المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تركي المالكي  Headshot

زمن الغيبوبة

تم النشر: تم التحديث:

صرخ أحدهم: أبعدوا كتب فلان وعلان من مدارسنا فهي تكرس للعنف
رد معلم قضى ربع قرن في مدارس التعليم: لم أشاهد طوال حياتي المهنية طالبا واحدا يفتح كتابا في المكتبة!

هناك معلم ما، لا يرجى منه خير، أشغلته هموم الدنيا ونوائب الدهر التي توالت على جسده المترهل، فيما يبدو أحد جيوب ثوبه منتفخا بالأعذار والتقارير الطبية التي تثبت أنه لم يعد صالحا للحياة، يقلب في الأفكار متسائلا ما الذي أصابه؟

ربما عين؟ نعم هي العين، لكن من هو؟ وهل الدنيا تخلو من أولاد الحرام؟
حطام الإنسان هذا تم رميه بين كومة كتب لا يقرأها أحد، تراكم عليها الغبار وسكنتها الأرضة بيتا ومستقرا.

مع كل دورة تدويرية لمديري المدارس تستخرج أوراق العهدة القديمة ليتم تجديدها ومن ثم يضرب بالختم عليها، فيأتي المدير الجديد ومعه كومة من أوراق التعاميم واجبة التنفيذ من فرماناتها تفعيل المكتبة، وهنا عليك بالضبط والربط على الورق فالمقصود سجل الاستعارة، لا بد من امتلائه فيتم وفق ذلك اقتياد الطلاب زرافات للمكتبة ليستعيروا الكتب.

يقف الطالب أمام رفوف الكتب مدهوشا في بلاهة تامة وحيرة عارمة، دقائق وتنتهي الحيرة بتسجيل اسم الطالب وأمامه كتاب «قصة العنز والفلاح»، والخروج من المكتبة التي لن يدخلها في السنوات المقبلة حتى يغادر المدرسة.

في الوقت نفسه، يشرع «النخبوي» في كتابة مقالته التي ستنشر يوم غد في صحيفته التي مر على استكتابه فيها أكثر من عشرين عاما، كل يوم حينما يستيقظ من نومه اعتاد أن يتصفح الصحف اليومية مع جولة سريعة على مواقع التواصل باحثا عن فكرة يطورها ويحسنها ويجعل منها مقالا، ماذا سيكتب؟
لا يحتاج إلى كثير تفكير، يريد مقالا «يفرقع» يثير ردود الأفعال فلا بد أن يظل موجودا في الساحة وسط هذا الزخم الإعلامي الكبير، صحيح أن الصحيفة لم يعد يقرأها أحد، والزخم الهائل الذي كان يحظى به لم يعد كما كان، لكن لا بأس بشيء من الضوء، وفي النهاية «أهي شغلانة» وعلى قول المثل «الإيد البطالة نجسة»، فمكافأة ووجاهة ونخبوية ولو كانت كاذبة، خير من الموت حيا. يفرغ من كتابة مقاله بالأمس، كتب عن ظاهرة التشدد في مجتمعنا «سبق له أن كتب 50 مقالا في هذا الموضوع»، وقبله كتب عن «الآثار السلبية للمراكز الصيفية» رغم أنها لم تعد موجودة! وفي الأسبوع الماضي كتب عن «ضرورة التسامح» باعتبار الإنسانية فوق الأديان، واليوم قرر أن يكتب عن «الكتب المفخخة» التي تملأ رفوف المكتبات في مدارسنا وضرورة إزالتها.
«لزوم الشغل» ينبغي عليه أن ينشر تغريدة برابط المقال، فيما أصدقاؤه ومريدوه سيقومون كالمعتاد بإعادة تغريدها، مع بعض عبارات الإشادة والمدح والتبجيل!

