المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل قنديل Headshot

أنصفني عبد الفتاح السيسي

تم النشر: تم التحديث:

الآن بعد أن اعترف عبد الفتاح السيسي في حواره التلفزيوني، المسلي، بأن ما جرى في الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013 قد تم التخطيط له قبل هذا التاريخ بفترة طويلة، هل لا يزال أصحاب نظرية 30 يونيو شئ، و3 يوليو شئ آخر، متمسكين بهذا التقسيم المتعسف لحدث واحد، أو بالأحرى حادث، أو على وجه الدقة جريمة واحدة؟

عبد الفتاح السيسي أنصفني بشكل شخصي، وأقر وهو الفاعل الأول في جريمة السطو المسلح على ديمقراطية وليدة، لامستها مصر بعد ثورة يناير 2011، حين أكد ما ذهبت إليه، في غير مناسبة، من أن الثلاثين من يونيو/ حزيران انقلاب عسكري مكتمل الأركان، اعتلى سطح ثورة مضادة، اصطنعتها المؤسستان، العسكرية والأمنية.

وبعيدا عن أن السيسي يريد بهذا الكشف المثير أن يقول إنه لا فضل لأحد عليه في تنفيذ مخططه، لا شعب ولا نخب ولا تيارات تصنف ليبرالية ويسارية وقومية، وأن العملية كلها فخر إنتاج مطابخ الدولة العسكرية العميقة، ومن ثم فليس في رقبته، وليس عليه فواتير واجبة السداد لأحد، فإن الحقيقة الناصعة تقول إن مؤامرة نفذها الجنرالات على الرئيس المنتخب، هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن.

وقد سبق وأن تناولت قصة الانقلاب العسكري، في مناسبات عدة، وفي كل مرة كانت تأتيني ردود غاضبة، بعضها متشنج، يحمل اتهامات بالتجني والمبالغة، وها هو السيسي يقطع بأن المخطط بدأ مبكرا للغاية، ما يجعل من ارتجاله فضيلة، واسترساله في الثرثرة نعمة.

في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من أغسطس/ آب من العام الماضي نشرت مقالين، الأول بعنوان "انقلاب 24 أغسطس في مصر" والثاني تحت عنوان " نفايات ميدان: ريحتكم طلعت" أستميحك عذرا في تذكيرك بهما، على ضوء تصريح السيسي المثير:

1-قطع عكاشة قول كل حمدين.. قالها بعبارات صريحة: أنا من أعضاء مجلس قيادة ثورة 30 يونيو (المضادة بالطبع). صدق عكاشة فيما قال، وشهد وأقر بما كان يحاول "بكوات يناير" إخفاءه.

يعلن عكاشة في السهرة المجمعة لأبواق إعلام الانقلاب، المحمول فوق أكتاف ثورتهم المضادة، أنه ورفاقه أصحاب البلد، هم أصحاب الفضل على عبد الفتاح السيسي وسلطته، هم الذين قادوا الثورة المضادة.

كم مرة سمعت من عكاشة وفريقه عبارة "بالجزمة"، يشهرونها في وجه كل من يتحدث عن ثورة يناير، أو يدّعي وصلا محرما بينها وبين عملية الثلاثين من يونيو/ حزيران، العكاشية العسكرية بامتياز؟

هل تذكر ذلك المنشور العسكري الذي راج في عام 2011، بعد خلع حسني مبارك مباشرة، ويحمل تعليمات مشددة للوحدات بعدم تشغيل أية قنوات تلفزيونية داخلها، إلا "فراعين عكاشة" ومثيلاتها من "فراعين ماسبيرو"؟

هل تذكر ذلك الاعتراف المذهل الذي ظهر على غلاف مجلة "روز اليوسف" الحكومية، في صيف 2011، على لسان مجموعات شكلت فيما بعد خميرة الثورة المضادة، من جماعة "آسفين يا مبارك"، وفيها أنهم ذهبوا للمجلس العسكري وللنائب العام، فسمعوا منهم ما يدعم مشروعهم لإعادة دولة مبارك؟

نشرت المجلة تحقيقاً، في ذلك الوقت، نقل فيه محرره عن قيادات الثورة المضادة أنهم تواصلوا مع المجلس العسكري بشأن حملة توقيعات، للمطالبة بعدم محاكمة مبارك، فلم يبد المجلس ممانعة: "المجلس العسكري قال لنا إذا حصلتم على توقيعات كثيرة سيتم التحرك الإيجابي نحوكم ونحو مطلبكم".

