المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تركي المالكي  Headshot

هنا السعودية في الثمانينيات.. هكذا ولد الحلم الأميركي بين الشباب وإلى هذا انتهى

تم النشر: تم التحديث:

منتصف الثمانينات بدأ الابتعاث العلمي للغرب، تحديداً أميركا، وكان هناك برنامج تلفزيوني أسبوعي بعنوان "مع أبنائنا المبتعثين"، كانت حالة عارمة من الدهشة والإكبار في الانتقال إلى العالم الحقيقي؛ حيث البراعة والإتقان والتقدم.

وأنا في عمر الطفولة أتذكر تلك الصبية التي أخذت تستعرض أمام النسوة صور شهر العسل في أميركا، كان ذلك في منتصف الثمانينات، بالإضافة إلى أنه مفارق للعقل بالفعل كيف وأين ومتى يحدث مثل هذا؟

أحد الأكاديميين السعوديين عاد من رحلته العلمية وتسلَّم أحد المناصب القيادية، بعدها بسنوات كتب في معرض كتابه عن تجربة ابتعاثه، كانت الدهشة تفوح من انطباعاته، يقول: انتقلت من القرية الصغيرة إلى الرياض فاندهشت، فانتقلت بعدها إلى أميركا فاندهشت تماماً، كان وصفه متركزاً على الأشياء البنايات الضخمة والخدمات والنظام والأرصفة.. إلخ، كان بعيداً تماماً عمَّا خلف الأشياء.

عادت ظاهرة الابتعاث من جديد، هذه المرة فتح الباب على مصراعَيه، فكل من هبَّ ودبَّ حدث نفسه بالابتعاث، فتم شد الرحال طلباً للاندهاش فوصلت جحافل القوم، وما لبثوا أن تبعهم أقوام من الفتيات الباحثات عن تحقيق ذواتهن، سقط مَن سقط، وتورط العديد في متاعب قانونية مع قانون لا يرحم، وفق ظروف ثقافية شاسعة.

أحد الشباب كان يتسلَّم وظيفية قيادية مرموقة في إحدى الشركات المحلية، أصابته حمى أميركا، لم يكن مؤهلاً لشد الرحال، فتَّشَ فوجد زوجته التي بالكاد أنهت دراستها الجامعية وأحست بالاكتفاء، بعد جدال طويل تمت الموافقة على إكمال دراستها غرباً، طلب إجازة طويلة المدى من عمله من باب جس النبض، جاءت الإجابة المتوقعة بالرفض، قذف لهم الاستقالة غير آسف، فالثمن أميركا.

شد الرحال لكن في البداية كان لا بد من سنة تحضيرية للغة الإنكليزية في معهد متخصص، وكان ذلك في إحدى القرى الصغيرة؛ حيث كانت الفتاة تعبر إلى معهدها يومياً عبر مزرعة كبيرة للخنازير، انتهت السنة الدراسية، وكانت الخيبة واضحة، لم يشاهد الحالم ما كان يتخيله في قنوات الأفلام العربية التي لا تكف عن عرض الأفلام الأجنبية صباح مساء.. ضاع الحلم، عاد ليستوطن ملحقاً بائساً وصغيراً في بيت العائلة بعد أن فقد الوظيفة والحلم.

في إحدى المكتبات كان الأب يتجول في قسم القرطاسية مع أطفاله الثلاثة، كانوا يتحدثون بالإنكليزية والأب يتابع ويصحح لهم بسعادة لا تخطئها عين، ويعود الوجه صارماً حينما تصدر من هذا الطفل أو ذاك كلمة عربية، فلا مجال هنا للخطأ، فالإنكليزية هي مفتاح المستقبل والسعادة والتطور، تلك الفترة تحديداً كانت موضة المدارس العالمية التي تدرس المناهج الأجنبية وباللغة الأجنبية، فالتطور والعصرنة لن ينتظرا أحداً، حتى أصبح عدد هذه المدارس يكاد ينافس محلات البقالة.

في إحدى استراحات العزَّاب كان ذلك الشاب يحتل أحد الأركان، وقد غطته سحابة من دخان الأرجيلة يقطعها بحديثه عن شهادته الكبيرة (الماجستير) التي جلبها من أميركا، ومنذ سنتين لم يحصل على الوظيفة الملائمة.

