المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تركي المالكي  Headshot

أكثر من دولة أقل من إنسان

تم النشر: تم التحديث:

مع نهاية الدولة الإقطاعية، برزت الدولة الحديثة بشكلها العصري، والتي أسهم توافر وسائل الاتصال والمواصلات الحديثة في تكريس وجودها وقوتها، كما أفردت سلطاتها ونفوذها على مساحات الأرض كافة التي تتبع لها، فتوغلت بشكل شبه كامل في حياة الشعب وتحكمت في مصيره وطريقة عيشه وأحلامه، وتفردت برسم خططها وآمالها على عاتقه؛ بل ورمت به في سعير الحروب المتّقدة والآيديولوجيات، التي رأى شخص ما أنها هي الخيار الأوحد.

فهتلر رأى أن العرق الآري هو الأنقى وأن لديه مهمة في سيادة العالم عبر غزوه وتطويعه والإنسان الأداة والهدف في نظرته، وستالين كان امتداداً متوحشاً للرفيق لينين، فمات على يديه الملايين في ظروف شديدة القسوة، وكذلك فعل الزعيم الصيني ماو في رؤيته الماوية التي مات في سبيلها الملايين أيضاً، كلهم ذهبوا وصورته الكبيرة باقية في ميدان "تيان آن من" الذي سُحق فيه المتظاهرون فيما بعد.

في الدول العادلة -كما يفترض- يعد الشعب هو الممثل الحقيقي والدولة أداة في سبيل تحقيق آماله ورغباته، التي لم تعد تخلو من توغل أصحاب رؤوس الأموال في تكييف الرأي العام -أي (الشعب)- في سبيل زيادة أرباحهم وتقوية نفوذهم، الذي لا يتم إلا عبر تركيع الإنسان وتشييئه بشكل ممنهج.

في الدول التي لا يهمها لا العادل ولا الشعب، تغدو الدولة كالصنم الذي يجب على الجميع عبادته والحفاظ عليه، باعتباره عصمة الأمر والذي في سبيله يتم حرق الإنسان والأرض وتهجير المواطن وقتله وتشريده وتخوينه وإهانته، والحجة الحفاظ على الأيقونة الخالدة (الدولة)، كما يحتج بذلك بشار الأسد وأتباعه. هذه العبارة السحرية (الدولة) غدت في كثير من أنحاء العالم همّاً جاثماً على صدور الذين تحكمهم، فإن نجحت غدا النجاح لها والثمار بالطبع لها، وإن فشلت دفع الشعب ضريبة ذلك من جيبه وأملاكه ودمه وكرامته.

تغدو الدولة كشكل مميز للوطن وتختص بتمثيله عبر جهاز بيروقراطي ضخم، يصعب في الكثير من الدول التعامل معه؛ ككوريا الشمالية التي يموت أطفالها جوعاً بينما هي تُصدر القرارات حول قصات الشعر الملائمة لمواطنيها الذين يعيشون ويموتون في خدمة الدولة (الهيكل) التي يختفي خلفها المستبد الطاغية هو وأتباعه.

في دول كهولندا وتايلاند، تم تكريس الاتجار بالبشر في أبشع صورة (تجارة الجنس) التي غدت عماد الاقتصاد الوطني، أي الاتجار بالجسد ليغدو مصدراً لثراء الدولة ومعززاً في بقائها ونموها واستمرارها، وأخرى سخرت الإنسان في أوطانها إلى وقود لحروب خارج الحدود حماية لمصالح (الدولة) في بلد ما، وذلك أيضاً يدعم الدولة ويكرس بقاءها ويزيد من مكاسبها، فيتم الاحتفال بالسياسي القاتل وتبقى الدولة الحجة التي تتهافت عندها كل الحجج والتي لا بد أن يموت الجميع في سبيلها، ولا مجال لتصور الحياة في سوق الدول المزدهر من دونها، ويبقى المجهول هو الجحيم الذي لا يمكن للإنسان تصوره من دون معبودها الأبدي (الدولة).

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.