المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد سيف ‎ Headshot

لا يقولن أحدكم هذا رأي الله ورأي عمر

تم النشر: تم التحديث:

إن الاحتجاج بالروايات والأخبار يكاد يحتل مساحة أوسع من الاحتجاج بالقرآن الذي ينفرد وحده بقطعية الثبوت المطلقة، وليس أقبح من الذريعة التي يتذرع بها كثيرون بالقول: "إن القرآن حمال أوجه"، ويجهلون أنهم بهذا ينحون كتاب الله ويتخذونه وراءهم ظهرياً، وإن زعموا غير ذلك، فكيف يسعنا أن نحتكم إلى القرآن في شؤون الدين إذا كانت معانيه ملتبسة تحتمل وجوهاً من التأويل لا يرجح أحدها على الآخر، ثم يستدعون مفهوم "المتشابه" بالمعنى نفسه؛ ليسوغوا كثرة الاحتجاج بالروايات التي يمكن القطع بمعناها، وإن كان ثبوتها ظنياً مهما يترجح الظن، أما الشيعة فقد ذهبوا في هذا مذهباً بعيداً حين قالوا بضرورة وجود الإمام المعصوم الحجة.

وذلك أن الناس يختلفون في فهم نصوص الوحي، وليس لهم من العصمة ما يمنعهم من الخطأ، فلا تقوم عليهم الحجة القاطعة الجامعة المانعة بالنص وحده، فإذا صاروا إلى ربهم اعتذر كل منهم بما تحصل له من الفهم والتأويل، فلا بد إذن من وجود إمام معصوم في كل زمان، يطابق علمه مراد الله، فيقيم بذلك الحجة على الناس، ولا عذر لمعتذر.

​ولكن الإمامة والعصمة في ذاتهما موضوع خلاف انقسمت عليه الأمة، وليس عليهما دليل قاطع من الوحي، إلا من روايات وتأويلات عقلية، ثم إن فرق الشيعة تختلف في قائمة الأئمة بين اثني عشرية وسبعية إسماعيلية وزيدية، كما أن كلام الأئمة الذي يفترض أن تقوم به الحجة على الناس منقول إلينا بالروايات التي يأخذ بها الشيعة دون السنة، وقد يختلف الشيعة أنفسهم في صحة الثبوت لبعضها، ثم إن الإمام الأخير ما زال غائباً منذ قرون، فكيف يكون حجة علينا في غيبته الطويلة؟ أما الولي الفقيه المجتهد الذي ينوب عن الإمام الغائب فلا تثبت له عصمة، فليس له حجة الإمام الذي ينوب عنه، فأين نذهب، وقد ارتد بنا الحال إلى حصار الروايات والخلاف حولها والخصومة فيها؟

​وعلى الرغم من أن السنة لم يذهبوا مثل هذا المذهب، فقد أسرفوا في الاحتجاج بالروايات الظنية كما ذكرنا سابقاً، فإذا أمعنا النظر وجدنا أن جل خلافات المسلمين الدينية تتغذى بالروايات، ولما لم يكن في وسع أصحاب الأغراض والأهواء أن يبدلوا في كتاب الله، وجدوا سعة في الروايات يبتدعونها ويحتجون بها، وإن خالف بعضها صريح القرآن وأصول الدين، وناقض بعضها بعضاً.

وانشغل المحققون بالسند وسلسلة الرواة دون المتن والمحتوى، فإن تعارضت النصوص في المحتوى تعسفوا في التأويل بما لا يجيزه حد اللغة، صيانةً للرواية أن يطعن في صحتها! ولا يوفر الكثير من الروايات وقود الخلافات بين المسلمين فقط، وإنما يجد فيها خصوم الإسلام نفسه مادة للطعن فيه، وبدلاً من أن نقطع عليهم الطريق فنسبقهم إلى نقضها وتبرئة الإسلام منها، أو تأكيد أنها ليست وحياً مقطوعاً بثبوته لتقام به الحجة للدين أو عليه، ترى الكثيرين منا يتمسكون بها تمسكهم بسلطة الرواية والنقل ورجال السلف.

وتقديس الروايات من تقديس رواة السند، وأكثر من ذلك تقديس المروي عنهم ورفعهم فوق مصاف البشر والسياقات التاريخية، وتنزيههم عن الخطأ، وجعلهم تمثيلاً بشرياً مطابقاً للوحي والتنزيل، وهذا باب واسع من أبواب التحريف الديني عبر التاريخ؛ إذ بدلاً من النظر إلى الشخصيات الدينية المؤسسة على أنها وسائط تبليغ الرسالة السماوية، وأن عظمتها في بلائها وسبقها وتضحياتها، يجري الخلط بين الرسالة ومبلغيها وحامليها، حتى يصبحوا في الخيال والوجدان الدينيين جزءاً من العقيدة والرسالة، إن لم يصبحوا موضوعها المركزي. بعبارة أخرى، بدلاً من أن يكون هؤلاء شهود الحق والشهداء على الناس بالرسالة، تصبح الرسالة شهادة فيهم ولهم، وكأنها لم تتنزل إلا من أجلهم! وهو ما يفتح باب الشرك الظاهر والخفي على مصراعيه.

انظر كيف صار آل البيت عند الشيعة أصلاً من أصول العقيدة وموضوعاً مركزياً من مواضيعها يتمايز على أساسه المسلمون بين مؤمنين حقاً وغير مؤمنين وإن شهدوا الشهادتين وصلوا وصاموا وحجوا وزكوا. فالإمامة عندهم ركن من أركان الإسلام، ولا يصح الدين بغير الاعتقاد به. وقد تسلم هذه العقيدة إلى القول بالتفويض، أي تفويض الله الأئمة ببعض سلطانه كالفصل بين الناس يوم القيامة إلى جنة أو إلى نار. ثم بلغ الغلو والشطط ببعض فرق الشيعة القول بألوهية علي (رضي الله عنه)، أو تجلي الله في الأئمة. وعلى الرغم من أن السنة ينكرون هذه العقائد أشد الإنكار، ولا يثبتون العصمة لأحد غير النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما بلغ عن الوحي، فإن الكثيرين منهم في واقع الحال يرفعون الصحابة فوق مستوى النقد، بل يحرمون الخوض فيما شجر بينهم من خلاف، وكأن علينا أن نكون مع الضدين في آن، حتى وضعوا حديثاً ينسبونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما هو بحديث، ولا يصح منه سند ولا متن، وهو: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم".

​أين هذا كله من موقف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين سمع رجلاً يقول: (هذا رأي الله ورأي عمر)، فصعد المنبر غاضباً وخطب في الناس فقال: (لا يقولن أحدكم هذا رأي الله ورأي عمر، بل هو رأي عمر، فإن أصاب فمن الله، وإن أخطأ فمن نفسه، فلا تجعلوا خطأ الرأي سنة في الأمة)!

من كتاب (الشاهد والمشهود ) للدكتور وليد سيف

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.