المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

اسامه مجدي نصر Headshot

الأنظمة الثورية والديكتاتورية

تم النشر: تم التحديث:

ما بين عامَي 1953 و2013، 60 عاماً من تاريخ مصر المعاصر، بدءاً بالراحل البكباشي جمال عبد الناصر، وانتهاء بالمشير عبد الفتاح السيسي حُكَاماً لمصر من العسكريين.

في عام 1953 رفع جيمس إيخلبرغر، خبير وزارة الخارجية الأميركية بالأنظمة العسكرية في الدول النامية إلى الحكومة المصرية تقريراً، يستهل في بدايته:
"إن جوهر الُحكم هو القوة، والحُكم ليس مُجرد اقتراح إجراءات عامة، أو إصدار أحكام قضائية، ولكنه اضطلاع بهذه الإجراءات وتنفيذ لتلك الأحكام، ولهذا كانت المحافظة على السلطة هدفاً في حد ذاتها".

يُفرق جيمس بين الأنظمة الدستورية والأنظمة الثورية (الحكومات الثورية)، في المحافظة على السلطة؛ إذ إن الأنظمة الدستورية يتم فرض قيود عليها في "القوانين الأساسية" على سبيل المثال:
أن النظام الدستوري لا يملك إلقاء القبض على زُعماء المعارضة لمجرد أسباب سياسية.
أما الأنظمة الثورية فلا تجد حرجاً في اتباع كل المسالك التي تضمن لها السلطة وتؤكد لها البقاء، ولا تخضع في تصرفاتها لقيود واضحة المعالم.

قام جيمس بتفنيد مبادئ المحافظة على السلطة على أساس مبدأين:
1- إجراءات القمع والإرهاب.
2- سياسة البناء والإصلاح.

المبدأ الأول: هو نظام ظالم وحُكم مُستبد، يفرض نفسه على الشعب عُنوة، ويرسم للمواطنين ما عليهم أن يسلكوه وينجزوه دونما رأي منهم أو مشورة.

المبدأ الثاني: يتمثل في نظام شعبي وحُكم مقبول (دون اشتراط الشكل الديمقراطي له).
يستمد قوته في التنفيذ من رضا الأمة به وتأييد المواطنين له، والتاريخ لم يذكر أن أي نظام اتبع أي مبدأ بشكل تام دون شذوذ أو خروج عليه؛ لذا وجب على الأنظمة الثورية، كما قال جيمس: "انتقاء مسلك معتدل بلا تفريط ولا إفراط".
"إن الثورة يجب ألا تكون مجرد نظام ديكتاتوري ساذج، أو مُجرد دسائس ومؤامرات تُحاك في رُدهات القصور ودهاليزها"، كما يوضح جيمس أنه يتوجب على الأنظمة الثورية أن تحدد أهدافها على أساس النقطتين التاليتين:
- إيجاد الحلول لكل المشكلات السياسية والمعضلات الاجتماعية الُملحة، التي اقتضت قيام الثورة نفسها، حتى تتمكن الثورة من إزالة نظام الحُكم السابق.
- أن تكون قادرة على تطوير نظام دستوري جديد يُخلّد مُنجزاتها ويحافظ على مُكتسباتها.
إذا توافرت هاتان النقطتان فإن النظام لن يجد نفسه مُضطراً إلى الاعتماد كُلياً على وسائل القمع والإرهاب لبقاء حُكمه إذا تبنى وسائل الإصلاح وسياسة البناء؛ لأن القمع بكل ما يعني من مخابرات - مباحث - أمن عام، لا يُمكنه البقاء طويلاً؛ لأنه يجب أن تحل الإصلاحات محله تدريجياً

قاعدة الحُكم:
إن إجراءات الحكومة ومُنجزاتها هي التي تؤثر على قاعدة الحُكم، وهي التي تعني مدى رضا وتأييد الشعب للحكومة، بل وقدرتها على ممارسة حُكمها عليه دون اللجوء إلى وسائل القمع والإرهاب.

تنقسم إجراءات الحكومة إلى قسمين:
- إجراءات مباشرة تخص قاعدة الإرهاب والقمع.
- إجراءات مباشرة تخص البناء والإصلاح.

الإجراء الأول: يعمل على زيادة فاعلية الجيش ورفع درجة ولائه، وضمان إخلاص أجهزة المخابرات والأمن العام، وغيرها من الأجهزة الحكومية التي لها صبغة عسكرية.

الإجراء الثاني: تشغيل المنظمات الشعبية والأحزاب السياسية الموالية للحكومة، بالإضافة إلى إصدار بعض التسهيلات الدستورية مثل قانون الانتخابات الذي يجب أن يمنح بعض الميزات والمنافع للفئات والطبقات الموالية لنظام الحُكم القائم.

كما أشار جيمس في تقريره إلى 7 نقاط كخطوط عريضة يلجأ إليها قادة الحُكم في "الأنظمة الثورية".

