المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وضاح خنفر Headshot

شهر من الجدل والأمل

تم النشر: تم التحديث:

الشهر الفائت كان مثيرا، فقد جدد في نفسي كثيرا من المعاني والذكريات، ويعود الفضل في ذلك إلى موقع هافينغتون بوست العربي، وما رافق انطلاقته من جدل ونقاش وصخب، أعادتني إلى ذكريات سنوات ماضية، وأحيت معانٍ كثيرة عشتها يوما بيوم على مدار عقدين من عملي الصحفي.

تسلمت إدارة الجزيرة في أكتوبر عام ٢٠٠٣، بعدما عملت مراسلا للجزيرة في أرجاء القارة الإفريقية بالإضافة إلى الهند وأفغانستان ثم العراق ظروف سياسية وأمنية بالغة الدقة عبرها الشرق الأوسط، وعندما عرض علي منصب إدارة القناة، كنت مترددا في بداية الأمر، لأنني كنت متشككا في العمل داخل غرف الأخبار وكواليس الإدارة، إذ بدت لي هادئة رتيبة، ذلك أن حبي للصحافة الميدانية بحيويتها وتفاعلها كان غامرا، معتقدا أن للإعلام رسالة، وأن رسالته تتمحور حول حق الإنسان، مطلق الإنسان، في المعرفة، ولا أجمل من أن يكون الصحفي قريبا من ذلك الإنسان في بيئته الطبيعية، يعيش الحدث ويتفاعل معه، ويقترب من الناس في همومهم وآمالهم، ولذلك اعتقدت حينها وما زلت أعتقد أن وظيفة المراسل الصحفي هي أمتع وأنبل الوظائف الإعلامية.

كان هناك جانبا واحدا مُغرٍ بالنسبة لي في الوظيفة الجديدة، وهي أن أساهم في نقل روح الميدان إلى غرفة الأخبار، قبلت التحدي، وعملت مع فريق إعلامي وإداري متميز طوال سنوات ثمانٍ، في مسيرة أبعد ما تكون عن الهدوء والرتابة، حافلة بالتحديات والإنجازات، عبر الشرق الأوسط خلالها حروبا وصراعات وثورات، وانتقلت الجزيرة فيها من قناة إخبارية واحدة إلى شبكة إعلامية عالمية تبث بالعربية والإنجليزية، وتمتلك أوسع شبكة تغطية ميدانية، تديرها غرف أخبار ينتمي صحفيوها إلى خمس وخمسين جنسية، من مختلف الأعراق والأديان والثقافات، وصُنفت الجزيرة خلالها على أنها أقوى علامة تجارية عالمية، وخامس أقوى علامة تجارية على الإطلاق.

قصة النجاح هذه لم تكن من دون ثمن، لقد فزعت أنظمة عربية وقتها من شعبية الجزيرة وانهالت الاتهامات عليها من كل جانب، مستندة على نظرية المؤامرة شديدة الرواج حينئذ، اتهمت الجزيرة بأنها صنيعة إسرائيلية، لا سيما عندما قررت استضافة إسرائيليين على شاشتها، ولا زلت أذكر مقالات في صحف مصرية تروي قصة مختلقة تماما ذات خيال أثيم جامح، عن ضابط موساد إسرائيلي يقيم في الطابق الأرضي للمحطة وإليه ترجع مقاليد الأمور!

عندما صدر قرار تعييني مديرا للجزيرة انطلقت ذات الأقلام تكتب عن أنني خيار أمريكي، وأن تعيني كان بإيعاز من بول بريمر، المبعوث الأمريكي إلى العراق، على اعتبار أنني كنت أول من أجرى مقابلة إعلامية معه، وعلى اعتبار أن وزير الإعلام العراقي الأخير في نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين اتهمني بالعمالة للأمريكيين مهددا بشنقي في ساحة الحرية ببغداد، على إثر تقاريري الصحفية من كردستان العراق.

