المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وضاح خنفر Headshot

حصار قطر هو خطوة ضد قيم الربيع العربي

تم النشر: تم التحديث:

كان تحرُّك السعودية والإمارات والبحرين ضد قطر سريعاً، وتسبب به تقريرٌ إخباري مفبرك نشره مخترقون على موقع وكالة الأنباء القطرية الرسمية، وسمحت هذه الدول الثلاث بشن حملةٍ إعلامية تقودها القنوات التلفزيونية المملوكة للسعودية والإمارات.

واتُّهِمت قطر في آنٍ باستضافة حماس، ودعم جماعة الإخوان المسلمين، ومساندة حزب الله، وإقامة علاقاتٍ وثيقة مع إيران، ونثر ذرائع التحريض داخل السعودية، بينما تُبقي على علاقاتٍ ودية مع إسرائيل. وإذا كان بإمكانك فعل كل ذلك في وقتٍ واحدٍ، فأنت بدون شك ساحر.

ولا يهم التناقض بين هذه الادعاءات، فالسعوديون والإماراتيون يخاطبون جمهورَين اثنين: الجمهور الغربي، الذي ينظر إلى الصراع في الشرق الأوسط عبر منظور مكافحة الإرهاب الضيق؛ والجمهور الخليجي، الذي يعتبر الوضع خطيراً فقط عندما يتحدث أي من قادته إلى إيران وإسرائيل.

وأُعلن يوم الاثنين، 5 يونيو/حزيران، عن حزمةٍ من الإجراءات غير المسبوقة في وقت السلم، بما في ذلك: قطع العلاقات الدبلوماسية، وغلق كل الحدود، والمجالات الجوية، والممرات البحرية، وحظر سفر أي من مواطني الدول المشاركة في تلك القرارات إلى قطر، وحظر سفر القطريين والمقيمين في قطر إلى تلك الدول، وهذه تدابير لا تُتَخَذ حتى في منطقة حرب، فهي تنتهك كل قواعد الملاحة الجوية.

وكانت الذريعة المعلنة لكل تلك التدابير هي الرغبة في وقف تمويل الجماعات الإرهابية والأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة. لكن حتى الآن، لا علاقة بين تلك الحجة والمطلب الأكثر أهمية: إغلاق شبكة قنوات الجزيرة القطرية، وسعت بلدانٌ عربية عدة بشغفٍ لهذا الأمر، أولاً وقبل أي أحد كانت السعودية، منذ إطلاق القناة الإخبارية الأساسية عام 1996.

وحوَّلت شبكة الجزيرة الإعلام العربي من مجرد امتدادٍ طبيعي لوكالات الاستخبارات والأمن إلى قطاعٍ مستقلٍ يقوم على قيم الشفافية والمساءلة والديمقراطية، وهذا تحديداً ما تخشاه كثيرٌ من الأنظمة العربية الحاكمة.

وتألف الجزيرة جيداً تلك التهم التي تواجهها قطر حالياً؛ لأنَّها وُجِّهت إليها من قبل: فقد اتُهِمت الجزيرة بالانحياز إلى حزب الله، ودعم الجماعات الإسلامية وإقامة علاقاتٍ وثيقة مع إسرائيل.

وكان الربيع العربي عام 2011 هو أهم الأحداث التي غطَّتها الجزيرة، وكان ذلك بمثابة زلزالٍ سياسي مدفوعٍ بأحلام وطموحات الجيل الجديد، الذي وُلِد في خضم الديكتاتورية، لكن شبَّ في عصر الإنترنت. وسعى الشباب إلى تحويل تلك الأحلام إلى واقعٍ بالنزول إلى الشوارع، واستغلال قوة الشبكات الاجتماعية، والاستفادة من خبرات المجموعات الشبابية الأخرى في مختلف أرجاء العالم، ولم يكن محرك تلك الأحداث حزبياً، أو طائفياً، أو أيديولوجياً.

