المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء مرزوق رياض Headshot

إلى صديقي الذي لم أره بعد

تم النشر: تم التحديث:

جمعتْنا المعرفة عن طريق صديق مُشترك، يقينه أن العقول تتلاقى حتى ولو عبر القارات، والأفكار تسافر لا تُعيقها المسافات. ولطالما كان التواصل الإلكترونى بالنسبة لي حاجزاً كبيراً في فكرة ومفهوم "التواصل"، فهو بالنسبة لى محادثة مع شاشة جهاز لا تشعر ولكنها فقط تستجيب لنقر يدك بالأحرف عليها.

بدأنا نتجاذب أطراف الحديث حول العديد من الموضوعات؛ الدينية والثقافية والنفسية والعامة... وأصبح كل منا عين الآخر في بلده، فتشاركنا أحوال الطقس ما بين يوم غائم ومشرق، ويوم عن استحياء تظهر شمسه بضع ساعات ثم تختفي مرة أخرى، وأشجار في خريفها وأخرى بدأت تدب فيها الحياة مرة أخرى، وجداول مياه تنساب في عذوبة لتستمع إلى أعذب الألحان في مسيرك ويشترك معها زقزقة العصافير لتشعر وكأنك تعبر وسط أوركسترا موسيقية متكاملة، أنت المُستمع الوحيد لها.

وأخذنا نتحدث عن أشياء متعددة بموضوعية وانفتاح ونضوج، نَصِف جمال الطبيعة وكأننا ننظم أبيات شعر، نرى الموسيقى ونستمع للرسومات المتعددة، ونَتَتبع آثار ثنايا جسد المرأة الذي تذوب أمامه كل حروف الوصف، ونرى فيها مُحاربة، ليس من أجل البقاء على قيد الحياة، لكن لبقاء الحياة بداخلها. جدير بالذكر أن القلائل من الرجال هم من يدركون تلك المعاناة ويشعرون بالأنثى التي في داخلهم، قليلاً ما يتجاوب البعض مع ذلك الجزء الرقيق الذي يحملونه.

مزيد من التواصل، ومزيد من المشاركات، والعديد من الرؤى الجديدة. وكإشراقة شمس كل صباح، هكذا شعاع من نورها يتم نسجه في عقولنا ببصيص من نور معرفة جديدة. وحقيقة الأمر أن هذا التواصل كان في بعض الأحيان كالبذار التي تُلقى بداخلي، وأحياناً أخرى يصبح كالمياه التي تجعل ما خبَّأته بتُربتي الداخلية يُزهر، وجعلني أستعيد اليقين من جديد في قناعات كادت تندثر بفعل العديد من المؤثرات الخارجية.

صديقي يعلم جيداً كيف يري الإنسان، إنساناً، لا يفترض فيه الكمال ولا يُطالبه به، يتفهم النفس البشرية ولا يقلل من قيمة الشعور والإحساس أو يتجاهله، لكنه يعلم أنه ما يجعل الحياة تستمر. لا يقوم بتصنيف البشر أو وضعهم في قوالب، ولا يقفز إلى النتائج. ولا يُجهد نفسه بقراءة ما بين السطور، فلا داعي للحكم على النوايا.

صديقي يرى الإنسان من أكثر الكائنات حساسية في التعامل، وأن النفس البشرية هي قُدس أقداس، ليس مفترضاً عليك تدنيسها أو الدخول إليها بغير استحقاق أو بغير استعداد لرحلة الاستكشاف.

صديقي يعلم عِماد الصداقة، البعيدة عن النصح والإرشاد والقوالب المطلوبة والتوافق التام في كل شيء. هو يقبل الاختلاف ولا يراه خِلافاً، لكنه إثراء بشكل أو بآخر للنقاش. لا مُسلمات أو محفوظات ولا محظورات. يؤمن بالزاوية الخاصة لرؤية كل شخص، يؤمن بحرية الحياة والاختيارات. صديقي لا يُصدر الأحكام. وإذا اختلط علينا فهم شيء ما؛ نقوم بالسؤال المباشر والواضح والصريح عنه دون تخمينات.

صديقي يُدرك مدى تعقيد الحياة، ويأمل جعلها أبسط فيما يختص بالتعاملات الإنسانية. الاكتشاف بالنسبة لي هو أن القريبين سافروا بعيداً وهم بجواري في الوقت الذي تجاوز فيه صديقي شاشة هاتفي وقام بالتواصل معي أكثر من القريبين مكانياً، تواصل مع كياني بما يحمله من أفكار، عرَفني كما أنا لا كما يرغب في أن أكون عليه، قَبِل ببساطة كوني إنساناً وتقبَّل بتفهُّم التمايُز. لقد تواصل على مستوى أعمق من المستوى الحِسي المحيط بنا ويُغلف حياتنا، لا يرى في التواصل رجلاً وامرأة، لكنه يرى أبعاداً أخرى في تواصل الكِيانات.

وبالفعل، لم تعبُر الأفكار فقط الحدود، ولكن التواصل والتفاعل والمشاركة أيضاً وسبقها جميعاً التفهم. صديقي عبَر الحدود وما زال محافظاً على الحدود لا تضايقه ولا تضايقني أيضاً.
لي صديق رأيته وإن لم أره بعد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.