المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود اليعرب  Headshot

رسالة إلى أبي الذي يجلس الآن في الغرفة المجاورة

تم النشر: تم التحديث:

جلست هذا الصباح باكراً على غير العادة، أجريت بعض الأمور الروتينية وعدتُ إلى فراشي من أجل متابعة النوم.

لم يكن هنالك نعاس حينها، حاولت عبثاً أن أغمض عيني ولكن دون جدوى.

مددت يدي تحت الوسادة لالتقاط الهاتف، فعلت الـ(Wi_Fi) وبدأت أتصفح الفيسبوك، أكملت بعض الأخبار والمنشورات المهمة إلى أن أحسست أن جسمي يحتاج إلى تغيير طريقة نومه.

خرجت من الفيسبوك لأتصفح الصور التي عندي حتى جذبتني هذه الصورة.

إنه أبي وأنا مَن ألتقط له هذه الصورة، التقطتها عندما كان يتكلم مع أخي الأكبر دونما يشعر.

بدأت أُمعن النظر فيها، أكبر قليلاً وأحرك يميناً ويساراً.

رأيت الشيب يغمر رأس أبي، وكانت كل شيبة ترمز للحظة من لحظات حياته.
يمكن لأحدنا أن يعتبر الشيب نتاجاً طبيعياً للقهر والهم، ويمكن لآخر أن يعتبره دليلاً ناصعاً واضحاً على تعدّي مرحلة عمرية كبيرة وخبرة بالغة في تجارب الحياة.

ولكني أمعنت النظر أكثر في الصورة، وعرفت أن الشعرات لا تبيض جميعها لسبب واحد إنما لأسباب متفرقة، فبعضها يبيض مع بياض الكفن عندما يرتديه من نحب، وبعضها يبيض عندما تبيضّ وجوهنا فرحاً بإنجازاتنا.

بعضها الآخر يبيض عندما يلوح العلم الأبيض في أفق ذواتنا معلناً هزيمة جشع أو غريزة انتقام أو غرور أو نشوة ما.

بعضها يبيض مع بياض آخر صفحة من كتاب أتممناها أو إنجاز أنجزناه.

الشيب عندي لا يشير ضرورة إلى الهم والغم والقهر، إنما هو علامة طبيعية دالة على تفاعل الذهن الذي يسكن تحت هذه الشعيرات البيض مع محيطه وإرثه وتاريخه وأفكاره وثقافته وآماله وطموحاته وخيباته وإنجازاته وفشله.

هكذا حدثتني نفسي عندما رأت عيني هذا الشيب.

ثم دنوت أكثر من الصورة وتمعنت في عين أبي، إنها صغيرة بعض الشيء، يغطي جزأها العلوي بعض تلك الأجفان الصامدة.
وسألت كم رأت هاتان العينان من أشياء؟
منذ أن وُلد أبي عام 1960 تقريباً في تلك المنطقة الحدودية من محافظة ديالى العراقية وإلى يومنا هذا إلى اللحظة هذه في المحافظة نفسها.

حاولت تخيل عدد الأشخاص الذين رأتهم، عدد الوجوه التي تمعنت بهم، عدد الأماكن التي زارت والمواقف التي شهدت، عدد الكلمات التي قرأت، عدد الثقافات التي بصرت، عدد وعدد وعدد...

لم أكن حاضراً في كل ما رأى، ولكني أراها جميعاً حالياً في "رؤيته" للحياة.

جميع ما يرى الإنسان ويطلع ويسمع ويجالس الآخرين ويحاورهم تشكل رؤيته الفردية للحياة.

كيف يرى العالم؟ كيف يرى الجيل القادم (المستقبل)؟ كيف ينظر للتاريخ (الماضي)؟ وكيف يفسر الأحداث التي تجري اليوم (الواقع)؟

إنها رؤية رجل واحد قضى أكثر عمره في بلدا واحد.
وهذه الرؤية للحياة بمجملها تختلف حتماً (قليلاً أو كثيراً) عن رؤيتي أنا للحياة، رغم أنني في نفس المكان.

أتناقش مع أبي كثيراً كما يحدث في الكثير من العوائل، الآباء والأمهات يتناقشون مع أبنائهم دوماً، ولكن بمختلف المواضيع والطرق.
وتعتمد الطريقة والموضوع على المنزلة الثقافية للعائلة.
من عائلة تناقش أمر الغداء بالسباب وضرب الزوجة، إلى عائلة تناقش أمور السياسة والفكر بالحوار والأدب.

من عائلة همّها نجاح الوليمة، إلى عائلة همها ترك أثر في المجتمع فكرياً وثقافياً وسلوكياً.

إنها ليست طبقية أو ما شابه، بل هو وصف لحالة طبيعية وصحية ربما.

كنت في صغري كثير التجوال مع أبي، استمر الأمر لأكثر من ثلاث سنوات تقريباً، وكنت أحضر معه أغلب مجالسه.

نعم كنت محظوظاً بذلك، كانت المجالس على مستوى رفيع في أغلبها، لم تكن مع أناس أتعامل معهم يومياً، كنت أضطر للسكوت طوال الوقت، وأن لا أجلس بشكل "غير رسمي"، وأن لا يبدو عليَّ النعاس إن نعست، وأن أنتبه إلى مَن يتكلم؛ لأنه بعد انتهاء كل حديث وفي طريق العودة إلى المنزل سيسألني أبي ويناقشني بما حدث.

أكتب اليوم محاولاً ردّ اليسير من الجميل لأبي، أكتب اليوم ليقرأ أبي هذه الكلمات ويفرح بها دونما أن ننتظر موت آبائنا (حفظهم الله)؛ لنشكرهم وننعاهم ونذكر أفضالهم.

يؤسفني أن البعض يستنقص من قدر أبيه وثقافته متى ما تعلّم جملة مفيدة.

وأستغرب لمن يسخر من أبيه أمام زملائه لإضحاكهم، وأتعجب لمن يتقبل أن يشتم صديقُه والديه.

تستفزني هذه المشاهد والتطبيقات السيئة، ليس لأن الأبوين سبب وجودك على هذه الحياة، أو لأنهما تعبا في التربية والمعيشة فهذا سبب بديهي، بل لأنهم يعنونك أنت، إنهم يضربون "القيمة" و"المثال" الذي في ذهنك، لا أحد يقبل أن يهدم داراً ولد فيها وهي في حالة جيدة، لا أحد يقبل أن ينزع ثيابه أمام العالم.

لا يوجد أقل من الحب والتقدير والاحترام لكل الآباء والأمهات، لا يمكن القبول بغير الاحترام طريقاً للتعامل مع كل المنتج الذي ينتجه آباؤنا.

قد نختلف مع هذا المنتج، قد لا يصلح لحاضرنا، ولكن هذا لا يبرر لنا مهاجمته والانتقاص منه.

جلابيب آبائنا قد تضيق علينا (كما يوصف)، ولكننا نقدرها ونحترمها ونحافظ عليها ونعتز بها، لا نلبسها لنعيش وهم الماضي ولا نحرقها لنعيش خيال المستقبل.

إننا نضع كل شيء في محله الصحيح فقط.

"وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (لقمان: 14 و15).

شكراً لأبي على كل هذه الأفكار والأساليب التي تشكلت بها، شكراً لكل حافز ودعم وتشجيع، شكراً لكل قلق وهمّ من أجلنا، شكراً لكل تلك القيم المضافة، شكراً من أعماق عقلي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.