وثَبُتَ أنَّ الإطاحة بالأنظمة الحاكمة هي أسهل خطوة، فقد كانت تلك أنظمةً شائخة نخر الفساد المُتفشِّي هياكلها، وتمثَّلت الخطوة الأكثر صعوبةً في التوصُّل إلى توافقٍ وإعادة بناء الدولة على أسسٍ ديمقراطية. ولم يكن بمقدور الشباب وحدهم أداء تلك المهمة. فسرعان ما استعادت القوى المضادة للثورة، بتمويلٍ من ثروة الخليج بأكملها، السيطرة على المشهد.

وكان الخط الفاصل هو الثروة، فقد اندلعت الثورات في البلدان الأفقر مثل تونس ومصر وليبيا واليمن، بينما وقفت الدول الغنية خلف الثورة المضادة، وموَّلت الدول الثلاث التي فرضت حصاراً على قطر الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، ودعمت نظام عبد الفتاح السيسي، وموَّلت تلك الدول أيضاً وسلَّحت اللواء خليفة حفتر في ليبيا، وشنَّت حرباً مفتوحة على قوى الربيع العربي.

ونأت قطر بنفسها عن تلك السياسات، وقطر ليست بلداً ديمقراطياً، لكنَّها لم تكن معاديةً للربيع العربي.


وكان هذا السبب وراء التصعيد الخليجي الأول ضد قطر عام 2014، عندما سحبت تلك الدول ذاتها سفراءها من الدوحة وهدَّدت بإغلاق حدودها، وطالبت تلك الدول قطر بدعم نظام السيسي، ومحاربة جماعة الإخوان المسلمين، والحد من استقلالية الجزيرة.

ولم تتفاقم الأزمة؛ لأنَّ إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لم تكن محبذةً لمثل ذلك الصراع، لكن على العكس، يهيمن خصوم قطر على الموقف الراهن. وادَّعى الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في تغريداتٍ على تويتر مسؤوليته عمَّا يحدث، قائلاً إنَّ التحرُّكات لعزل قطر كانت ثمار خطابٍ ألقاه أمام أكثر من 40 من قادة الدول المسلمة شهر مايو/آيار الماضي.

ولا توجد أية علاقةٍ بين النزاع الحالي وتمويل الإرهاب أو الأيديولوجيا المُتطرِّفة، بل ولا حتى بجنوح المسؤولين القطريين تجاه إيران. فهذا استئنافٌ لصراعٍ قديم يهدف إلى تجفيف كل منابع الإرادة المستقلة استعداداً لاستعادة النظام القديم في الشرق الأوسط، غير أنَّ النظام القديم، هذه المرة، لديه قوى أمنية جديدة وقوية، نشأت بسبب الحرب على الإرهاب ودعم الرئيس الذي تخلّى عن جميع قيم الولايات المتحدة.

لكن هل سنحارب الإرهاب باضطهادٍ أكبر، أم سنتعلم من دروس التاريخ؟ الحقيقة هي أنَّ الأنظمة الديكتاتورية والفاسدة كانت حاضِناتٍ للتطرُّف في المنطقة، وقد وفَّرت عقودٌ من قمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان الأرض الخصبة للجماعات الجهادية. ورغم ازدراء تلك الأنظمة لسيادة القانون، فإنَّها لا تزال تتمتع بدعمٍ الولايات المتحدة، ونتيجةً لذلك، لا تزال منطقة الشرق الأوسط تعاني من الصراعات وعدم الاستقرار.

وينبغي ألا نعيد بناء الشرق الأوسط على الأسس التي ولَّدت الإرهاب، بل يجب علينا الانحياز إلى مستقبلٍ يلبّي أحلام الشباب، وربما يكون هذا في كثيرٍ من الأحيان طوباوياً أو غير واقعي، لكن على الأقل سنكون حينها نمضي قُدُماً، بدلاً من التعثُّر إلى الوراء.


- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.