1- اللجوء لأساليب القمع أمر لا بد منه، وخاصة في المرحلة الأولى للثورة.

2- أن لا يكون من ضمن أهداف النظام الثوري مُجرد الحصول على تأييد شعبي فقط؛ لأنه أمر مؤقت وزائل، وأن الشهوة الجارفة في نفوس قادة الثورة لُمجرد الحصول على تأييد الجماهير وضمان هياجها لصالحه يُعتبر بادرة خطيرة، وأنها لا ترمز إلا إلى الضعف والانهيار.

3- يجب أن يعتمد نظام الحُكم على دقة تخطيط سياسة الحكومة وعلى حُسن تطويرها، مُستخدمة في ذلك كُل وسائلها وأجهزتها لإثارة عواطف الناس والطبقات الكُبرى من الشعب لصالحها، بل والظهور بمظهر الحريص على مصالحها والمحافظة على حقوقها.

4- إجراءات السلطة لها تأثيرات على قاعدة حُكمها لا تقل أهمية عن تأثيراتها المُباشرة.

5- أن التنظيمات الشعبية غير التابعة بشكل مُباشر لنظام الحُكم لها أهمية خاصة في إنشاء وتكوين قاعدة الحكم المؤيد للنظام.

6- أن الشكل الدستوري الجديد للنظام يجب أن يعتمد مباشرة على قوة سياسة الثورة في الإصلاح والبناء.

7- يجب أن تبتعد أجهزة المخابرات والمباحث عن الارتشاء والعبث، لتنفيذ تدابير قمع فعالة وللقيام بتحليل دقيق للقواعد الجماهيرية المؤيدة.

انتقل جيمس بعد ذلك إلى "سياسة الانجراف والمساومات من قبل قادة الثورة".

يضطر قادة الثورة إلى انتهاج سياسة الانجراف والمساومات شيئاً فشيئاً؛ لأن الثورة لا تتمكن من إحكام قبضتها على أجهزة الدولة في بداية عهدها، ولأنها لا تملك منح ثقتها لأجهزة القمع والإرهاب لشكها في كفاءة تلك الأجهزة ونفوذها.

لكن سُرعان ما تفقد سياسة الانجراف والمساومات فرصها، كُلما اتضح إفلاس الثورة وبان للعيان فشلها، فتلجأ حكومة الثورة إلى "وسائل" القمع والإرهاب، وإذا نجحت تلك الوسائل ازدادت بطشاً وعنفاً، وهُنا تكون الثورة قد تفسخت، وانقلبت إلى نظام ديكتاتوري ساذج مُستبد.

سياسة الانجراف والمساومات هي حليفة الثورة المُضادة

إن سياسة الانجراف والمساومات، كما أوضح "جيمس" هي حليفة الثورة المضادة، كما أنها جرثومة فتاكة في داخل جسم الثورة نفسها؛ لأن تلك السياسة تُشعر المواطنين أنه لا اختلاف عن سياسة حكومة العهد البائد التي قامت الثورة لأجلها، (وسيتشكل دافع مُشجع لكل أولئك الذين يتطلعون إلى نسف الثورة وسحقها دون رحمة).
في نهاية التقرير تتطرق "جيمس" إلى وصف دقيق للهياكل الخمسة التي يجب على الأنظمة الثورية إنشاءها والتحكم بها في قاعدة القمع والإرهاب:

الأنظمة والقوانين

وأبرز ما قاله في هذا البند هو "يجب خضوع السلطة القضائية برمتها -دون استثناء- لإرادة حكومة الثورة، كما أن كافة الأحكام القضائية الصادرة بحق المواطنين لأنظمة أمن الدولة، يجب أن لا تكون مُخالفة لرغبة حكومة الثورة.
- قوى الأمن الداخلي.
- أجهزة المخابرات.
الدعاية والإعلام وتنقسم إلى:
- يجب أن لا تكون الدعاية سلاحاً أساسياً لضمان أمن الثورة.
- على حكومة الثورة أن تقوم بشن حملات دعائية مُركزة.

تهدف إلى إعطاء تبرير مُقنع لاستمرار استخدامها لوسائل القمع والإرهاب.
- أخيراً يُمكن السيطرة على الصحف والمجلات والإعلام عن طريق تعيين مُستشار لكل هيئة، بقصد إبداء الرأي بكل ما هو مُعد للنشر.
5- القوة العسكرية
يجب دفع مُرتبات بانتظام وسخاء حتى تكون أحسن المرتبات في الدولة، وحتى يُصبح ذلك الجيش -باختصار- جيشاً موالياً.
كان هذا التقرير قد تم رفعه في عام 1953 بعد قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952 بعام واحد.
ولكن اتضح فيما بعد أنه صالح أيضاً لعام 2013 وفي أي مكان في الأوطان العربية وخاصة مصر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.