في اليوم نفسه، يتم افتتاح معرض دولي للكتاب في دورته العشرين، تسبقه عاصفة هائلة من الحشد والتحشيد الإعلامي بعناوين باهرة «أسبوع الثقافة»، «القراءة بناء للعقل»، «بالعلم تنهض الأمم»، قبلها بعدة أيام تم منع أكثر من دار نشر من تسويق كتبها لأنها تطرح أفكارا حقيقية! لا تصدق الخبر فتذهب لهذه التظاهرة الثقافية فترى أناسا كأنهم قادمون من كوكب آخر، الأمر أشبه بحفلة تنكرية يلبس فيها الجميع الأقنعة، حيث جرت العادة على لبس الأقنعة في بعض المجتمعات أثناء احتفالاتها، فالقناع يجعل لابسه غير قابل للتمييز والتعرف عليه، وعلى هذا فقد يبدو كما لو أنه فقد هويته وأصبح الروح نفسها، فيما تصنع الكثير من الأقنعة على أشكال الحيوانات حيث ارتبطت هذه العادة بالاعتقاد بأن لبعض البشر القدرة على التحول إلى حيوانات!

تجد المعرض وقد اكتظ بالناس وكثير منهم يسيرون كالموديلات. من ضرورة التماهي مع حدث ثقافي كهذا أن تكون مثقفا حليق الشارب واللحية مع التأنق، هذا يجعلك بالضرورة «تنويريا»، والمرأة حين تكشف وجهها وشيء من شعرها يتدلى من الأمام والخلف مع الكثير من المساحيق فهي «حداثية»، وإذا زادت عليه بتأليفها لكتاب «فتاة في مهب الريح»، أو «امرأة مع وقف التنفيذ» فهي قد ارتقت في سلم المجد والثقافة وليس عليها إلا أن توقع كتابها وتتحدث عن ضرورة تغيير المجتمع عبر تحديثه -باعتبارها إنسانة فارقة وضعتها الظروف في هكذا مجتمع- هنا تجد آلاف الكتب، معظمها بلا مضامين، وإن كانت بمضامين فلا تجد من يقرأها، وإن قُرئت فلا أحد ينقدها نقدا هادفا بعيدا عن الشخصنة، وإن تم نقدها وتعديلها وفهمها وهضمها فهي لا تطبق ولا يستفاد منها، ويتم تدوير هذه المتوالية إلى لا شيء.

العملية استحالت إلى تجارة وفهلوة وتسويق، حتى أن أحدهم أصدر أكثر من كتاب لا فائدة تذكر فيه، فتحمس وأصدر كتابا مغلفا كانت كل صفحاته بيضاء لم يلطخها حبر!! اعتبرها مزحة، غضب الناس قليلا ونسوا.. ألم يسمَّ الإنسان إنسانا لأنه ينسى؟

نعود إلى كاتب المقالات الشهير، فبعد أن نشر تغريدته متضمنه مقالته، دارت حرب ضروس على المواقع الاجتماعية لمدة ثلاثة أيام بين «حماة الفضيلة» وبين الليبراليين/التنويريين، فيما كافة المجتمعيين يشاهدون حرب المكايدة تطحن الكلام طحنا، فيسعدون لرد ويغضبون لآخر، ويؤيدون هنا، ومرة ينفعل أحدهم بكلمة نابية أو شتيمة مدوية هناك، بينما يضحك كاتبنا ملء شدقيه فهو الأعرف بأن ما كتبه ليس له هدف سامٍ، وهو الأعرف أيضا بأنه لا يستطيع أن يأتي بأكثر مما كتبه، ولكن كل هذا ليس مهما.. المهم والأهم أن يبقى في دائرة الضوء حتى ولو مبصوقا عليه، ولن يتم ذلك إلا بالسير عكس بوصلة المجتمع دون الاحتكاك بسقف السلطة، فيصبح كالأعرابي الذي تبوّل في البئر، رغبة في حفظ اسمه في سجلات التاريخ.. إلا أن كاتبنا يحظى بالمال والأعطيات والنخبوية وصوره التي لا تغادر أعيننا، لكن تبقى حقيقة واحدة؛ أن الأعرابي فعلها مرة واحدة وبسذاجة، بينما صاحبنا يفعلها في كل يوم وكل كلمة وكل حرف، رغم أن كليهما ذاهب إلى طريق النسيان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.