المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل آل بن علي  Headshot

"فلنبدأ من حيث ما انتهى منه الآخرون"

تم النشر: تم التحديث:

كثيراً ما وردت تلك العبارة على مسامعنا، أو شاهدنا الكثيرين من أعلام الساسة والاقتصاديين ومحركي العوام، ومن يدعون حقيقة أو "زيفاً" الإصلاح; بالحث على البدأ من حيث ما انتهى منه الآخرون. (والمقصود هنا الناجحون). ولنتمكن سوياً من تفسير عدم صلاحية هذه العبارة في زمننا هذا، يجب أن نتفق الآن.. وقبل أن نكمل المقال; أن البشر أخيار وأحرار طالما لكل منّا عقل ورأي. وأن ما قد مضى من تناولٍ/ تداولٍ لشعارات (رنّانة معجونة بنكهات استهجانية، إصلاحية قوميّة)، مورست في زمن مختلف; ظلت ولا تزال مجرد صيحات لشحذ همم الكسالى... فلكل زمن دولة ورجال.

فلنبدأ من حيث ابتدأ الآخرون. (والمقصود هنا السابقون)

إن الظروف المعيشية في المدينة "الفاضلة فلسفيا"، حسبما يحلو للبعض مِمَّن لا زالوا يحلمون بتحقيقها في دولنا.. قاب قوسين أو أدنى من تحقّقها في الدول المتقدمة، والتي استطاعت أن تبدأ بإرادتها الخاصة، ووفق معطيات ومقدّرات; رُغمت على بعضها، وتحدّت على إِثرها الصعاب، ونجحت في صناعة ظروف معيشية فريدة، رغم اختلاف المناهج البشرية (آفة الزمن: اختلاف الأديان/الأعراق) للصناع نفسهم، إلّا أنها راهنت على إثبات هوية مقتدرة; أعدتها وصقلتها مقومات وظروف الحياة.

إن البشر متشابهون إلى حد كبير... نحن نهوى العيش في حياة بسيطة واضحة وشفافة... فأشدنا تطرفاً; تتراخى تشنجاته عند زيارة تلك المدن "الفاضلة منهجياً" والتي بدأت من حيث ما ابتدأ الآخرون... كوفنتري مثلاً، تلك المدينة التي تقع في غرب وسط بريطانيا، هي بالتحديد نموذج عشوائي لمدينة عريقة تزخر تفاصيلها بالمعالم الأثرية والتي تعود للقرن الخامس عشر. شهدت دماراً شاملاً إزاء الحرب العالمية الثانية. فما إن دأبت إلى البدء ببناء ذاتها من جديد حتى وصلت اليوم إلى ما وصلت إليه، إذ تعتبر من أهم المراكز الصناعية في بريطانيا العظمى... فأستسمحكم إعادة قراءة الفقرة واضعين في خيالكم التساؤل "ماذا لو كانت مدينة عربية" شهدت دماراً - سواء حروب/ فكر/ تناحر .. الخ- فهل ستصل إلى ما وصلت إليه كوفنتري اليوم!؟... إن هناك اختلافاً جوهرياً في النهاية المقررة لكل مجتهد منا، هم السعداء ونحن التعساء... فهل نبدأ من حيث ما انتهى منه الآخرون أم نستفيق.. ونبدأ من حيث ابتدأ الآخرون؟

لنسأل أنفسنا سؤالاً مكوناً من ثلاثة محاور: هل نستطيع يوماً أن نعبّر عن أنفسنا بتلقائية مجرّدة من التحضير والتمرين، ممتطين منبراً إعلامياً في مؤتمر صحفي في البنتاغون مثلاً لنعبّر عن رأينا بإجادة متناهية وشفافة؟

من أنا/ نحن؟
ما الذي أجيده/ نجيده؟
لماذا يعتبر أمراً مهماً؟

إن هذه الأسئلة من شأنها أن توضح أو تكشف حقيقة مرّة... واسمحوا لي مرة أخرى أيها الكرام أن أذكر موقفاً خاصاً. ففي إحدى الدورات التدريبية سألني المحاضر سؤالاً متوقعاً وعادة ما يسأل عند الانضمام لفريق التدريب: "عرّف عن نفسك"، فذكرت بكل سلاسة ما ورد في ذهني من تسلسل: "أنا فلان، أبلغ من العمر كذا، موظف في كذا". ولا أعتقد أن في إجابتي أمراً يستحق الإشارة! إلا أن الترحيب من المحاضر أتى بشكل مغاير... وهو: هذا فقط ... ما تعرفه أنت عن نفسك!

إن أسلوب التعليم وأسلوب التدريب اليومي الذي نتحصله تراكمياً سواء بممراسات يومية أو عن طريق رسائل من الأهل والأصدقاء أو الإعلام عبر التلفزيون والصحافة وما إلى ذلك.. صنع منا تحجراً في العقل والرأي والحناجر، أشبه بآلة "الآنسر مشين" التي تكرر ما دفعت به من أجله. فمن بالغ في ادعائه الصحة والصلاح وهم- محركو العوام- هم من قادونا إلى تكرار تلك العبارة الزائفة والتي لا تصنع مجداً... ومن الأجدر بدلاً من أن نبدأ من حيث انتهوا; فهم ما وصل بالآخرين إلى ما وصلوا إليه، وحققوه.

الاستنتاج: إن الممارسات والتجارب والأخطاء والعبر هي مكونات ومقادير تلك النجاحات... إن استخدام المراجع لاكتشاف الخلل وتوقع احتمالية الإخفاق والتدقيق والتحليل المستمر لإمكانية توقع النجاح والتطوير الدائم دون كلل أو ملل، يحقق النتائج من أجل انفراد لا مثيل له... علينا مراجعة أنفسنا باستمرار، وطرح السؤال "ذي الثلاثة محاور" والذي تقف أمام إجابته "بذمّة وبصيرة" كل ما نحن مختلفون عليه اليوم ومتخلفون بسببه... وأذكّركم ونفسي بما بدأنا به مقالنا اليوم... إن البشر أخيار وأحرار طالما لكل منا عقل ورأي!

"فلا حلم يكتمل طالما نحن واعون ... ولا رؤية تتحقق طالما نحن نائمون"