تساءلت وقتها "هل يدعم المجلس العسكري الثورة المضادة"، وانتظرت أن يغضب الجنرالات من التساؤل، أو يحاولوا نفي وتكذيب المنشور في مجلة حكومية. لكن، لم يحدث.

فعلا لم يكذب عكاشة، فلحظة الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013 كانت المتممة للمشروع الذي بدأ مبكرا جداً، برعاية مجلس عسكري مبارك، واتخذ أول أشكاله المحددة في مثل هذا اليوم من العام السابق له، وتحديدا في 24 أغسطس/ آب 2012، بعد أسابيع قلائل من وصول الدكتور محمد مرسي إلى رئاسة مصر منتخَباً، ففي ذلك اليوم ولد الانقلاب، عملياً، على يد أنصار أحمد شفيق، حيث انطلقت جميع الفضائيات المملوكة لرجال الأعمال، إلى جانب ماسبيرو، تروّج ما أسميته وقتها "ثورة 24 أغسطس، أو ثورة الوطنية المهندسة وراثياً"، والتي جمعت كل العكاشيين في مصر، أمثال أحمد الزند ومصطفي بكري وتهاني الجبالي، وذلك الشاب الصاعد الواعد المتوعد حامل راية "الدولة العكاشية"، محمد أبوحامد، الذي وقف، في نهاية مارس/آذار الماضي، بين يدي قاتل محترف، دين بالعمالة للاحتلال الإسرائيلي، لكي يلقي فيه قصيدة شعر صلعاء، يصف فيها سمير جعجع بأنه "رمز الثورة والصمود"، ثم يقول له "شكرا سيدنا.. لقد ألهمتنا". وفي جملة واحدة، كانت ثورة كل الذين تجرعوا مرارة انتصار مرسي "والثورة" على شفيق "والثورة المضادة".

كانت أعدادهم هزيلة، ومنطلقاتهم مضحكة، حتى أنني كتبت، وقتها، ساخراً من الدعوة "انزل وشارك، تأسياً بأفكار ومبادئ العلامة الدكتور توفيق، رمز الوطنية المصرية المهندسة وراثياً، الذي يعترف بملء الفم، وعلى الهواء مباشرة، بأنه تربطه صلات بقادة إسرائيليين، وقد مشى بأقدامه على أرض إسرائيل في زيارات متعددة. ولا يخجل من الإقرار بأن الأراضي الفلسطينية المحتلة من حق اليهود، وليس للمسلمين في القدس إلا زيارة المسجد الأقصى. إن بعض من يفكرون في المشاركة في مظاهرات يوم 24 أغسطس المقبل ربما لديهم أسباب أخرى بريئة للنزول، غير أن أحداً لا يستطيع أن يتجاهل أن الأصل في هذه الدعوة أن مصدرها بقايا مهاويس المخلوع السجين، وعاشقي تراب البيادة، ومن تبقى من أنفار حملة الجنرال الفار."

تلك كانت لحظة الانطلاق على الطريق إلى الثلاثين من يونيو 2013، وكان خطأ فادحاً أن تعاملنا مع تلك اللحظة بوصفها مناسبة كوميدية، أو فقاعة ستختفي، ولم نحسب حساباً لمن يقف هناك في الخفاء، ليصطاد الفقاعات وينميها، ويعبئها بكميات إضافية من الهواء، حتى تنتفخ وتصير بالوناً، يفجره في اللحظة المواتية، وهو ما حدث.

من حق عكاشة وفريقه أن يتباهوا بأنهم كانوا القيادة التي ركبت فوق ظهور الإقطاعيين الكبار داخل منظومة يناير، ممن مارسوا على الجماهير أكبر عملية خداع في تاريخ الثورات، بأن حشدوا الناس بأكذوبة أن 30 يونيو هو المكمل لثورة 25 يناير، ثم مارسوا فيما بعد خداعاً لأنفسهم وللتاريخ، حين زعموا أن 30 يونيو شيء و3 يوليو شيء آخر. وهذا موضوع آخر.

2- بعد سبعة أسابيع فقط من تسلم الدكتور محمد مرسي منصبه رئيسا للجمهورية، كانت الدعوة للانقلاب عليه وعزله من الحكم، قد صدرت من معسكر المرشح الخاسر، الهارب، أو المُهّرب إلى دولة الإمارات، ووفرت أجهزة الدولة العميقة، جيش وشرطة وقضاء وإعلام، كل أشكال الدعم لمطلقيها.

