المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود سيف  Headshot

في المعتقل يمكنك أن تكتشف قيمة الأشياء الصغيرة واللحظات البسيطة ضئيلة المقالات رفيعة المآلات.

تم النشر: تم التحديث:

يمكنك أن تكتشف جمال تلك الأشياء واللحظات البسيطة التي لم يعد لها مكان في خضم بهرجات العالم الذي فقد جماله بتشابهه العقيم، هنا يمكن الغوص في معاني وأسرار هذه الأشياء التي فقدت معناها مع فقدان هذا العالم لمعانيه وأسراره الكلية، عندنا "أعني في المعتقل" تلك الأشياء التي لم تكن لترد بخاطرك لحقارتها المادية لذلك لم تكن محط اعتبار.. هي الآن محط أنظارنا، وخصوصاً أن هناك فرصة متاحة لمساحات من التأمل والتفكر في هذه الأشياء.. حينها تكتشف قيمتها ويتجلى لك سحر جمالها وتسمح لك أن تسرح بعقلك في معاني وأسرار تلك الأشياء واللحظات البسيطة!

- فعندما تمتلك الورقة والقلم الممنوعين بدلاً من الكتابة على أوراق المناديل بأنبوبة الحبر المهربة، حينها وكأنك حيزت لك الدنيا بحذافيرها، يا لَعظمة امتلاك هذا الشيء البسيط ويا لَجمال هذه الورقة والقلم اللذين يجبرانك على تقبيلهما، بل يا لَسحر تلك اللحظات التي تخط فيها أولى كلماتك بذلك القلم على تلك الورقة، وقتها تعلم أن لتلك الأشياء البسيطة أسراراً ومعاني تكاد تكشف لك عن أسرار هذا الكون.

- عندما يستطيع أحد الشباب تهريب مجلة ميكي أو الرجل المستحيل أو تان تان أو ناشيونال جيوغرافيك فيكون يوم عيد، خاصة لو كان عدداً جديداً، فيبدأ الشباب في حجز أدوارهم لقراءة العدد الجديد، تلك اللحظات التي تسحب فيها البطانية لتغطي جسمك كله سوى هذا الرأس الصغير والأنامل التي ستمسك بصفحات ذلك العدد الجديد؛ لتنقلك إلى عالمك عندما كنت صغيراً، لعلكم لا تدركون قيمتها وجمالها الذي يكون بمثابة إمداد لشريان الحياة بداخلك.

- تلك الملعقة المعدنية أو كوب الشاي الزجاجي تلك الأشياء المحرمة بالداخل، إن نجح أحد في تهريبها، حينها تعلم أن طعم الأكل بملعقة معدنية مختلف تماماً عن تلك البلاستيكية الوضيعة والشاي في كوب زجاجي يختلف بالكلية عنه في الأكواب البلاستيكية أو الورقية المسموح بها، وهذا سر من أسرار الجمال كونك تفكر في هذه الأشياء البسيطة.

- بل عليك أن تعلم أن رسالة قصيرة من أخ صغير أو صديق بعيد أو حبيبة أحرقك الشوق إليها، على تلك الورقة التي لا يعدو حجمها أحياناً كف اليد، كفيلة بأن تنقلك من عالمك لعالم آخر لعدة أيام متوالية، لكم أن تعلموا أن صاحب الورقة له طقوس خاصة لقراءتها ينتظر حتى ينام الجميع يضع سدادة الأذن أو الكرسف حتى لا يسمع أي شيء غير صوت صاحب الرسالة الذي يعيد قراءتها عدة مرات تصل إلى مئات المرات أحياناً، بل يمكنه أن يعيد هذه الحالة مرة أخرى بعد مرور زمن عليها بمجرد فتح الورقة مرة أخرى، اسرحوا بخيالكم معي في جمال وأسرار تلك اللحظات حينها ستعلمون القيمة الحقيقية لتلك الورقة في ذلك الوقت.

- أو عندما يرسل إليك أحد رفاقك بداخل المعتقل أيضاً تلك القطعة من الحلوى أو ورقة الشاي بنكهة الفانيليا التي تحبها ملصق عليها ورقة كُتب عليها كلمة ود صغيرة، أقسم لكم إنها نقشت في القلب قبل أن تنقش على هذه الورقة، عندما يأتيك بها الشاويش الذي يقوم بدور ساعي البريد بعد إغلاق أبواب الزنازين لحظتها تغمرك سعادة تسدل جمالها على هذه الأوقات التي هي سر من أسرار الله أن يجبر أرواحنا بتلك الأشياء البسيطة.

- وإذا رأى أحدنا حلماً أو رؤيا تلك التي في المنام يرى فيها مشهداً جميلاً أو شخصاً يفتقده حجبته عنه تلك القضبان اللعينة، كفيلة بأن تضفي عليه سعادة تغمرنا جميعاً من جمال لحظتها.

- ولكن العجب حقاً إذا مرض أحد الشباب ليلاً ذات يوم فاضطروا بعد طول عناء لحمله لعيادة السجن التي لا يوجد بها سوى سرير الموت، فمن الممكن أن يرى في طريقه القمر في طلة المحيا لا يحجبه عنه تلك القضبان والأسلاك الحديدية، فيكون هذا كافياً بأن ينسيه ما ألمّ به من ألم حتى يتمنى لو مرِض كل شهر من هذا الوقت حتى يدرك جمال هذه اللحظات التي لطالما حُرم منها طويلاً، ثم يعود إلى زنزانته ليظل يحكي عن سحر وجمال هذه اللحظات البسيطة شهراً كاملاً، فإن للقمر والسماء وشعاع الشروق وشفق الغروب جمالات وسحراً يكمن فيه سر الأكوان والوجدان.

- هذا غيض من فيض فصدقوني مئات التدوينات لا تقوى على إحاطة تلك اللحظات ولا تدون تلك الأشياء فلعلنا لم نتطرق لجمال التعذيب أو ألم الحب أو وحشة اللقاء ولا لذبح الفراق، ولعلنا لم نتكلم عن برد العتمة ولا عن الدفء الموحش... إلخ إن لكل معاني الحب والحرب والجمال والكره والموت والحياة كل المعاني لها مفاهيم أخرى غير التي اعتدناها، فلعلّي أتطرق لبعضها في تدوينات قادمة.

* فعليكم إخوتي أن تهربوا من بهرجات هذا العالم التي سحرت أعينكم من مبانٍ شاهقة وسيارات فارهة وملاهٍ واسعة وتكنولوجيا صامتة، كل ذلك أثبت فشله في ري ظمأ الروح، فتجد الواحد يأخذ طائرة ليهرب بها من هذا العالم ثم يقفز من آلاف الأمتار باحثاً عن لحظة سعادة أو دهشة أو مخاطرة، أي شيء جديد ثم يكتشف أنه في النهاية يرتطم بما هرب منه، فعليكم أن تهربوا حقاً ولكن من صور البهرجات الجامدة التي خطفت أبصاركم، لكنها لم تمس أرواحكم، "فإن الروح أذكى وأسمى من أن تنخدع بما انخدعت به أعينكم"، فاسبحوا في بحر تلك الأشياء البسيطة وقدروا قيمتها وغوصوا في أعماق هذه اللحظات العميقة واكشفوا أسرارها وجمالاتها، فإن منها مفاتيح لجمالات وأسرار هذا الكون ومكامن هذه الروح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.