المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تركي المالكي  Headshot

كان صرحاً فهوى

تم النشر: تم التحديث:

إذا أردت أن تحكم على فترة تاريخية من عمر دولة ما في أي عصر كان، فعليك حصر النخبة في تلك الفترة ثم قم بوزنها، سيتضح لك على الفور قدرها وأثرها، وهل كانت فترة ازدهار أم انحطاط.
في المجتمعات المتعافية يرتفع المستوى القيمي لدى كافة طبقات المجتمع ويزدهر العلم ويفرز الوعي، فتنتج جراء ذلك المد التصاعدي «نخبة حقيقية» تكون علامة فارقة لعصرها وقوة ناعمة لوطنها وحامية لمجتمعها وراسمة للخيال المستقبلي للأمة.
في المجتمعات التي تشهد انحطاطا يكون العكس تماما؛ فتبرز نخبة بسكويتية متسلقة تخلق الوهم وتنتج حالة نفاقية تتفشى في المجتمع باعتبارها سلّما للوصول، فتزوّر الوعي وتصنع قوة وهمية كاذبة، وهذه علامة على درجة التضليل، حيث تترك الدولة حينها وظيفتها الأصلية وتتحول إلى قوة متسلطة تغتصب حقوق الشعب وتشوّه واقعة وتشوّش مستقبله.
النخب البسكويتية عادة تكون فاقدة للوعي، نصف متعلمة، متسلقة، تتقافز من حبل لآخر لتحقيق أكبر قدر من المكاسب والبقاء في دائرة الضوء مع تأمين تواجد سلالتها من بعدها.
في مجتمعاتنا العربية التي تشهد حالة انكشاف تعد الأسوأ تاريخيا، كان للثورات العربية دور في خلق موجة من الصدمات المتتالية، فقد كانت ساعة الحقيقة المؤلمة حينما سقطت الأقنعة عن وجوه السواد الأعظم من نخبتنا العربية التي طالما تاجرت بالقيم والمبادئ، فانفضحت على رؤوس الأشهاد واضمحلت كل تلك النضاليات الكاذبة، ومما زادهم وجعا تزامن تلك الأحداث مع ثورة الإنترنت ووصولها ليد الجميع، حيث أسهمت في إنزال تلك النخب من بروجها العاجية، وفككت الأسوار التي كانت تحتمي بها، لتصبح في مواجهة المجتمع تماما؛ فتتالت عليها الخيبات بداية من ركاكة الأسلوب وسوء الخلق إلى ضحالة المعلومات وتهافت الرؤى!
المثير في الأمر أن هذه النخب قد تربت على نفس منوال السلاطين والمستبدين، تكتب فيصفق الجميع، تنظّر فتفغر الأفواه إعجابا، فكان أن استبدت بوسائل الإعلام المتاحة حينها من تلفزيون محلي وراديو وصحف ومجلات، ومُنعت في المقابل كل الأصوات الجادة والمضادة، فاحتكرت المشهد والرؤية مما ولد لديها تاليا حالة من الانتفاخ جعلتها تتوهم أنها نخبوية فعلا وأنها خير ممثل للمجتمع وأنها هي المعبرة عن السلطان وحامية العرش وحافظة الوطن، حتى جاءت لحظات المكاشفة فتوالت عليها الصدمات حينما رأت تسفيه أقوالها وآرائها من أفراد المجتمع.
هذه الصدمة خلقت حالة من العدوانية والصلف حدت بالكثير منهم للتحزب في خندق الوطنية والتمسح بثيابها، وتهميش المجتمع، وتسفيه الآراء المواجهة، وتحقير التطلعات، عبر قصف النماذج الصاعدة ومناكفتها، مع تشويه الأفكار والرموز التاريخية وتقطيع المجتمع إلى فئات وأحزاب وطوائف، ومحاربتها ومهادنتها حسب مقتضى الحال، ومن ثم الانتقال من دائرة ضوء إلى أخرى، مستندة على «حب الوطن» الذي لا ينتهي، وعلى الحالة الفكرية «المائية» التي تأخذ لون الإناء الذي تدور فيه في طريقها لإناء آخر.
هذه النخبة الهشة التي نلعنها وتلعننا شاهد علينا وعلى مدى جهلنا وضآلة حجمنا.. ارتقت على ضعفنا واختزلت أحلامنا وقصرت نظرنا عن المستقبل، فغدونا في وضعية استنزاف لا تنتهي، فراكمت قضايانا المجتمعية وشوهت الكثير منها، فاتخذنا من المدرجات مساكن لنا، وأصبحنا عاجزين عن خلق روح وثابة لمجتمعنا ولأنفسنا.
منذ سنوات طويلة نشاهد أنفسنا ونحن نتشوه، وأحلامنا تخبو، ونخبتنا الكرتونية تتحول إلى ديناصورية، وبدلا من أن تكون خير ممثل لنا إذ بها تدهسنا وتلتهمنا وتؤلب كل القوى علينا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.