وبالفعل كانت الصورة المضحكة عند المنصة، على مقربة من مقر وزارة الدفاع، ومقر الأمن الوطني تشي بعديد من الألغاز، ذلك أن عدد سيارات الإسعاف والتأمين المخصصة للحدث كانت تفوق عدد المتظاهرين، غير أن اللافت وقتها أن التظاهرة الأقرب إلى المسخرة، كانت ترفع صور وزير الدفاع في ذلك الوقت المشير حسين طنطاوي، ولافتات بذيئة تهاجم الحكومة القطرية، وتهتف بحياة حكومة الأمارات.

كان المشهد من العبثية والابتذال، ما لم يدفع أحداً للانتباه والتفكير في أن هذه بداية مبكرة جدا للثورة المضادة، والعزم على الإجهاز على فكرة التغيير بعد ثورة يناير، ثم بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا، عقب إعفاء وزير الدفاع ورئيس أركانه، ومدير المخابرات العامة، بعد مذبحة الجنود في رفح، إذ انطلقت حملات يتبناها إعلاميون ومثقفون، أمضوا جل حياتهم فيما اعتبروه نعيم الحكم العسكري، تدعو لتوكيل الجيش بإدارة شئون البلاد.

ولم يكن من قبيل الصدفة في ذلك الوقت أن تغرق شوارع القاهرة بإعلانات مبهرة عن إطلاق محطة إذاعية جديدة على موجة "إف إم" تحمل اسم "راديو 9090" تجتذب إليها كل أصوات نجوم شاشات الثورة المضادة، وتغطي بتوسع كل الفعاليات الخاصة بتظاهرات مناهضة لحكم الرئيس مرسي، وسريعا تجمعت المعلومات لتكشف أن المحطة الجديدة التي ينفق عليها ببذخ يصل حد السفه، تتبع المخابرات الحربية، بعد تعيين مديرها عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع.

تقريبا كان إطلاق راديو "9090" متزامنا مع إطلاق ما عرفت بجبهة الإنقاذ، وتكوين حملة "تمرد" واشتعال حملات التحريض على محاصرة قصر الاتحادية وعزل الرئيس المنتخب، بما يشير إلى أن المنتجات الثلاثة صنعت في ورشة واحدة، في إطار مشروع كان يرى أن ٢٥ يناير ٢٠١٣ موعد مناسب للإطاحة بالرئيس، غير أن ثمة تعقيدات حالت دون ذلك، فتم التأجيل إلى ٣٠ يونيو/ حزيران .

إن شهادات عديدة من معسكر ثوار يناير بدأت تظهر الآن، ناطقة بخبايا وأسرار المؤامرة أو المقاولة، التي ضلع فيها كثير من الأسماء والرموز المحسوبة على الثورة، ممن قرروا العمل في خدمة الانقلاب العسكري والثورة المضادة، وتضم القائمة نوابا سابقين وسياسيين، جرت مكافأة بعضهم، بشكل مؤقت، بعد نجاح الانقلاب.

لقد أخذ هؤلاء "الرموز" على عاتقهم مهمة تسليم ميدان التحرير للثورة المضادة، ونشطوا في محاولات تجنيد شباب يناير للانخراط في مشروع الانقلاب على الثورة، ولعبوا أدوارا في عمليات الإغواء والتجنيد والتسليح، كوكلاء عن مهندسي الثورة المضادة القابعين خلف الستار، يديرون ولا يظهرون، وقد سجلت الناشطة غادة نجيب شيئا من ذلك، بشكل عابر، والآن يدشن الناشط الشاب "مهند سمير" شهادته في هاشتاج يحمل اسم #وسخات_ميدان يكشف فيه بالأسماء والتواريخ والأرقام حجم المؤامرة التي نفذها "وجهاء يناير" ممن ارتضوا أن يلعبوا أحط الأدوار لقتل أعظم ثورة شعبية في تاريخ المصريين.

وإذا وضعت شهادات الثوار الذين استعصوا على غواية "مقاولي الانقلابات" إلى جانب تلك الاعترافات العكاشية لجحافل الثورة المضادة، فإنك لن تحتاج لجهد كبير كي تدرك أن كل الكلام عن أن "٣٠ يونيو" كانت موجة مكملة، أو تمت لثورة يناير بقرابة من أي نوع، هو استمرار لعمليات الخداع والنصب السياسي، من أولئك الذين قرروا السقوط وهم في كامل وعيهم، من النخب السياسية، التي استبدت بها الكراهية إلى درجة إحراق كل ما اخضرّ، وهدم كل ما ارتفع.

يمكنك أن تلتمس العذر لشباب وثق في رموز مارست عليه أبشع عمليات نهش الوعي، فقادته إلى العمل في خدمة من قتلوا أحلامه، لكن ما هو عذر هؤلاء "الرموز" ممن يعرفون حساب المآلات والمصائر في الثورات الشعبية؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.