنها كانت عكسي تماماً. كانت ذكية لامعة قوية، تقرأ الإنجيل والقرآن وكتب الفكر وتتحدث أكثر من لغة.. كنت أنا غبية، أتلعثم وأنا أتحدث اللغة العربية.

كانت لطيفة، وكنت أنا وقحة.. غير أنهم لم يحبوها كما أحبوني، ونبذوها لأنها كانت مختلفة.. في مجتمع جاهل، كنت أنا صورة طِبق الأصل للمرأة الغبية المتخلفة التي يحبها قانوننا، وكانت هي تذيب الرجال بنظرة واحدة.. فإن لم يظفروا بها.. شتموها، ربما لهذا انتحرت.

قبل أن تنتحر، أتذكر حديثها الآن، حديثنا الأخير.. كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل؛ نعم أتذكر أنها اتصلت بي، كانت من النوع الذي لا يرد على الهاتف.. كان غريباً أن تتصل بي بعدما كنت أقضي خمسة أيام ألاحقها كي ترد على رسائلي.. قالت لي أنها وقعت في الحب، ظننتها تستهزئ بي، لطالما انتقدت غبائي حين كنت أحدثها عن الزواج.. كانت تقول في كل مرة إن الشخص الذي يفكر في الزواج يا إما مجنون، أو مجنون.. لم أصدق أنها، بكل تلك القوة والذكاء والثقة في النفس، استطاعت أن تقع في الحب.. ربما.. ربما.

قتلها الحب.

هي:

أغمضت عيني وأنا أجري، أخاف أن تلتقي عيناي بعينيه فنموت شوقاً.. ما باليد حيلة.. فالقدر، والمجتمع، بعرفه وقوانينه.. ضدنا.

قال لي أبي حينها: إنه يفضل أن أموت على أن أتزوج مسيحياً، لكنني ميتة يا أبي.. ألم تفهم أنني أستنشق حبه بدل الهواء؟ ما السبيل سوى الموت إن قطعت عني هوائي.

سافرت إلى طنجة، ظن أبي أنه سيمنعني أن أحب، أن أشتاق، أن أفكر! يا أبتاه نحن لا ننسى حتى وإن تطلعنا إلى النسيان.. فكيف لنا أن ننسى ونحن نتطلع إلى التذكر؟ لم ولن ألوم أبي يوماً، فهو نتاج مجتمعه.. حصيلة بيئته.. أعلم أنه يحبني، أعلم أنه يريد أن يحميني من مخالب المجتمع، من قسوته.. لكنه لا يعلم أن الحب الذي أحمله لميشيل في قلبي أكبر من كل شيء.

بقيت في طنجة ما يقارب الشهرين، مع أختي التي استقرت هناك منذ مدة، أحببت طنجة.. أحببت شوارعها.. أناسها.. غير أنني، وطوال الشهرين.. لم تمر ثانية دون أن ينبض قلبي باسم ميشيل.

لقد كنت أقرأ الإنجيل حتى قبل أن أتعرف على ميشيل، أحببت كل ما يتعلق بالأديان، بالإنسان، باللغات.. وأحببت ميشيل أكثر لكونه أول شخص يشاركني شغفي.. لم يكن أحد من أصدقائي يعلم ما يعنيه الأصحاح، ولا يوحنا، ولا الخيميائي، ولا حتى شمس التبريزي، كان أكثر ما يؤلمني أنهم لم يسمعوا يوماً بشمس التبريزي.

حاول أبي أن يبعدني عن ميشيل بإرسالي إلى طنجة، غير أنني غالباً ما كنت أزور سبتة المحتلة، أدخل إلى الكنائس وأتسمر في ركن بعيد.. لم أكن أمارس شعائرهم أثناء الصلاة، غير أنني غالباً ما أكنت أتخيل ميشيل جالساً على أحد هذه الكراسي الطويلة، أو يعترف بذنوبه لقسيس من وراء حجاب.. كنت أنا أكبر ذنبه، أعظم خطيئة.. لكن الحب يمحو كل الخطايا.

تذكرت ما قالته لي ناجين كوكس، مهندسة لدى ناسا حين حلت ضيفة في ندوة صغيرة تمت بشراكة مع القنصلية الأميركية.
حين صعدنا إلى القمر، لم أعد أرى بلداناً ولا قبائل ولا لغات، لم أعد أرى نفطاً ولا ألماساً، لم أعد أرى ألواناً ولا ديانات.. كل ما رأيته هو الإنسان.. بلا قيود ولا اختلافات.

كنت وحيدة في طنجة، تذكرت أصدقائي؛ ما زلت لحد الآن أنبهر من سطحيتهم العجيبة.. كل ما يهمهم هو فرق الكرة ومن اشترى أحسن سيارة أو تزوج بأغنى رجل.. كانت أحاديثهم تافهة، لكنني أحببتهم جميعاً، كما أحببت أبي.. كانوا جميعاً نتاج مجتمعهم، كان النقاش معهم ينحصر على صيحات الموضة وآخر الهواتف، أو على أبعد تقدير سقراط وأرسطو، والمدينة الفاضلة.

أحببت ميشيل، لا لشيء سوى أنه النصف الذي بحثت عنه، غير أنني ما إن وجدته حتى وقف كل شيء في طريقي، لم يعلم أبي كم أحبني ميشيل وكم أحببته، وكيف رفض احتراماً لأبي أن أهرب معه ونتزوج بعيداً عن هذا المجتمع المنافق.

لم يكن ميشيل ولا أبي يدريان مقدار حبي، لم يظنا يوماً أنني قد أموت فداء حب قتلوه قبل أن يولد.. حب نقي طاهر، حب بلا مصالح.. حب مبني على الحب، لا على الانتماء العِرقي ولا الديني ولا على لوني ولا لونه.

لم يعلم أبي ولا ميشيل، لقد استخفا بحبّي.

ارتديت أول فستان رآني به ميشيل، وضعت ذلك العطر الكريه الذي اشتراه لي، ذوقه سيئ في العطور، وحتى الحب.. يختار العطور القوية، كما أحب امرأة قوية.

كان قلبي يدق بقوة، وكأن ميشيل يصرخ بداخله لا تفعلي، لكن الحب متعب، مؤلم.. لا يستهان به.

جلست على عتبة الكنيسة، كانت أمامي امرأة منتقبة.. منزعجة من مظهري، فقد كنت فتاة مسلمة محجبة تحمل قرآناً في يدها وتجلس على عتبة كنيسة، غير أنها انزعجت أكثر حين قلت لها: dios aqui (الله هنا)، مشيرة إلى قلبي، أخذت ورقة وكتبت عليها "لم يعتد قلبي أن يدق بهذه القوة، لم يعتد أن يدق بهذا الإصرار.. كأنه يحس بحزني، يطلب مني أن أتشبث بالحياة".


أغمضت عيني، وودعت حباً دنيوياً، وذهبت أبحث عن حب أبدي؛ لأن من يذوق الحب، سيبحث عنه بجميع الطرق إن هو حرم منه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.