المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

لماذا انحط العرب؟

تم النشر: تم التحديث:

غبر علينا زمان طويل ونحن نسأل: لماذا انحط العرب، ثم نجتهد في الإجابة عنه. ولا يخطر لنا أن سؤال التقدم والانحطاط يفترض أولاً وجود أمة ذات كيان عضوي سياسي له تاريخ مستقل تشتغل عليه شروط الصيرورة الحضارية.

ثمة عرب، ولكنهم كما أوضح العرض المكثف السابق أخفقوا عبر التاريخ في تطوير كيانهم القومي العضوي ليكونوا أمة حقاً كشأن الأمة الإنجليزية والأمة الفرنسية والأمة الألمانية. بل أفلح كل من الترك والفرس في بناء دولة الأمة دون دولة العرب، على الرغم من أن هؤلاء الثلاثة كانوا أهم الأعراق الفاعلة في تاريخ العالم الإسلامي.

وهكذا نجد أنفسنا الآن أمام واقع هجين:

- ثمة أمة عربية تشكل هويتها الجامعة عوامل الثقافة واللغة ولكنها لم تتمثل يوماً في كيان سياسي عضوي جامع. ففي الماضي فرقتها العصب القبلية والطائفية، وتغلبت عليها القوميات غير العربية في إطار العالم الإسلامي، وفي الحاضر تفرقت في كيانات قطرية تابعة تعلن انتماءها إلى أمة عربية تقطع حدود الأقطار العربية، ولكنها في الوقت نفسه تقوم بديلاً عن دولة الأمة التي تتطابق فيها الدولة مع الأمة القومية.

- ومن ثم فإن القومية العربية لم تكن في واقع الحال إلا فكرة معاصرة لم توطئ لها شروط تاريخية بنيوية. فهي أمل وحلم وطموح ومشروع غير ناجز.
بل يمكن القول إن العرب في واقع الحال هوية محيرة بين مفهوم الأمة القومية Nation ومفهوم العرق Ethnicity .

والعرق يمكن أن يتوزع في كيانات وطنية أو قومية مختلفة، كما يتوزع العرق التركي مثلاً بين تركيا الحديثة ودول آسيا الوسطى، أو كما يتوزع العرق الألماني بين ألمانيا والنمسا. وفي المقابل يمكن أن يتوزع في أقليات عرقية تعيش في كيانات وطنية أو قومية أخرى.

دولة الأمة ليس لها وجود عندنا. والأقطار العربية لا يمكن تعريفها بأنها دول قومية متمايزة تجتمع في العرق العربي. فكيف نعرف الوجود العربي تمهيداً للإجابة عن سؤال الصعود والهبوط؟

وفي ظل العوامل الخارجية التي أسهمت في تكوين الدولة القطرية، في سياق التبعية للمركز الغربي الإمبريالي، عجزت هذه الدولة القطرية عن خلق حداثتها المستقلة والمنفتحة في الوقت نفسه على العالم، ومن ثم استوت كياناً هجيناً تتجاور فيه مظاهر الحداثة المستوردة من حاضر غير المتقدم، وأنماط التقاليد والتشكيلات التقليدية الموروثة المنسوخة من ماضي الذات المتخلف، والتي ما تزال قادرة على إنتاج نفسها في هياكل الدولة والمجتمع الحديثة..

فما زالت العصب التقليدية من القبيلة والطائفة والعرق فاعلاً أساسياً في المجتمعات العربية، على حساب تطور مؤسسات المجتمع المدني الضرورية لقيام مجتمع المواطنة المتكافئة والديمقراطية والسلام الأهلي، وهي شروط أساسية للتقدم والإنتاج الحضاري.

ثمة حكومات ومجالس برلمانية ومؤسسات على هيئة المؤسسات الغربية في ظاهرها، ولكن فحواها المحاصصة القبلية والطائفية والعرقية وعلاقات
"المحسوبية" الطاردة للكفاءات الإبداعية. والحال أن هذه الهويات التقليدية المتصارعة حتى الاقتتال أحياناً، لا تعيق التقدم فقط، ولكنها تأخذ من رصيد الهوية الوطنية الجامعة حتى في حدود الدولة القطرية. ومن طبيعة هذه العصب أنها عابرة للحدود الوطنية القطرية فيمتد الولاء لها وراء الحدود من حساب الولاء الوطني.

وحتى التنظيمات المدنية كالأحزاب والفصائل لا تسلم في كثير من الأحيان من اختراق العصب التقليدية لها. وبعضها نشأ ابتداء ليمثل "إيديولوجيا" طائفية تقاوم الهوية العربية الإسلامية، ومنها ما نشأ من منطلقات إيديولوجية قومية، ثم ما لبثت الطائفة أن امتطته لتحوله إلى واجهة تختفي وراءها.

