المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل قرصيفي Headshot

عندما وقف ابن المسؤول في الطابور

تم النشر: تم التحديث:

داخل مؤسسة حكومية في دولة "قانونستان" وهي إحدى دول العالم الثالث وتشبه جاراتها كثيرا في جميع النواحي، اصطف طابور طويل من المواطنين من أجل الحصول على إحدى الوثائق الحكومية، فيما كان الموظف الممتعض من مقاطعة المواطنين لحديثه الشيق مع زميلته ينظر إليهم كما ينظر المدرس إلى أحد الطلاب المثيرين للشغب، وفجأة دخل السيد نزيه وهو ابن أحد المسؤولين الكبار في "قانونستان" وكان نزيه يومها يرغب بالقيام بمغامرة شيقة، وهي الوقوف في الطابور كأي مواطن عادي وتطبيق القانون على عكس عادة المسؤولين وأبنائهم في "قانونستان"..

وقف نزيه في الطابور.. وأخذ يراقب ويستمع لأحاديث وتصرفات المواطنين، ولاحظ السعادة الكبيرة على وجه المواطن الذي جاء دوره ليقف عند شباك الموظف، فرحة ما لبث أن زالت حينما تجاوز شاب عشريني الدور وحاول إبعاد هذا المواطن معرفاً عن نفسه بأنه ابن المسؤول "أبو مهذب"، وأنه على عجلة من أمره، لكن المواطن رفض بشدة فانتهى به الأمر مطروداً من الباب الخلفي للمؤسسة، فيما حصل السيد مهذب على وثيقته خلال دقيقة واحدة.

"سأحترم القانون عندما يكون القانون محترماً"، جملة شهيرة من فيلم Suffragette الذي يتحدث عن نضال النساء الإنجليزيات في سبيل الحصول على حقهن في الانتخاب، ولكن ذلك لا يهم فنحن الآن نريد أن نعرف متى سيحصل المواطن "القانونستاني" على حقه في ألا يطرد من الطابور لأنه رفض أن يؤخد دوره!

القانون ببساطة هو مجموعة القواعد التي تحكم علاقة الناس ببعضهم وحقوقهم وواجباتهم، وتحدد شكل العلاقة بين الأفراد والمؤسسات والدولة، وكيفية معاقبة من يخالفون هذه القواعد، ويفترض أن القانون لا ينظر إلى صفة من يقوم بهذه المخالفة قبل معاقبته، بل إن بعض القوانين تشدد العقوبة لمن يرتكب المخالفات مستغلاً صفته (الاعتبارية).

لماذا إذن يقف المواطنون في الطابور إذا كانوا قد رأوا كيف رُمي بأحدهم خارجاً لأنه رفض التخلي عن حقه؟ هذه الظاهرة ليست بحال من الأحوال احتراماً للقانون، بل هي خوف من العقوبة، ولو أمن أحدهم العقاب كالسيد مهذب لما تردد في مخالفة القانون.

البشر بمختلف جنسياتهم وأعراقهم متشابهون كثيراً، والمواطن الغربي أو الياباني ليس نوعاً متفوقاً على المواطن "القانونستاني" وليس أفضل أو أسوأ أخلاقاً، واتباعه للقانون ليس بالضرورة ناتجاً عن أخلاق وتربية وأنا لا أنكر وجودهما عنده، لكنه قبل كل شيء يطبق القانون لأنه قاعدة عادلة تسري على الجميع، على الغني قبل الفقير، وعلى المسؤول قبل المواطن وعلى القوي قبل الضعيف، القانون وحده الذي يضمن تحديد كيفية تصرف الإنسان ضمن مجتمعه، وخير مثال هو مشاهد الضرب العنيفة والشتائم التي تعج بها Black Friday أو "الجمعة السوداء" في أميركا، حيث تصل التنزيلات في المحال التجارية إلى 70٪ حينها تصبح القاعدة في تلك المتاجر "من يمسك السلعة أولا يحصل عليها"، فتبدأ حوادث الضرب التي أدت لوفيات أحيانا من أجل جهاز تلفزيون! أما باقي السنة فتجد نفس المواطنين في نفس المتاجر يصطفون بكل نظام وترتيب لكي يدفعوا سعر ما يريدون شراءه بكل هدوء.

القانون الذي لا يطبق على الجميع بالتساوي يصبح مجرد قواعد وعقوبات اعتباطية ظالمة موجودة لتكريس سلطة القوي على الضعيف، ولحماية مصالح هذا ونفوذ ذاك، ومن السذاجة بمكان أن نطلب من مواطن ألا يتجاوز إشارة المرور حين يرى ابن "فلان" يتجاوزها دون أن يجرؤ شرطي المرور أن ينبس بكلمة، فيما يصرخ الشرطي نفسه بسائقي سيارات الأجرة لأنهم كادوا يتجاوزون الإشارة، وإنه لأمر مستفز أن ندين مواطنا رمى عقب سيجارة على الأرض، ونتناسى السيد مهذب الذي رمى مواطنا خارج مؤسسة لأنه رفض التخلي عن حقه الذي نص عليه القانون.

وطالما أن القانون لا يطبق على الجميع بالتساوي بل تحول لعصا لكبت الضعفاء ومنع انفجارهم جراء ظلم الأقوياء، فعلينا أن نتوقف عن خداع أطفالنا في المدارس بكلمات مثل "القانون فوق الجميع" كي لا يصابوا بصدمة عندما يصادفون السيد مهذب في موقف ما!

إذا كنت مواطناً من دول العالم الثالث فمن الطبيعي أن تبتسم وأنت تقرأ هذه الكلمات، فكما قلت "قانونستان" تشبه جاراتها كثيراً، ولا بد أنك صادفت في بلدك السيد "مهذب" في موقف ما، ولا بد أن كلمة قانون قد أصبحت شاحبة مهترئة في بلدك كما هي اليوم في "قانونستان".

كدت أنسى صديقنا نزيه المنتظر في الطابور، والذي أراد أن يكون مواطناً عادياً، عشر دقائق من الانتظار كانت كافية كي يصاب بالملل، فذهب إلى شباك الموظف واضطر أن يكشف عن هويته، ثم أخذ وثيقته بغضون دقيقة معاهداً نفسه بألا يكرر مغامرته المملة في تطبيق القانون، وخرج عابساً فيما تلاحقه ابتسامات المواطنين وهم يقولون في أنفسهم: يحيا القانون!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.