المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل قرصيفي Headshot

كل شيء بدأ في المدرسة

تم النشر: تم التحديث:

المدرسة هي تلك المؤسسة التي يفترض أن تقوم عليها المجتمعات، والمرحلة التي يتعلم فيها الطفل أساسيات الحياة والأخلاق, كما يتعلم الحساب وكيف يقرأ ويكتب وكيف يحلل ما يقرأه, أو على الأقل هكذا يفترض أن يكون الوضع، لكنني كطفل عربي تعلمت أنا وزملائي في الصف العديد من الدروس الأخلاقية التي أراها أهم بكثير من القراءة والكتابة والحساب.

فمنذ الصف الأول كان المدرس لا يدخل علينا الفصل إلا والعصا في يده، ولتلك العصا استخدامات مختلفة، فهي لضرب المتأخرين والكسالى، ولتحفيز المتفوقين على الدراسة؛ كي لا يعزف المدرس أنغامه على جلودهم، وفي بعض الأحيان لرسم شكل ما على اللوح، وباختصار كانت العصا وسيلة لضبطنا، لا أدري لِمَ عاملونا كالخراف لكننا بشكل أو بآخر تعلمنا درسنا الأول: احترام العصا لا احترام الشخص.

وهكذا كان من لا يملك عصا شخصاً غير جدير بالاحترام في مدرستنا، وأذكر تماماً عندما أحضروا لنا مدرساً في الصف الخامس لا يحمل عصا بيده، حاول المسكين معاملتنا كأطفاله لكننا قفزنا بوجهه كالقرود وبدأنا نصيح كالديكة، ووصل الأمر بالبعض لقذفه بالأوراق، وفي اليوم التالي استقال المدرس وأحضروا لنا واحداً آخر بيده عصا ويا لها من عصا تشبه تلك التي يستخدمها أبطال المسلسلات الكرتونية، وهكذا شعرنا بنشوة أن نعود للانضباط، ذلك الانضباط الذي يفرض بالعصا!

الدرس الثاني كان أكثر أهمية لنا بسبب تبعاته المستقبلية، فمعلمتنا اللطيفة كانت كلما همت بمغادرة الصف لدقائق تطلب من أحد الطلاب ويدعى "العريف" أن يدون اسم كل طالب يتفوه بأي كلمة مهما كانت؛ لكي يضرب بالعصا عندما تنتهي المعلمة من تناول قهوتها، وهكذا تعلم صديقنا "العريف" كيف يصبح مخبراً محترفاً منذ الصغر، وتعلمنا نحن كيف نتجنب المخبر إما بتوطيد صداقتنا معه، أو بضربه عندما يكون وحيدًا ولا تتواجد (المعلمة) لحمايته.

الدرس الثالث كان تجربة شخصية بحتة، ففي الصف السادس كنت من المتفوقين بمادة اللغة الإنجليزية وحصلت على العلامة التامة فيها بالمشاركة مع أحد زملائي الذي تصادف أنه ابن (الآنسة)، كما ندعو المعلمات في سوريا، وكان من المفترض أن أشارك في مسابقة "الرواد" للمتفوقين في المواد الدراسية، ولكن لسبب ما تم اختيار زميلي عوضاً عني رغم أننا حصلنا على الدرجة نفسها، وعندما سألت معلمتي عن السبب كان جوابها "ما حبينا نضايقك"، وهكذا تعلمت درساً مهماً في الحياة داخل بلدي: مسكين من لا (آنسة) له!

المنطق أيضاً شيء يفترض تعليمه في المدرسة، لكن الحال عندنا مختلف، فالمدرس أراد يوماً تعليمنا الاقتصاد في الطعام فضرب لنا مثلاً بشخص استمر في تناول الطعام حتى وصل إلى حلقه ثم اختنق! وبعد التشاور مع صديقي قررنا أن نخبر الأستاذ بصوت عالٍ أن الإنسان ليس كيساً فارغاً ليمتلئ بالطعام، فمن المعروف أن تناول الطعام الزائد عن الحاجة يؤدي للقيء، ابتسم المعلم عندما سمع جوابنا ثم رمى بنا خارج الفصل بحجة "قلة التهذيب"، فخرجنا أنا وصديقي باستنتاجنا الأهم في الحياة: التحدث بمنطقية سيطيح برؤوسنا يوماً ما!

اليوم وأنا على أبواب التخرج في الجامعة أتجول في شوارع مدينتي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وأشعر بمتعة خاصة عندما أقارن كل إنسان مجنون ومغرم بالعنف أو مجرم أو منحط أخلاقياً بالنسخة المصغرة منه التي كانت تجلس على مقاعد المدرسة، نسخة لا يبدو عليها العنف أو الإجرام، صغيرة وبريئة ما كانت لتصل إلى ما هي عليه لو أنها عوملت كالبشر بعيداً عن التهديد بالعصا والعريف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.