أما ما سلم من هذه أو تلك، فتهيمن على المنتمين إليه ذهنية العشيرة، ليصير الولاء له أقرب إلى طبيعة الولاء العشائري، غير المشروط بالغايات والمنطلقات العقدية والسياسات. فقد ينقلب التنظيم على منطلقاته وغاياته الأولى انقلاباً تاماً دون أن يهتز ولاء قاعدته التنظيمية. إذ يصير الولاء للعشيرة التنظيمية مقدماً على الغايات الوطنية التي نشأ التنظيم من أجلها ابتداء.

ولسان الحال من جديد:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد .

ومن الطبيعي أن تتسم هذه الذهنية بالنزوع إلى إقصاء الآخر وإلغائه واستئصاله إذا أمكن. ذلك أن جور الولاء التنظيمي ذي الطبيعة العشائرية على الولاء الوطني، والميل إلى المطابقة بين التنظيم والوطن، يسهم في تغييب مبدأ المشاركة الوطنية والسياسية، ويجعل تعريف الذات الحزبية قائماً على مغايرة الآخر المختلف وكراهيته والرغبة في نفيه وتجريده من حقوقه الوطنية، بدلاً من مبادئ الشراكة الوطنية والتنافس السلمي على السلطة في ظل القانون والاحتكام إلى صناديق الاقتراع واحترام الخيارات الشعبية، واستباق الخيرات في الخدمة الوطنية باعتباره غاية في ذاته، وسبيلاً في الوقت نفسه إلى اكتساب الأصوات والدعم الشعبي.

وبذلك تنصب النخب السياسية نفسها قيماً على الشعب، لا ممثلاً له، وتمنح نفسها حق النقض ( الفيتو) للإرادة الشعبية التي تعبر عن نفسها من خلال صناديق الاقتراع. والمحصلة مجتمع الكراهية والانقسام والقنوط واستباحة دماء المخالفين الذي نعيش فيه الآن، والذي عبرت عنه الأغنية سيئة الذكر التي سمعناها وقت كتابة هذه السطور:
إحنا شعب وانتو شعب لينا رب ولكم رب!

ومن الطبيعي أيضاً أن يسهم هذا الحال في دعم أنظمة الاستبداد البوليسية العسكرية وتسويغها وتأبيدها. فأين في غير هذا العالم العربي ترتد النخب السياسية المعارضة (التي أسهمت في ثورة شعبية أسقطت مستبداً) على نفسها وثورتها لتتحالف مع قوى النظام السابق وتؤيد انقلاباً عسكرياً على شرعية الانتخابات والعملية الديمقراطية الوليدة؛ لأن رياحها جاءت بما لا تشتهيه سفنهم، ثم تحرض على الإقصاء وسفك الدماء؟!

أين في غير هذا العالم العربي يترحم كثيرون على طاغية سابق، لأن ما جاء بعده أسوأ منه؟ وكأنه قد كتب علينا -دون العالمين- أن نتنقل بين الرمضاء والنار! أين في غير هذا العالم العربي يجادل كثيرون دفاعاً عن مستبد قائم، بحجة أن البديل هو الفوضى والانقسام والصراعات الدامية وانعدام الأمن؟

أين في غير هذا العالم العربي يفتتح الأكثر تعقلاً دفاعه عن نظام الاستبداد بالقول:
- لا أدافع عن النظام، ولا أنكر أنه ظالم ومستبد وفاسد، ولكن البديل سيكون أسوأ منه.
ولقد يتكرر القول في سياق التسويغ لنظام الاستبداد وبقائه:
- لسنا مؤهلين للديمقراطية بعد.
ولا يتساءل القائل:
- من سيؤهلنا للديمقراطية قبل التخلص من الاستبداد؟ أهو النظام المستبد نفسه؟
- وهل تترسخ ثقافة الديمقراطية إلا من خلال ممارستها؟
ألم تكن دعوى الاستعمار في تسويغ استمراره القول: إن الشعوب المستعمرة
(بفتح الميم) ليست مؤهلة بعد لحكم نفسها؟!