انهالت الاتهامات وتعددت مع مرور الزمن وفقا للحدث الذي تمر به المنطقة، وتبعا لتغطية الجزيرة الإعلامية، وكان حظي منها وافرا، فكنت أجد نفسي متهما بأنني عنصرٌ فاعل في جماعة الإخوان المسلمين، وصديقٌ لحزب الله، ومقربٌ من حماس، وعميلا للأمريكان، وبوقا لهذا النظام أو ذاك، وفي عام ٢٠٠٤ انضمت إدارة جورج بوش وحكومة توني بلير إلى قائمة المهاجمين، متهمة الجزيرة بأنها تتواصل مع القاعدة ومع الجماعات المسلحة في العراق، وطالني من ذلك اتهامات شبيهة، لكن خاتمة الاتهامات الموجهة لي كانت مثل بداياتها، ففي عام ٢٠١١ استقلت من منصبي كمدير عام للجزيرة وكانت التهمة جاهزة: عميلٌ للمخابرات الأمريكية، افتُضِح أمره على صفحات ويكيليكس، في إشارة لوثيقة جرى تحريفها ونزعها من سياقها لتبدو تهمة أكيدة لا شك فيها!

بالمقابل كانت هناك تصنيفات إيجابية، فقد ورد اسمي في قائمة مجلة فوربس للشخصيات الأكثر تأثيرا لعام ٢٠٠٩، ووضعتني مجلة فاست كومباني الأمريكية على رأس قائمتها للمبدعين المائة في عالم الأعمال لعام ٢٠١١، وأدرجت مجلة فورين بوليسي إسمي في قائمة المفكرين السياسيين لذات العام.

لم أكن أحفل كثيرا لا بالقوائم والتصنيفات الإيجابية ولا بالاتهامات والافتراءات المضادة، فقد كانت دوامة العمل اليومي تغنيني عن الالتفات لذلك، ولا زلت أنصح العاملين في الشأن العام ألا يستخفهم الطرب وألا يتملكهم الغضب، فقيمة المرء في الخير الذي يتحقق على يديه، وإن كان من معيار ينبغي للصحفي أن يحرص عليه فهو في تحقيق المصلحة العامة لجمهور الناس، ولعل أثمن وأكثر اللحظات سعادة بالنسبة لي كانت عندما أُصادف أناسا عاديين يعبّرون عن تقديرهم وحبهم بعفوية وإخلاص، تلك بحق هي الجائزة الأسمى والمرتبة الأسنى.

كانت الجزيرة تجربة متميزة بكل المعايير، وأهم ما فيها قربها من الإنسان، وبعدما غادرتها بدأت أفكر بمشروع جديد يخاطب الإنسان العربي بكل أطيافه، لا سيما الشباب، وأن يعتمد المشروع على ثورة التواصل الرقمي، لأنني مؤمن أن الإعلام يعيش هو الآخر حالة انتقال، وأن الإنترنت تقدم فرصة رائعة لتواصل أوسع بكثير من الإعلام التقليدي. طُرحت علي أفكار كثيرة، لكن الذي شدني في تجربة هافينغتون بوست أن الموقع العالمي الأوسع انتشارا ذو اللغات المختلفة يقدم منصتين متزامنتين: منصة للحوار داخل المجتمع الواحد، ومنصة للحوار بين اللغات المختلفة ، وأعجبني ما يقدمه الموقع من خدمات للتدوين الحر المفتوح للجميع، وراقت لي فكرة أن يكتب مسؤولون ومختصون جنبا إلى جنب مع أناس عاديين، ورأيت أن ذلك يعكس روح عصر التواصل الاجتماعي الشبكي، ويخترق حجب العزلة والتباين الهرمي، ويفتح ميدانا واسعا للحوار، وهو بالضبط ما يحتاجه واقعنا العربي.

