المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل خورشيد Headshot

ثورة الغلابة.. صراع العروش والبطون

تم النشر: تم التحديث:

نعاني كما يعاني أي مواطن آخر من تبعات قرار شباب مصر التحرك نحو التغيير قبل خمسة أعوام وشهور من الآن، وأصابتنا العثرات وقلة الخبرات، وفقدنا مَن فقدنا وتعلمنا ما تعلمنا، ولكن الأهم وما أحتاج أن أنبه له أن الحراك لم ينتهِ، وإنما تحور، كما الفيروسات، تتحور لتتمكن بشكل أو بآخر من تخطي مناعة الجسم.

ورغم أن الخروج الأول كان هدفه نصرة الفقير، فإن هذا الأخير كان أول من ضرب الحراك في مقتل، هو نفسه من حاولنا الانتصار له، وكان موقفه هذا ليس رغبةً منه في العيش الذليل، قدر رغبته وغريزته في البقاء، كأي إنسان يعيش في ظروف صعبة، تقوده غريزة البقاء نحو التكيف مع الواقع.

وها نحن الآن نقترب من لحظات مصيرية أخرى، قد تسجل وتغير مجرى التاريخ، وربما لا، نقترب الآن من تحول جديد، ذلك التحول يتلخص فيما يعرف بـ"ثورة الغلابة"، التي من المقرر أن تنطلق في 11/11 القادم.

تلك المرة ليست كأي مرة، فهي مرشحة بقوة لأن تنتهج طريق القوة، كما أنها مؤهلة لأن تكون لا شيء، فقط مجرد سطر جديد في كتاب حياة كل مواطن، طبقة جديدة من النار داخل بركان ثائر، ولكن لم ينفجر بعد.

لا نحتاج لسرد أسباب، فالكتاب مفتوح أمام الجميع، وكل فرد يعرف قصته، ولكن الأهم أن الأمر تلك المرة ليس له علاقة بالحريات أو الديكتاتوريات، فقط يتعلق بلقمة العيش، "ألف باء سياسة".

ولأننا أمام حقيقة واقعة، وهي أن التحرك بغية لقمة العيش، فنحن أمام نار حارقة، ولكنها أيضاً يمكن أن تنطفئ سريعاً بفضل توجيه الماء على قاعها.

قرأت كما قرأتم بالتأكيد من كتب أنها "فخ أو مؤامرة" حتى إن أحدهم استدعى ما حدث في تركيا من محاولة انقلاب مشوهة وألصقها بحالنا، وذلك طبعاً بعد أن افترض أن ما حدث في تركيا انقلاب بصناعة أردوغانية.

ولكن وحتى لو افترضنا صحة ذلك، وأنه كان انقلاباً مصطنعاً، هناك حقيقة تهدم هذا الاعتقاد، ففي تركيا كان هناك طرفان يتباريان لكسب ود الشعب، والخطاب يتقافز بين حماية العلمانية والدولة الأتاتوركية أو حماية الديمقراطية، وفي الحالتين لم تكن الغضبة من المواطن، إنما كانت تحركات من مؤسسات حاولت استمالة المواطن لنيل بغيتها (السلطة)، وهو ما لا يمكن تطبيقه على الحالة المصرية بأي حال من الأحوال، ولهذا أسباب وجيهة.

في مصر من سيخرج هم الجياع، وهؤلاء لا يُؤمن طرفهم، فلا يمكن أن تدعوهم الدولة للنزول، ثم تدعوهم للعودة لمنازلهم، هؤلاء خارج حسابات السياسة وتقديرات الخبراء، إنهم يمثلون الغضب الأسود، ويجسِّدون المثل الذي يقول: "اللي يحضر الجن وما يعرفش يصرفه يعرف إن الجن هيقرفه"، هذه واحدة.

وأيضاً، من الملاحظ ولا يحتاج لبحوث أو استطلاعات للرأي، أن دعوات ثورة الغلابة انتشرت على لسان هؤلاء الغلابة، فلا هم يرون إخواناً ولا يرون مؤامرة، فقط يحركهم الغضب، وليس هناك حسابات أخرى، وهذه الثانية.

