المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فايق فايز Headshot

هل تحيا في فندق داخل البيت؟

تم النشر: تم التحديث:

أمجد وهناء زوجان كملايين الأزواج الذين اصطدموا بحائط الفتور الزوجي بعد انقضاء لهفة الاشتياق وجاذبية البدايات في السنوات الأولى من الزواج، وأخذت تلك اللهفة في التضاؤل والنزيف رويداً حتى نضبت، وتحولت الحياة لنظام فندقي رتيب، يحكمها قضاء الحوائج، من الذهاب للعمل، وإعداد الطعام، وتنظيف المنزل، وغسيل الملابس، ومصروف البيت، والعناية بالأولاد، وبعض الترفيه والتنزه الخالي من أي داعٍ من دواعي السرور.

وتحولت الأمسيات الأسرية لصمت بارد، وعيون وقلوب وعقول منهمكة داخل عوالم رقمية على شاشات متعددة من تلفاز وحاسوب وجوال و"تابلت" وخلافه من الشاشات المختلفة، تتخللها كلمات مبعثرة غثّة لا تسمن من الحب والسكن شيئاً.

هناء زوجة حريصة على تماسك حوائط بيتها العاطفية، ولهذا لجأت لكتيب تعليمات إشعال الشغف الزوجي، واستعانت ببعض النصائح من وريقات الكتيب الشعبية المتداولة بين النساء والرجال منذ زمن.

بدأت بإعادة ترتيب الديكورات والأثاث، ثم لوّنت شعرها، وتزينت بالمثير من الثياب والمساحيق الملونة، وتعطرت بالطيب من العطور، آملة في بعضٍ من لهيب الماضي واشتياقه.

ولكن النتيجة لم تكن كما توقعت، فقد ظلت قتامة الملل راقدة على صدر زوجها، وأُسقط في يدها وهي ترى زوجها متحدثاً لبقاً ومتألقاً وشغوفاً في كل مكان، عدا البيت، ومع كل الناس عدا هي.

وبعد الكثير من الحيرة والخذلان والشكوى من طبع الرجال الغادر، وكيف أن لهفتهم تفتُر، ويتململون بعد حصولهم على صك ملكية المرأة، انبثقت في ذهن هناء فكرة عجيبة!

سوف تتقمص شخصية رجل على الإنترنت، وتدخل مجالس الرجال؛ لتشاهد عالمهم من الداخل، وتفهم ما يدور في أذهانهم فيما يخص هذا الأمر العويص الشائك.

وبالفعل أنشأت هناء حساباً باسم رجل على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة وبدأت في تنفيذ الخطة.

التحقت هناء بعدد لا بأس به من مجموعات الرجال المعنية بالزواج، وبدأت تقرأ ما يكتبون وكيف يتفاعلون مع ما هو معروض، وأخذت في تحليل آرائهم ومقارنة تعليقاتهم بعضها ببعض مع التزام الصمت التام، وعدم التفاعل، أو إبداء أي رأي قد يفضح كونها امرأة.

وبعد شهور ستة درست فيها هناء تفكير الرجال وكلامهم عن الزواج، خرجت منها بمجموعة ملاحظات:

1- لا يحب الرجال المرأة المتاحة طوال الوقت، تحتاج الزوجة لإنشاء حياتها الخاصة في عالم بعيد عن الزوج.. إذا أحست الزوجة أن زوجها هو مصدر سعادتها الوحيد، انكبت عليه راغبة في تحقيق كل ما ترغب في الحياة معه، ويزهدها الزوج بعد هذا الانكباب.

2- الحوارات العقلية في النواحي الفلسفية للحياة بين الحين والحين، تخلق جواً مثيراً بين الزوجين بعيداً عن حوارات البقالة والطبخ ومصاريف البيت وتصاريفه، شغف الإنسان الأساسي بدأ داخل مشاهداته عن نفسه وبيئته والآخرين بطريقة فلسفية عميقة، وإن لم يشترك الزوجان في مثل هذه النقاشات، صارت حياتهما جافة عجماء.

3- لإنشاء تلك الحوارات الفلسفية، يحتاج الزوجان إلى القراءة والاطلاع والارتقاء بمهاراتهما العقلية كما يحرصان على الارتقاء بمهارات الزينة والأزياء، أو مهارات تحليل مباريات كرة القدم.

4- في البداية، يبلغ شغف الرجال قمته ويُفتنون بوجه المرأة ويعشقون جسدها ويتغزلون في زينتها ويطربون لصوتها أكثر من عقلها وشخصها، ثم تنقلب الآية بعد فترة؛ ليفتر حماسهم تجاه كل ما هو خارجي وينظرون لما بالداخل، وتبدأ مرحلة الفتور التي لا يكسرها إلا شغف من صنع العقل.

5- الشغف العقلي يأتي بالأنشطة المشتركة المتقطعة بين الزوجين، فالانغماس الكامل معاً قد يأتي بملل، والابتعاد الكامل قد يأتي بجفاء، هناك مقدار معلوم من الأنشطة المشتركة قد يأتي بالشغف بين الزوجين.

6- افتعال الحماس لا يأتي بخير عادة، من الأفضل أن يكون شغف الزوجين المشترك حقيقياً ونابعاً من دواخل قلوبهما لا من متقن تمثيلهما.

7- الانفصال المؤقت بذهاب أحدهما إلى الوالدين مثلاً لبضعة أيام بين الحين والحين قد يشحذ حماس اشتياق الزوجين، فوجودهما في نفس الحيّز المكاني طوال الوقت حريٌ به أن يقتل الشغف مع الزمن.

8- وأخيراً، إصلاح النوايا وتوجيهها في طريق الخير المشترك لهما معاً، فلا خير في زوج أو زوجة يتحينان الفرص والأعذار كي يظل كل منهما في حجرته الفندقية وحيداً داخل البيت.
وضعت هناء تلك النقاط نُصب أعينها وبدأت في تنفيذها نقطة تلو الأخرى ببطء ومثابرة، ولدهشتها، وجدت زوجها وقد بدأت دماء الزواج تسري في أوصاله مرة أخرى، وأخذ في الخروج شيئاً فشيئاً من حجرته الفندقية كضيف حميم، ويعيش معها داخل البيت كزوج شغوف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.