أستحضر هذه التجربة في سياق التأمل في الشهر الذي انقضى على انطلاقة موقع هافينغتون بوست العربي، وأنا أرقب الموقع يستقطب كل يوم مزيدا من المدونين، ويفتح آفاقا رحبة لمن لديه فكرة أو رأي، وبالمقابل تابعت الحملة الإعلامية ضد الموقع، بعضها شخصي، موجهة ضدي وضد رئيس تحرير الموقع، وبعضها يُلقي بالشك على مقاصده وسياساته.

في اليوم الأول على انطلاقة الموقع، بادرت صحيفة مصرية مؤيدة للنظام بالهجوم على الموقع زاعمة أنه لافتة جديدة للإخوان المسلمين، ثم انطلقت بعدها اتهامات شبيهة متكررة ، نُشر بعضها بالإنجليزية في صياغات تحريضية، تحذر من أن الموقع ليس سوى منصة للمحافظين الإسلاميين، مرددة نفس الأكاذيب التي نُشرت في العالم العربي، مضيفة اتهامات مصممة لاستثارة القارئ الغربي، تقول إن الموقع يحارب المثليين جنسيا ويعادي إسرائيل ويحض على العنف ضد الأقليات، ويعادي الثقافة الغربية ويحرض عليها، كل ذلك في الأسابيع الثلاثة الأولى من عمر الموقع.

وفي نفس الفترة نظم ناشطون مقربون من الحركات الإسلامية حملة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الموقع، بسبب استضافته لمدونين يؤيدون النظام المصري، وطالبوا بألا يُسمح لهم بالكتابة، على اعتبار أنهم أعداءٌ للثورة، وكتب صحفي عربي مقالا يهاجم الموقع بعدما نشر مدونٌ مقالا ينتقد فيه الرئيس التركي.

الحقيقة التي لم تحاول معظم التقارير سؤالنا عنها كما تقتضي أعراف المهنة، أن الموقع والقائمين عليه ليسوا طرفا في أي حزب سياسي ولا جماعة أيدلوجية، بل هو موقع مستقل ينتمي إلى مجموعة هافينغتون بوست التي بلغت نسخها حاليا ١٥ نسخة بلغات متعددة، وأن الموقع منصة مفتوحة للجميع، وأن ما ينشر فيه من مدونات لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

بينما كان الفريق التحريري يستعد لانطلاقة الموقع، راسل مئات من الناشطين والكتاب والمثقفين من مختلف التوجهات السياسية والفكرية، ودعاهم للكتابة في مدوناته، وقد شارك بالفعل عددٌ واسع منهم، عبر البعض عن خيبة أملهم من أن الموقع يستضيف مدونين من خلفيات سياسية مغايرة لانتماءاتهم ، لكن الموقع استمر في احتضان كافة الآراء، لا تجملا وتظاهرا، ولكن عن يقين تام بأن دور الإعلامي أن يكون شاهدا على الواقع وناقلا أمينا لتوجهاته المتعددة، وليس له أن يلعب دور القاضي ولا دور الرقيب.

أما الاتهامات الموجهة للموقع في أنه يتبنى سياسة محافظة مقارنة بالموقع الإنجليزي، فهي تهمة لا تستقيم، فليس من وظيفة أية مؤسسة إعلامية أن تنتصر لهذا الطرف على ذاك، لا سيما في واقع شديد التنوع كالعالم العربي، فلدينا علمانيين وإسلاميين وقوميين ويساريين، ولدينا أعراقًا ومذاهب وتنظيمات شتى، ولكي يكون قصة نجاح، فلا بد من أن يوفر الموقع لكل هذه المكونات مساحة حوار.

من أهم أسباب نجاح الموقع الإنجليزي إدراكه العميق لأولويات قرائه واهتماماتهم، فهل من الحكمة أن يستنسخ الموقع العربي أولويات الجمهور الأمريكي؟

منذ الحادي عشر من سبتمبر أطلقت مؤسسات غربية قنوات ومواقع بالعربية، محاولة اجتذاب الجمهور العربي، لكن معظمها بقي هامشيا في تأثيره، لأنها آثرت أن تستنسخ أولويات إعلامية أجنبية في بيئة مختلفة تماما، وهذا بالضبط ما يحاول موقع هافينغتون بوست تجنبه.