العائلات التي لا مجال لها في الابتعاث استدانت ما يكفي لقضاء العطلة الصيفية في بلاد الغرب، كانت صورة لامرأة تعبر أحد شوارع زيلاماسي بالنمسا، وفوق رأسها قِدر صغير، الصورة معتادة في شوارعنا لكنها أصابتنا بالخجل، كيف ولماذا تفعل ذلك وهناك؟! ذاك لا يليق، ازدادت الحمى حتى قام أحد الخليجيين باغتيال البطة بعدما استدرجها بكسرة خبز، كان للمرحومة مكانة وتقدير عند أهالي البلدة زاد من حرقتهم فيديو متداول والخليجي يطبخها في أحد المنتزهات، كانت فضيحة بكل المقاييس زادت من شعورنا بالنقص، الذي هو في تهافت مريع، فيما بعد سمعنا أن تلك الدولة حددت عدد التأشيرات القادمة لها من بعض بلاد العرب.

ما زلنا في ألم البطة فظهر فيديو آخر لمشادة كلامية بين خليجيات على طريقة الردح في إحدى عربات الترام الأوروبية، قتلنا ذاك المشهد ولم نحيَ بعده.

فتاة خليجية تخصصت في الأدب الفرنسي في إحدى الجامعات الغربية، بعيداً عن حاجة بلد نامٍ لابتعاث فتاة لتدرس الفرنسية!! الفتاة أخذتها الحماسة فصورت مقطعاً لها وقد ألقت الحجاب وتتحدى "رجال" الدين، كما سمَّتهم، انتشر الفيديو حينها انتشاراً هائلاً في وسائل التواصل، تباينت الآراء حوله الضجة تحمَّست الفتاة لتتحول إلى مناضلة تتحدث عن كل شيء، وترى أنها المخلص لمجتمع أثقله التخلف، بعد عودتها للوطن اقترنت بفنان يوتيوب، وأعلنا تحدي كل شيء!

انفضَّ المولد، وانتهت الحفلة، وعاد مَن عاد، أحدهم فاز بما يريد، وآخر أخذ ينظر عن ضرورة تغيير المجتمع، طبعاً بجمل حُملت بالكلمات الإنكليزية لزوم الشيء، وهناك من عاد واكتفى بترجمة مقاطع من برامج ومسلسلات فكاهية أجنبية، هذا فضلاً عن التنويريين الجدد الذين أخذوا يتساءلون عن ماهية الله، والميتافيزيقيا، والتعريف بنظرية داروين التي تشهد تآكلاً في بلادها، وما يستتبعها من محاولات لتفكيك الدين والمقدس، طبعاً فنحن قادمون من بلاد التنوير.

اجتماعياً حدِّث ولا حرج، ألحَّت على زوجها بكل ما تملك حتى انصاع لأحلامها، سافروا إلى سياتل، بعد سنة ونصف أحس الزوج بالإذلال بعد تركه لوظيفته والعيش على مكافأة الابتعاث، وسط حياة رأسمالية لا ترحم، عاد إلى الوطن، وعادت هي لبيت أهلها بطفل رضيع وورقة الطلاق.

آخر كان من شدة دهشته وانبهاره أنه عرض الزواج على أول أميركية قابلها، قابلته بدورها فانبهرت من اندهاشته ووافقت، في الثقافة الغربية ينبغي للفتاة أن تخضع لما يشبه فترة التجربة مع العشيق تقوم فيها بكامل أدوار الزوجة، وقد يصل بها الحال إلى الإنجاب أكثر من مرة، حتى ينزل لها العاشق المتيَّم على ركبتَيه، ويطلب يدها للزواج، كما في المسلسلات والأفلام الرومانسية، حينما تبهرنا جميعاً طقوس كل ذلك الحب والعشق (في الواقع الغالبية لا تعرض على العاشقة الزواج).

ما علينا.. تزوجها وعاش معها تجربة ثرية ظلت تخفت كل يوم، حتى ابتليا بطفل غير مرغوب فيه، أصر الفارس العربي على تسميته باسم والده، كما جرى العرف في تكريم الأب، في نهاية البعثة وبعد تخرجه هرب وترك أميركية حائرة مع طفل يحمل اسماً عربياً!