أين في غير هذا العالم العربي يكون النظام المستبد الضمان الوحيد للاستقرار والأمن، كما يوحي الكثيرون؟! ألا ساء ما يحكمون!.. وهل الفوضى المحتملة بعد ذهاب الطاغية إلا نتاج ما قدمت يداه على مدى عقود طويلة من الفساد والإفساد وتخريب النفوس وزرع الأحقاد وتغييب العقول واستعباد أطراف وعصب لأطراف وعصب؟

يخوفونك من الغزاة إذا ثرت على الطغاة، وما علموا أن الطغاة هم شرط الغزاة، وأن الشعوب التي أذلها الطغاة غير مؤهلة لمواجهة الغزاة، وقد يصل ببعضها سوء الحال من الطغيان الداخلي أن تتساءل: ما الفرق بين الطغاة والغزاة؟ وقد ينحط بها الحال إلى الترحيب بالغزاة تحت وطاة اليأس؟

ألم تر إلى البعض يتساءل، كم قتلت إسرائيل في حروبها مع العرب ومن الفلسطينيين تحت الاحتلال، وكم قتل الطغاة من شعوبهم في المقابل؟
ألا يأخذ رصيد العداء المتراكم ضد الطغاة من رصيد العداء ضد الغزاة؟ بل ربما جرؤ البعض على البوح المخيف، فيقول: ليت إسرائيل تخلصنا من هذا النظام أو ذاك؟ .. أليس هذا الخراب الأخلاقي بعض ما أنتجه الطغيان؟

أين في غير هذا العالم العربي الكاره لذاته ينحاز شطر من القوميين (نعم القوميين!) إلى المد الشعوبي في المنطقة العربية احتجاجاً على سياسات
"الأعراب" المرتهنة للغرب، من باب أن عدو عدوي صديقي؟ أنضحي بالعروبة نكاية بالأعراب؟ ألسنا نحاكي بهذا ما وقع في القرون الأولى حين لم يجد بنو العباس طريقة للتخلص من المنافسات والتهديدات القبلية إلا بإخمال العرب على الجملة، وتقديم الشعوبية والأعاجم؟ ثم من قال إن عدو عدوي صديقي بالضرورة؟ ألا يجتمع على الفرد والجماعة عدوان في الوقت نفسه؟ وهل يكون حظنا الموازنة والاختيار بين غزاة وطغاة، وغزاة وغزاة، وطغاة وطغاة، ونظام فاسد ونظام فاسد، وولاء لأجنبي في الشرق وآخر في الغرب؟ لم يكون الظلم والفساد في بلد ما مسوغاً للسكوت على الظلم والفساد والطغيان في غيره؟ ألا يسعنا أن نحكم المعيار نفسه لرفض هذا وذاك انحيازاً إلى الشعوب المغلوبة على أمرها والأمة المضيعة في كل البلاد؟

وهذه الأنظمة المستبدة التي يسوغ كل منها نفسه بفساد الآخر، ألم تتنقل بين التحالف والعداء في سنوات معدودات؟ فإن كان الفرق بينها فرقاً بين حق ننحاز إليه وباطل نرفضه، فما الذي جمع بينها في الأمس وفرّق بينها الآن، وهي الأنظمة نفسها؟

فأي تقدم نرجوه لأمة ما زالت العصبيات التقليدية القبلية والطائفية طاغية فيها على الروابط المدنية، بل ما زالت قادرة على تفريغ الأطر المدنية الحديثة من محتواها لتستوطن فيها خلف واجهة الشعار القومي والعلماني نفسه، وما زالت تيارات وتنظيمات يفترض أنها مدنية علمانية تدار بذهنية العصبية العشائرية التي تمزق الجماعة الوطنية؟

ليس هذا الانحطاط إلا امتداداً لتلك العوامل العصبوية القديمة التي أجهضت تطور الوجود العربي إلى أمة ودولة وكيان عضوي واحد مستقل تعمل عليه شروط التطور الحضاري نحو مجتمع مدني قادر على استيعاب التعددية في إطار المواطنة المتكافئة .

والحال أن الدولة القطرية نفسها ما تزال حائرة الهوية تحت ضغط الهويات العصبوية المتنازعة حتى الاقتتال أحياناً: القبلية والطائفية والعرقية والجهوية. فهذا يطلب حصته القبلية أو الجهوية من رصيد الجماعة الوطنية؛ وهذا يقاوم انتسابها للعروبة خوفاً على حقوق جماعته العرقية - القومية غير العربية ؛ وذلك يقاوم هويتها الثقافية الإسلامية خوفاً على حقوق الأقليات الدينية، وربما قاوم هويتها العربية الإسلامية معاً لما بين العروبة والإسلام من تداخل وترابط.

وأخيراً هناك من يغلب ولاؤه الطائفي العابر للحدود الوطنية والقومية على ولائه الوطني والقومي. وكل ذلك يغري البعض بالالتجاء إلى الأجنبي الذي يتفق معه في محدد هويته الفرعية، لا سيما الدين والطائفة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.