عبر السنوات العشرين الماضية عملت مع زملاء من مؤسسات إعلامية عالمية مختلفة، وكنت وما زلت أعتقد أن الصحفي المبدع هو ذاك الذي يضع الخبر في سياقه الطبيعي، ولا يتحقق ذلك إلا بعقلية مرنة تؤمن بالتنوع الثقافي والحضاري، وتعتنق نموذجا تفسيريا من داخل المجتمع الذي تغطيه، فالعالم متنوع بالفعل، وكثيرا ما يُغفل السياسيون والصحفيون هذه الحقيقة، فيبادرون إلى رصد الواقع وتحليله من منظور تحيزاتهم الفكرية والثقافية، ويقارنون أفضل ما لديهم بأسوأ ما لدى الآخرين، فيفشلون في فهم الحدث وسياقاته، ويخفقون في استشراف مآلاته.

لقد عانى الشرق الأوسط كثيرا من مثل هذه التحيزات، وأخفقت كثير من المؤسسات العالمية في تغطية المنطقة بسبب المركزية المتجذرة في نموذجها الثقافي ورؤيتها التفسيرية، لقد أخفق الإعلام الغربي في تغطية أفغانستان، وانساق وراء روايات رسمية فيما يتعلق بالحرب على العراق، وآثر مؤخرا الانسحاب من التغطيات الميدانية للمنطقة بعدما ازدادت تعقيدا وخطورة، مؤثرا متابعات سطحية عن بُعد لأحداث بالغة التأثير على مستقبل العالم أجمع.

يسعى موقع هافينغتون بوست العربي أن يكون عربيا في روحه عالميا في توجهاته، أما قواعده التحريرية فملتزمة بالمعايير الصحفية المتعارف عليها بين مواقع هافينغتون بوست المختلفة، مع التأكيد على أولويات المنطقة في المرحلة الحالية: إحلالُ ثقافة الحوار بدل الإقصاء، وبث الأمل بدل اليأس، والتسامح بدل التعصب، والإيمان التام بالتنوع الفكري والديني والمذهبي، بالإضافة إلى الإنفتاح على تجارب العالم من حولنا، مستفيدين من مجموعة مواقع هافينغتون بوست بلغاتها المختلفة، لنقدم للقاريء العربي إطلالة متنوعة على العالم كما يراه أبناؤه أنفسهم.

ليست المهمة سهلة، فحالة الغضب العارم التي تجتاح المنطقة، وانسداد الأفق السياسي مع العواطف الجامحة التي تغذيها صور الموت والدمار في شوارع الشرق الأوسط وميادينه، قلما يكون مناسبا لحوار هاديء محتشم، وقد نجد أحيانا بعض هذا الغضب متسربا عبر مدونة أو خبر يحمل انتهاكا لما نعتبره استقامة تحريرية، ولكن ذلك يبقى في خانة السهو والخطأ، لا القصد والعمد.

في الأسبوع الماضي كُتبت مقالة تتهجم على الموقع بحجة أنه يشوه صورة تركيا بسبب مدونة انتقد كاتبها سياسات الرئيس التركي متهما إياه بعدم التسامح، وفي مساء ذات اليوم نشرت مجلة أمريكية اتهاما للموقع بأنه يسوق لأردوغان، عندها استحضرت مقولة الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الذي عقب على اتهامات وجهت له عام ١٩٤٨ من طرفي الصراع في الحرب الباردة بالقول: " إذا كانت كل هذه الاتهامات صحيحة فإنها تدل فقط على أحد أمرين: إما أنني أخرق وإما أنني أسير في الطريق الصحيح".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.