المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود سيف  Headshot

مات الحبيب والحبيبة!

تم النشر: تم التحديث:

أن يموت الحب وأن تموت شريكة الحياة دون نظرة وداع، فهذا هو المعنى الحقيقي للقتل وإن ظلت هناك أنفاس..

وليد خطّاب، ذلك الشاب الذي شارف تجاوز الثلاثينيات من عمره، صاحب الوجه البشوش والطلّة البهية والابتسامة النضرة، والعيون الخضراء، وجمال يوسف، وحضرة نوح.

أبو الأطفال الثلاثة، وصاحب قصة الحب التي تجاوز عمرها أعواماً عشرة، وصديق الزنزانة المجاورة التي أحسست بجدرانها التي كادت تنفجر مما يحمل هو فيها، بين جنباتها، من حزنٍ دفين وألمٍ مرير، وحسرة لا حدود لها، وقهر بلغ الآفاق، وظلم فاق جبروت فرعون عندما قال: "أنا ربكم الأعلى".

اعتُقل هذا الرجل منذ قرابة ثمانية أشهر، لن أتكلم عن ذاك الظلم الذي تعرض له إثر اعتقاله، ولكني سأحكي عن ملمح واحد من ملامح هذه القصة التي لم تنتهِ فصولها بعد، وهو الملمح الأكثر رقة والأشد إيلاماً ووجعاً.

شريكة حياته وصاحبة قصة الحب التي لم تنتهِ فصولها بعد، ريهام حسن، لم تكن شريكة الحياة فقط؛ بل كانت شريكة الروح وأمَّ الأطفال الثلاثة، فبمجرد اعتقال نصف روحها الآخر، لم تتحمل تلك الروح الرقيقة، فأصابها الهمُّ والحزن ومرضت مرضاً شديداً؛ كَمَداً على زوجها ونصف روحها الذي اعتقلوه ظلماً، حتى اكتشفنا أن مرضها الذي هاجمها هو السرطان، ذلك المرض اللعين الذي لا يُهاجم الناس إلا في مواطن ضعفهم. وهل هناك موطن ضعف أكبر من أن تفقد نصف روحك؟

وظلت هي طوال تلك الفترة تعاني ألمَي الفراق، الذي كان أشد إيلاماً من ذلك السرطان اللعين. وكان وليد، بإحساس العجز الذي يعتليه؛ لعدم قدرته على وجوده بجوارها، يعاني أضعاف آلامها. ومن يشعر به مثلي؛ وأنا الذي عشت مثل هذه الأيام واللحظات والمعاناة، عندما اعتُقلت للمرة الأولى وأصيبت أمي ونور عيني كمداً وحزناً عليّ بذلك السرطان اللعين، عندها عرفت معنى القهر الشديد والحسرة المريرة والألم الحقيقي.

وقتها، لم أكن في مكان مسموح فيه بالزيارة، كما لم تمتلك هي القوة لزيارتي، فجاءت جالسةً على كرسي كي تراني للحظات وأنا أصعد عربة الترحيلات المقيتة. ومن حينها، لم أستطع أن أمحو هذا المشهد من ذاكرتي، كما لم أستطع أن أمحو هذا الألم الذي أشعر بغصته في حلقي كلما تذكرته.

أيضاً، لا أستطع أن أمحو مشهد تلك الزيارة الأخيرة لوليد وريهام، عندما جاءته روحه محمولةً على كرسي متحرك، فقد أتعبها الألم وأعياها المرض، لدرجة أنها لم تستطع أن تأتيه واقفة على قدميها.

أقبلت ريهام على يدي حبيبها تُقبّلهما، وأقبل هو يحتضنها وكأنه يقول إنها لم تفارقه للحظة، وانفجر نهرٌ من العبرات على وجنتيهما.

لا أعلم ما كان يدور بخلديهما حينها، ولا أعلم إن كانا يعلمان أنه آخر لقاء بينهما! ولكن يدور بخلدي دائماً أنهما كانا يعلمان أنه اللقاء الأخير، يعلمان ماذا سيحدث وكأنهما يودّعان قصة الحب هذه، ويوصي كلٌ منهما الآخر دون كلمة واحدة، كأن لغة الكلام بينهما تحولت إلى ما تخطه وتنطقه العبرات!

من يومين، خطّت ريهام آخر سطورها في هذه القصة، ماتت ريهام، ماتت أم الأطفال الثلاثة، وماتت الصديقة، ماتت نصف الروح الجميلة، ماتت شريكة الحياة والروح، مات الحب ومات الأمل، ماتت دون نظرة وداع. أما وليد، فقد مات هو أيضاً وإن كان ما زال يتنفس.

ذهبت هي إلى ربها راضية مَرْضية، وتاه هو في ملكوته منطفئاً، يسكب العبرات، يسطر بها ما بقي لهما في هذه القصة.

هذا هو المعنى الحقيقي للقتل، وإن ظلت هناك أنفاس..!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.