آخر بعد عقد قرانه على ابنة عمه سافر على أن يرتب أموره لتلتحق به، بعد فترة وجيزة أجرى اتصالاً بوالده حاسماً كل تردد يخبره أنه قد تزوج من فتاة أميركية، سقط الأب مصاباً بجلطة، تطلقت ابنة العم، العم قطع علاقته بأخيه وبقية العائلة، مضت سنوات والأب يرفض ذكر اسم هذا الابن أمامه.

شاب آخر تزوج وكانت الأميركية على غير المعتاد، امرأة "منجاب" ففي ظرف خمس سنوات كان هناك أربعة أطفال فيما بعد عادت العائلة إلى "أرض الوطن"، كان أول المنغصات مصافحتها لوالدته بيدها اليسرى، ثم اللباس غير المحتشم، حينما اقتحمت به مجلساً للرجال؛ لتسأل زوجها بكل براءة عن شاحن الموبايل!

لم تمضِ فطرة طويلة إلا وقد أفصحت الأميركية عن تذمُّرها من نمط الحياة الخالي من الركض بالشورت على الرصيف، والسينما، وحفلات الرقص، والكحول، وتربية الكلاب، بعد صبر ومد وجزر، شدت حقائبها عازمة على الرحيل، طلباً لإجازة قصيرة تعود بها وقد جددت من حيويتها، أخذ يتملص منها بهدوء، فالوضع مخيف لا يحتمل التجربة، ماذا لو قررت عدم العودة والاحتفاظ بالأطفال؟ فكانت تسوية هادئة، سفر مفتوح بدون أطفال حتى يسويها الله من عنده.

شاب آخر عاد من أرض الحضارة، وصلت الأمور بينه وبين زوجته إلى حد الطلاق، فقد رفض لبسها للعباءة، مشبهاً إياها بكيس القمامة، وأن البشر قد تطوروا ووصلوا إلى حد العري في بلدان العالم الأول!! أو هكذا قال.

حالة الاندهاش التي تجعل ناساً ما يتهافتون كالفراش حول النار فيحترقون على مراحل تجعلني أستغرق كثيراً في محاولة فهم هذه الحالة، أحس أحياناً أنني من عصر سابق لم أعد أستوعب هذا الحجم من الانزلاق.

الاندهاش يظل ينمو في عالمنا العربي، فيتجاوز الأفراد إلى الجهاز الحكومي حتى تغدو الدولة كلها -شعباً وقيادة- مفتونة بالشكل الأميركي، فهو الخلاص وهو منتهى الأمر.

في زمن الانفتاح الإعلامي أصبحنا في حالة انكشاف كامل، ومنها أميركا بشعاراتها الفضفاضة كالعدالة والديمقراطية.
سقطت الأقنعة فاتضحت الرأسمالية المتوحشة والسياسات المنحازة والقيم السائلة وشخصية الكاوبوي المتخفي تحت ربطة العنق المهذبة.

لم يعد الغرب براقاً، بلدان محملة بالمشاكل الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، فيها من المزايا ما يكافئها من العيوب، اندحضت تماماً شعارات العدالة والديمقراطية والحرية، اتضح أنها غائيات تستحيل إلى مآلات محددة في أماكن معينة لأناس مخصوصة تنتفي تماماً مع أناس آخرين في مكان ما.

بالمقابل، لم يعد لائقاً كل هذا الاحتفال بشهادة قادمة من وراء البحار، فأنا أعتقد أن الشهادات لا تصنع مجتمعاً متطوراً ولا متقدماً، وأن مراكمتها بدون زرعها وتوطينها في مجتمعاتنا العربية عن طريق الفرز والانتخاب وتنحية التعليم تماماً عن الفساد والإفساد هو السبيل الوحيد، وأن كل التجارب أثبتت أنه لا يمكن صنع التقدم والتطور عن طريق مسخ الهوية وتسييل أخلاق الشعب وجعله متهتكاً.

أن تتأخر قليلاً في طريق النهضة والتطور خير من ضياع هويتك وطبيعتك وشكلك المميز.