أما ثالثة القول، فهي تلك المتعلقة بتعامل الإعلام، نبرة الخوف واضحة، فبين أحدهم يحاول أن يوهم الناس بالياقوت والمرجان القادم، وآخر ينذرهم من وضع سوريا والعراق، لا يمكن أن يكون توجهاً من الدولة لدفعهم للخروج، وإنما هي نغمة ترهيب، بعدما فشلت محاولات تغييب 11/11 عن عيون الناس، وباتت حاضرة بقوة.

وأيضا، ورابعاً، يمكنكم أن تلاحظوا أن من يعرفون بـ"النشطاء أو شباب الثورة"، أو بمعنى أدق من بقي منهم خارج السجون، أو حتى على المستويات الشخصية لهذا الشباب المجهول الذي شارك منذ بداية الأمر، الجميع لا يقبل ذلك، ويخشى مغبته، ولا أحد يدعو أو يحاول أن يدعو للنزول، الجميع يترقب.

وننوه هنا بأنه لا يمكن أن يبنى على دعوة من جماعة الإخوان للنزول أو للقعود، فهم على كل حال لهم حساباتهم، وهم أغبياء بالأصل، فلا يمكن أن يؤخذ من موقفهم أو يرد عليهم بشكل عقلاني، طالما لم تتغير العقلية البالية.

نأتي للسؤال: مَن دعا للنزول؟ لا أحد يعرف، أو أنا شخصياً لا أعرف، ولكن ما أعرفه أنها دعوة وجدت لنفسها طريقاً لنفوس الغاضبين والفقراء والمطحونين، ولا ندعي أننا لسنا منهم، إن كنت أدعي أنني لست أتعامل بطريقتهم.

ولو افترضنا أن تلك مؤامرة، فيناير/كانون الثاني كانت كذلك بالقياس، وهو أمر مرفوض؛ لأنه لا يهم مَن دعا، وإنما الأهم من لبَّى النداء.

والآن ما نحتاج للحديث عنه: إلى أين ستتجه الأمور؟ ذلك السؤال جوابه صعب، فلا يمكن لمحلل أن يؤكد أو ينفي، القرار يعود للشارع.

ولكن نحتاج هنا للتنويه بأمر أن التركيز على الشيء يضعك في قلب هذا الشيء، بمعنى أن العقول الباطنة مشغولة بثورة الغلابة، والعيون لا ترى غيرها، وما سواها مجرد خيالات عابرة.

مثال، بالتأكيد تذكروا تلك الفترة التي انتشرت فيها الحرائق في مصر قبل عدة أشهر، في الحقيقة كانت أمراً طبيعياً، وأي ممارس لمهنة الصحافة، وتحديداً صحفي الحوادث، يعلمون أن الحرائق موجودة بشكل يومي ودائم، كل ما في الأمر أن هناك حريقاً كبيراً لفت الأنظار، واحتاج الأمر لوقت لكي تزيغ العيون عن النيران.

بالمثل، ثورة الغلابة لفتت الأنظار، أي احتجاج أو اعتراض أو غلاء سيتم توجيهه مباشرة لطريق 11/11، ولنا في الواقع أدلة، فمنذ عدة أيام أحرق أحد المواطنين نفسه، فتحول لـ"بوعزيزي" مصري، وفي بورسعيد تظاهر الناس لرفع أسعار شقق الإسكان، فاعتبرت بداية إرهاصات للحدث، وهتف الناس: "ارحل".. الحشود والعيون تستدعي الحدث بقوة.. ولكن هل سيقع أم لا؟ هو أمر في علم الله، ولكنه مرشح بقوة للحدوث.

أما عن المآلات، تتعلق بتطورات الأحداث وتعامل الحكومة مع الموقف، قد لا تبدأ من الأساس، وقد تنتهي بلا شيء، وقد تنتهي بإقالة الحكومة، وقد تمتد للسيناريو الأقصى وهو رحيل السيسي.

وعن التأثيرات، فمن دون أن تقع فإنها ستؤثر، فلا استثمار سيأتي ولا سياحة ستزدهر، ولا قرض سيصل، ولا دولار سينخفض، ولا شيء، حتى تمر تلك الموجة، وحتى الحكومة لن تستطيع تعويم العملة، ولن تستطيع جباية ضرائب أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.